قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

أكد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في خطاب مفاجئ أن الأردن قوي وصامد بثبات على مرّ العقود في وجه كل من راهن على سقوطه. وقال إنه أثبت أنه أقوى وأكبر من كل ضعاف النفوس، الذين يتربصون به. وفي خطابه للأسرة الأردنية الواحدة، أكد فيه "أن قوتنا ودورنا الـمحوري في المنطقة والعالم ليس صدفة، بل هو من صنع الأيدي الأردنية المثابرة المبدعة، التي وضعت الأردن على خارطة التميّز والإنجاز، ورفعت راية الأردن عالياً في مختلف الميادين". وهذا ما يميز نظام ملكي أردني عقلاني من أنظمة الفشل العربي الجمهوري الثوري.

لنعد للخلف ونتمحض الفروق الشاسعة بين الأنظمة الملكية وأنظمة الشعارات التي تضطهد شعوبها وتدمر البلاد من أجل التشبث في السلطة.

العراق بعد الملكية:

استمر الحكم الملكي الهاشمي في العراق حتى عام 1958، عندما أطاح به انقلاب عسكري قام به االجيش العراقي، والمعروف باسم ثورة 14 تموز المشؤومة التي اسست لثقافة القتل والسحل والاعدامات العلنية في الساحات العامة والتصفيات العرقية والدينية والمذهبية، والذي قاد الانقلاب ضابط يدعى عبد الكريم قاسم مع زمرة من ضباط الجيش. ونتج عن هذا الانقلاب المشؤوم دخول العراق في نفق من الخراب والدمارعلى الوطن والشعب وأشير لما كتبه رجل عراقي في الذكرى الخامسة والخمسين عام 2013 " هؤلاء الانقلابيون ومن ايدهم وآزرهم وطبل وصفق لهم ومن تناسل منهم، هم المسؤولون الأوائل عن خراب وتدمير العراق، فقد اسسوا لثقافة كانت غريبة على مجتمعنا العراقي عندما تنادوا الى الثأر وإراقة الدماء فراح ضحية حقدهم ارواح عراقية طاهرة زكية"!

الحقيقة انه منذ ذلك التاريخ المشؤوم حتى يومنا هذا لم ينعم العراق بيوم واحد من الاستقرار والرخاء. حيث شهد العراق موجات من الانقلابات والاعدامات والاغتيالات والصراعات التي أفرزت صدام حسين الذي شن حربه على ايران واضطهد الأكراد والشيعة واحتل الكويت وفتح الأبواب للتدخل العسكري الخارجي وتلى ذلك سقوط بغداد وانتهى الأمر بالعثور عليه مختبأ في حفرة بائسة قبل اعدامه. ومنذ عام 2003 حتى هذه اللحظة بقيت العراق ملعبا للصراعات الطائفية والارهاب والتدخل الايراني والاحتلال الداعشي لاجزاء من العراق. والذين استلموا زمام الأمور في الحكم فشلوا حتى الآن في بسط السيادة والاستقرار والأمن في العراق. فهناك حاجة لعشرات المقالات والمجلدات لاعطاء الموضوع حقه من التحليل.

سوريا الشعارات والقومجية الزائفة:

أما في سوريا ومنذ انقلاب حافظ الأسد على زملاءه عام 1970 عندما قاد انقلابًا عسكريًا على رفيق دربه «صلاح جديد» ورئيس الجمهورية نورالدين الأتاسي في 16 نوفمبر 1970، فيما يعرف بـ«الحركة التصحيحية»، وسجنهما مع العديد من معارضيه بقيت سوريا دولة بوليسية قمعية وشرسة في التعامل مع اي معارضة في الداخل وحملا وديعا بما يتعلق باسرائيل.

وتولى «الأسد» رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الدفاع في 21 نوفمبر 1970، ثم ما لبث أن حصل على صلاحيات رئيس الجمهورية في 12 مارس 1971، ليكون بذلك أول رئيس في التاريخ السوري ينتمي إلى الطائفة العلوية. وشهدت سوريا صراعات ومجازر أشهرها مجزرة حماة المروعة حيث قتل النظام أكثر من 20 الف مواطن وأشرف رفعت الأسد عم بشار الأسد على هذه المجزرة عام 1982 ولا يزال ينفي انه لعب دورا فيها وعندما قابلته للمرة الأولى في آيار 2005 في مكاتب قناة ايه أن أن الفضائية في لندن أقسم لي بأنه لم يؤذي فأرا او حشرة حتى قبل ان أفتح الموضوع معه.

أما ليبيا التي حكمها معمر القذافي بالحديد والنار وصاحب الكتاب الأخضر ونظرية زنقة زنقة الذي أفقر البلد وأعدم الآلاف من الليبيين وكان يهيء ابنه سيف الاسلام لخلافته لولا سقوط النظام في خريف 2011 وانتهى به الأمر بأحد المصارف الصحية للمياه العادمة حيث قتل بطريقة بشعة.

أما الجمهورية السودانية العتيدة التي يترأسها عمر البشير صاحب مجازر دارفور والهارب من العدالة الدولية تقمع كل من يعارض النظام وتطبق الشريعة الاسلامية حتى على غير المسلمين. لم يتورع نظام البشير المجرم من اعدام ثمانية وعشرين ضابطا و أكثر من أربعة وخمسين جنديا ليلة القدر في اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان 24 ابريل 1990. البشير يواصل خطى سيء الذكر جعفر النميري الذي أعدم معارضيه السياسيين شنقا في السبعينات والثمانينات.

لنقارن أنظمة القمع الثورية بالأنظمة الملكية:

قارن تلك الجمهوريات الثورية الوراثية القمعية بالأنظمة الملكية في المغرب والسعودية والأردن وستجد الفرق الشاسع. هذه الدول لا تقصف شعوبها بالطائرات ولا تعدم الناس في الشوارع. أثبتت الملكيات أنها أكثر انسجاما مع شعوبها من الأنظمة الثورجية القومجية الجمهورية وأثبتت الملكيات انها أكثر احتراما لشعوبها واكثرا مراعاة لحقوق المواطن وحقوق الانسان دون الحاجة لرفع شعارات رنانة للضحك على الساذجين في الشارع العربي.

باستثناء البحرين التي تشهد حالة من التوتر بسبب التدخل والتحريض الايراني فان المغرب والسعودية والأردن ودول الخليج تتمتع باستقرار سياسي ومناخ آمن وأجهزة أمنية قوية للحفاظ على سلامة وأمن المواطن وليس لقمعه والتنكيل به كما يحدث روتينيا في انظمة القمع الجمهورية. وكمثل بسيط على ذلك أسلط الضوء على النظام الهاشمي في الأردن وأقارنه مع الجمهوريات المجاورة.

بعد وفاة الرئيس السوري "حافظ الأسد"،الذي حكم سورية خلال ثلاثة عقود (1970-2000) ورث بشار الأسد منصب رئيس الجمهورية بعد تعديل سريع للدستور وواصل سياسة والده القمعية التي شملت المجازر والاعدامات والتصفيات وزعزعة الاستقرار في لبنان واغتيالات خصومه السياسيين والاعلاميين. مختصر الكلام ان بشار لم يكن مؤهلا ان يكون رئيسا للجمهورية حيث ظهرت ملامح الغباء والتهور في تعامله مع الاحتجاجات السلمية منذ ربيع عام 2011.

في المملكة الأردنية الهاشمية يوجد دستور واضح يفصل السلطات الثلاث ويحدد صلاحيات الملك. صدر الدستور الأردني في 8 يناير/كانون الثاني 1952، في عهد الملك طلال والد الملك الحسين طيب الله ثراهما وجدُّ الملك عبد الله الثاني بن الحسين. ويتكون الدستور من تسعة فصول، و131 مادة دستورية، وقد اعتبر واحدا من أكثر الدساتير العربية نصا على فصل السلطات، وعلى الحريات العامة بمواد واضحة، وعلى منح حق العمل السياسي والحزبي والتنظيم النقابي للمواطنين.

لا يحكم الأردن دكتاتور وطاغية جاء بانقلاب عسكري بل ملك هاشمي واعي ومعتدل وعقلاني ويتمتع بشرعية دستورية ودينية وتاريخية. والملك عبدالله الثاني وبشهادة معظم قادة العالم والمؤرخين والمتابعين يخدم الأردن بعقلانية وحكمة جلبت الاستقرار والأمن للأردن وجنب بلاده الكوارث التي حلت بالشعوب التي حكمتها انظمة جمهورية ثورية وراثية جلبت المصائب والدمار لشعوبها.
في سوريا الجمهورية الثورية لا يوجد حرية تعبير ويتم اعتقال من يتجرأ كتابة مقال فيه انتقاد للنظام ويتم تعذيبه وقتله. حيث يتم التنكيل بالصحفيين والفنانين ورسامي الكاريكاتير والروائيين وتعذيبهم وقتلهم. هذه طبيعة البعث الذي يترأسه السفاح بشار ألأسد. هذا لا يحدث في الأردن.
وبعكس سوريا يتمتع الأردن بهامش واسع جدا من حرية التعبير واذا القيت نظرة على الصحافة الورقية والمواقع الاليكترونية ستجد تقارير ومقالات تنتقد وتستهزيء بالحكومة وبرئيس الوزراء وتسخر وتهاجم وتعيد نشر تقارير نقدية ظهرت في صحف أميركية وبريطانية ومن صحف أخرى. هل تستطيع صحيفة سورية او موقع سوري في دمشق ان يعيد نشر مقال يتنبأ بسقوط بشار الأسد او انهيار البنية العسكرية للنظام.؟ هل يستطيع مدون ان يهرب من شبيحة النظام؟
في الأردن حزب الاخوان المسلمون يعمل بحرية تامة رغم أنه يحرض ضد الدولة تارة وتارة يبتز ويهدد ويطالب باسقاط النظام مستغلا الأزمة الاقتصادية للتحريض ضد الملك ورغم تقلباته وانتهازيته وتهديداته وأجندته الطالبانية رغم كل ذلك يسمح له العمل بحرية. أما في سوريا الجمهورية الثورية الوراثية الممانعة والمقاومة لا يستطيع الاخوان الاشهار باخوانيتهم لأنه حسب المادة 49 في الدستور فقد حكم عليهم بالاعدام مسبقا حيث يتم اعدام من ينتمي لحزب الاخوان المسلمين.
كيف تعامل الأردن مع الربيع العربي؟
قبل ثلاثة اعوام واثناء موجة من الاحتجاجات والمظاهرات تعامل الأمن الأردني بانضباط وعقلانية وحرفية متناهية. أما في سوريا قمعت المظاهرات السلمية بقسوة شديدة وقتل المئات يوميا وتوقف التظاهر السلمي.
في الأردن لا يتم محاصرة المدن وقطع الماء والكهرباء عن الأهالي وقصفهم من الجو. في سوريا هذا يحدث على شكل روتيني. في سوريا يرتكب النظام المجزرة تلو الأخرى. هذا يا سادة لا يحدث في الأردن ولكنه يحدث في قلب العروبة النابض السوري بشكل نمطي وروتيني. استطاع الأردن تجنب التصدعات والمواجهات العنيفة حيث تمسك بمبادئ الحوار واحترام حقوق الإنسان والتشاور.
عندما اندلع الربيع العربي عام 2011، تنبأ بعض المعلقين والمحللين بأن الأردن سوف لا ينجو من هذا التسونامي، حيث قال معلق عربي معروف بتأييده للحركات الإسلامية على احد الفضائيات بعد سقوط نظام حسني مبارك في مصر، بأن الأردن سيكون مرشحا للسقوط وأجبت على ذلك في مقال مفاده أن هذا التنبؤ خاطئ، ومتسرع وأن المتنبيء رغم شهرته لا يعرف الأردن جيدا. بعد 4 أعوام، لا يزال الأردن صامدا ويبقى واحة من الاستقرار والعقلانية في منطقة ملتهبة.
النظام الأردني سمح لكل اطياف المعارضة بما فيها السلفية والإخوان المسلمين أن يمارسوا نشاطهم السياسي في إطار القانون. وأي خروج عن القانون يتم مواجهته بحزم من قبل الدولة وبدعم من الشعب الذي يقف خلف القيادة الهاشمية.
الصمود أمام التحديات:
رغم تهديدات داعش الشفهية الا انها لا تجرؤ الاقتراب من الحدود الأردنية واذا غامرت وفعلت ذلك ستواجه هزيمة منكرة.
الجيش ألأردني ليس مثل الجيش السوري الطائفي الذي يقتل كل من هو غير علوي والجيش العراقي الذي انهار وتبخر في الموصل في حزيران 2014 امام عصابات ومرتزقة داعش.
الجيش الأردني جيش وطني محترف وليس جيشا طائفيا هشا والمجتمع الأردني مجتمع متماسك يقف خلف قيادة هاشمية واعية وحكيمة. لقد استطاع الأردن، وبقيادة عبدالله الثاني أن يحقق إنجازات كبيرة على صعيد الإصلاحات الشاملة، وبخاصة الإصلاح السياسي، وأن يجسد نموذجاً في الديمقراطية يقوم على الدراسة الهادئة والتشاور. لا بد من القول أنه بحكمة وشجاعة وثقابة رؤيته، استطاع عبدالله الثاني أن يحمي الأردن وينأى به عن النكبات والويلات التي حلت بالمنطقة، حيث أمسك بزمام المبادرة للمزيد من الإصلاحات معتبرا الربيع العربي فرصة تاريخية للسير قدما من أجل تحقيق الإصلاح الشامل.
لا يحتاج المرء أن يكون عبقريا ليكتشف أن الأردن رغم مشاكله الاقتصادية هو بحالة أفضل بآلاف المرات من بلدان الفشل العربي، في العراق وسوريا والسودان، وأفضل بكثير من تونس وليبيا ومصر. نعم الإصلاح مطلوب وتم اتخاذ خطوات حقيقية والمزيد على الطريق. فخلال العامين الماضيين، طرح ملك الأردن أوراق نقاشية على شكل مقالات تشكل تعزيزاً واضحاً لثقافة الحوار وأساسها التركيز على الديمقراطية التي شكلت عاملاً مشتركاً بين كل هذه الأوراق من خلال عناوينها الرئيسة.
أسأل تلك الفئة التي تنادي باسقاط النظام وإن كانت قلة أي موديل تفضلون ليحل محل النظام الملكي الأردني؟ هل تفضلون بديلا سوريا او عراقيا او ايرانيا او قذافيا او حمساويا او سودانيا أو داعشيا؟
عندما ينظر الأردنيون لما يحدث في سوريا وفي العراق وفي ليبيا وفي اليمن ماذا يشاهدون؟ فوضى ومجازر وارهاب وانفلات أمني؟ وأذّكر بما قاله عبدالله الثاني:
"بارك الله الاردن، هذا البلد الذي ما كان قدره يوماً الا ليكون مقدمة لما هو اعظم".
لندن