قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يصور لنا البعض من السياسيين وشيوخ الدين والكثير من وسائل الإعلام مايدور في الشرق الأوسط من معارك وإضطرابات وتجاذبات على أنها صراعات طائفية بين السنة والشيعة. ومن المؤسف أن أصل الصورة المرسومة تلك مصدره شيوخ الدين الطائفيين الذين يعتلون المنابر ويعلنون الجهاد على كل من خالفهم. فهل أن أصل المشكلة وتداعياتها من معارك في العراق وسوريا ولبنان وتجاذبات في دول أخرى هي طائفية أم هي سياسية بلباس طائفي؟

دعوني أولاً أميز بين ماهو سياسي وماهو طائفي عندما يكون هناك صراع محتدم بين الأطراف. نعم، أن الصراع السياسي هو صراع المصالح لمجموعات مختلفة فيما بينها، فكل مجموعة تبحث عن مصالح أفرادها وتستخدم الوسائل المختلفة لتحقيق تلك المصالح حيث تتجسد تلك المصالح في إستراتيجيات ومشاريع وطنية وأقليمية وقارية وحتى عالمية. أن الحديث عن الصراع السياسي هو حديث عن صراع بين من يمتلك السلطة ومن لايمتلكها ويتجسد هذا الصراع بشكل قانوني حول تشريعات معينة أحيانا ً أو بالمعارضة السلمية أو المسلحة أحيانا ً أخرى حيث يعبر ذلك الصراع عن نفسه من خلال وسائل الإعلام المختلفة. أن الصراع السياسي تقف خلفه أيدلوجيات معينة وهو متغير بتغير الظروف الموضوعية الممكنة في تحقيق مكاسب معينة ويخضع دائما للقاعدة الجيوسياسية التي تتغير بتغير القوى الإقليمية والعالمية.

أما الصراع الطائفي فهو صراع بين دينين أو طائفتين من دين واحد من أجل السيطرة على أرض ما أو مكان مقدس ما أو من أجل العمل بشعائر معينة من قبل طائفة ترفضها الطائفة الأخرى لأسباب عديدة أو من أجل قدسية زعيم طائفي حتى لو كان يعيش في التاريخ. على العكس من الصراع السياسي الذي يتغير بتغير موازين القوى يكون الصراع الطائفي صراع وجود وهي مبدئي في أصله لأنه يخضع لدوغما الأفكار المتأصلة في التاريخ إذ تحيط بها قدسية تجعلها بعيدة عن النقد أو التغيير. أن من يقود الصراع الطائفي هم الأصوليون الذين يعتقدون بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة المزعومة والمدعومة بقوى ميتافيزيقية إذ لايمكن المساس بها. الأكثر من ذلك، يستمد الصراع الطائفي وقوده من التاريخ بإعتباره صراع أزلي وجودي يميز بين الحق والباطل المتجسد بالشيطان في قبالة الله. فبينما يعتمد الصراع السياسي على الإقصاء والتهميش السياسي يعتمد الصراع الطائفي على الإلغاء الفيزيائي وذلك من خلال عملية معقدة تصل ذروتها بتكفير الآخر المختلف الذي يستحيل العيش معه.

كيف نفهم مايحدث الآن في سوريا والعراق ولبنان، وفي بعض الدول الأخرى ولكن بشكل أخف: هل هو صراع طائفي أم سياسي؟ الجواب سهل وبسيط وسريع أيضا ً، إنه صراع سياسي بإمتياز يلبس لباس الطائفية. فنحن أمام مشروعان سياسيان أقليميان، فمن جهة هناك مشروع إيراني في المنطقة ويتجلى بدعم النظام الحاكم في سوريا بشكل مباشر أو من خلال حزب الله اللبناني، وهنا أستثني الحكومة العراقية حتى هذه اللحظة، فالذين يشاركون في القتال من العراق مع النظام السوري يأتون بشكل أفراد أو حتى تجد خلفهم بعض المنظمات والمؤسسات والأحزاب الدينية، بالرغم من زيارة المعلم لبغداد والمحاولات العديدة من دول ووسائل إلعام لزج الحكومة العراقية في الصراع القائم. أن من يقف خلف هذا المشروع هما روسيا والصين بشكل واضح وصريح. أما المشروع الثاني فهو المشروع القطري السعودي التركي ومن ورائهم الولايات المتحدة بدعم الجيش الحر الذي على الأقل لم يختلف إلى الآن مع الجماعات التكفيرية المتشددة التي باتت تمسك الكثير من الأرض وربما تنفذ عمليات لايستطيع الجيش الحر تنفيذها وحده.

إذا كان الصراع في سوريا والعراق ولبنان طائفيا ً وليس سياسيا ً، فلماذا لم يتقاتل الطرفان بشكل مستمر ليفني أحدهما الآخر على مدى التاريخ ولماذا تعايش الطرفان على مدى التاريخ، بالخصوص في العراق إذ ترى السنة والشيعة في القبيلة الواحدة أو العائلة الواحدة، ولماذا في هذا الوقت بالتحديد تشتعل الحرب الطائفية ولم تكن من قبل! إذن، إذا لم يكن الصراع طائفيا ً فهو سياسي بإمتياز وهذا واضح عندما نرى تدخل الدول الإقليمية والعالمية في الصراع في سوريا والعراق وهي لاسنية ولاشيعية إذ تبحث عن مصالحها فقط. حتى أكثر التيارات التكفيرية والأصولية هي صنيعة عاليمة تمثل مصالح قوى عالمية وأقليمية تستخدم الدين في تمرير مشاريعها وأجنداتها السياسية. ومن هنا، أستطيع أن أفهم الدعوة إلى الجهاد في أفغانستان ضد الإتحاد السوفيتي السابق والذي وقف في طوابيره الآلاف من الشباب العربي المسكين في العواصم العربية المختلفة وكيف ذلك يتجدد اليوم حين يعلن العريفي الجهاد في سوريا التي تقف ورائها روسيا عدو الأمس في أفغانستان، إذ يزامن تلك الدعوة من العريفي وفي نفس اليوم قرار رفع الحظر عن تسليح المعارضة السورية من قبل الامريكان، فهل تلك مصادفة! بالتأكيد ليست مصادفة، أن جهاد العريفي وأمثاله ينسجم مع ماتطمح له الولايات المتحدة بتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط لصالحها ولصالح إسرائيل.

في هذه الأثناء، قد غيب صوت المواطن العادي، الإنسان البسيط في سوريا بين دكتاتورية بشار الأسد وبطش المعارضة التي لاتقل عنه دموية وهي تدين بين اليوم والآخر عمليات قتل يقوم بها مسلحون بأسم الجيش الحر، أما الديمقراطية فهي في خبر كان بتصارع كل تلك القوى السياسية على الأرض السورية وقبلها لبنان والعراق ويتصدر تلك اللعبة القذرة شيوخ الفتنة من الطائفتين وماهم إلا دمى سياسية تحركها خيوط أقليمية وعالمية من حيث يعلمون ولايعلمون.

إذن، مادام الصراع سياسيا ً وليس طائفيا ً فلابد أن يكون الحل سياسيا بإمتياز والذي لن يكون إلا بتفاهم الدول الأقليمية والعالمية بعيدا ً عن الحل العسكري الذي دمر تلك البلدان ومازال يأتي على ماتبقى. لابد أن يعطي هذا التفاهم الشعب السوري والقوى الوطنية التي تمثله الحق في إدارة عملية التحول نحو الديمقراطية والتعددية في دولة متعددة الطوائف والقوميات والاديان ليعود ذلك الإنسان البسيط العادي في سوريا وحتى باقي الدول المجاورة صاحب المشروع الحقيقي وليس غيره!

[email protected]