اتهام صفوت الشريف بـ "تلغيم النظام" قبل رحيله الوشيك
فريق جمال مبارك نحو حسم معركته مع "الحرس القديم"
نبيل شرف الدين من القاهرة : هناك على الأقل أربعة من كبار المسؤولين في مصر يوقنون تماماً أن ما تبقى لهم من أيام فوق مقاعدهم لا تتجاوز أيلول (سبتمبر) المقبل، أي بعد إعادة انتخاب الرئيس الحالي حسني مبارك ليبدأ ولايته الخامسة، التي لا يجادل أحد في مصر بشأن تحققها، وهنا يشار إلى أن الدستور يقضي بأن يقدم رئيس الحكومة استقالته لرئيس الجمهورية، الذي قد يعيد تكليفه أو يكلف غيره لتشكيل حكومة جديدة، يختص الرئيس فيها بتحديد أسماء عدد ممن سيحملون "الحقائب السيادية" وفي مقدمتهم وزراء الدفاع والداخلية والخارجية فضلاً عن الإعلام والعدل، وقد يمتد الأمر بالطبع لحقائب وزارية أخرى، فضلاً عن مناصب لا تقل أهمية عن الوزارة كرئاسة جهاز المخابرات العامة، ورئاسة مجلسي البرلمان (الشعب والشورى)، ناهيك عن مواقع قضائية رفيعة يتصدرها منصب النائب العام، ورئيس محكمتي النقض والدستورية العليا، إضافة إلى رئاسة الأركان وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، وباختصار كل ما يتعلق بالمناصب العسكرية العليا، وهناك أيضاً مواقع أخرى كرئاسة بعض المؤسسات الصحافية الحكومية الكبرى، وهيئة الرقابة الإدارية وعيرها من المناصب العليا في الأجهزة السياسية والإدارية والأمنية والقضائية .
أما هؤلاء المسؤولون الأربعة الذين أشرنا إلى الاستغناء الوشيك عنهم، فهم صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى، وأمين عام الحزب الوطني (الحاكم)، وكمال الشاذلي وزير شؤون مجلس الشعب، وأمين التنظيم في الحزب ذاته، وفتحي سرور رئيس مجلس الشعب (البرلمان)، ووزير الداخلية حبيب العادلي، الذي يتفق معظم المراقبين للشأن الداخلي في مصر على أن الإبقاء عليه بعد سلسلة التفجيرات في طابا وشرم الشيخ التي تحدث كثيرون عن قصور أمني واضح شابها، مرهون بإجراء الانتخابات الرئاسية، ويرى بعض المراقبين أن مهمته قد تمتد إلى إنجاز الانتخابات البرلمانية المقررة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، على أقصى تقدير، باعتبار أن منصب وزير الداخلية لا يقتضي تغييره في تعديل وزاري شامل، إذ طالما أقصى وزراء سابقون وكلف آخرون دون ارتباط ذلك بتشكيل وزاري، ومن ثم فإنه يمكن أن يتكرر هذا السيناريو مع وزير الداخلية ـ أي وزير للداخلية ـ في الوقت الذي يقدره الرئيس مبارك .
ألغام الشريف
وفي هذا السياق خرج مصدر مقرب من المطبخ الداخلي للحزب الوطني (الحاكم) في مصر عن الصمت التقليدي الذي يحيط عادة أي حديث عن تفاعلات أو صراعات تدور داخل أروقة الحزب الذي يهيمن على الساحة السياسية الداخلية في مصر منذ عودة التعددية الحزبية للبلاد، وتحدث المصدر ـ الذي طلب عدم ذكر اسمه ـ عما أسماه الجولة الأخيرة في معركة فريق نجل الرئيس جمال مبارك الذين اصطلح على وصفهم بالإصلاحيين الشباب، ضد الحرس القديم الذي يأتي الشريف والشاذلي وسرور في صدارتهم، وألمح ذات المصدر إلى أن هناك مؤشرات واضحة على التوجه نحو إقصاء هذا الحرس الذي وصفه بأنه "تكلس وتجاوزته الأحداث، وأصبح عبئاً على النظام، ينتقص من رصيده ولا يملك ما يضيفه إليه"، على حد تعبير المصدر الذي ألمح بشئ من المرارة إلى أن هناك من يعمل على "تلغيم النظام" بعد أن تأكد من أنه صار قاب قوسين أو أدني من الرحيل، رغم أنهم ظلوا في مواقعهم لفترات لا يحلم بها من سيخلفونهم .
وضرب ذات المصدر مثلاً بالحملة الدعائية للرئيس مبارك، مشيراً إلى أنه لم يعد سراً أنها في عهدة فريق جمال مبارك بالكامل، فهناك محمد كمال أكثر الوجوه الجديدة قرباً إلى نجل الرئيس، ووزير الاستثمار محمود محيي الدين، وأحد رموز أمانة السياسات حسام بدراوي، ووزير الإعلام الصاعد بسرعة الصاروخ أنس الفقي، وغيرهم من المحسوبين على جمال مبارك هم الذين يديرون الحملة الانتخابية للرئيس مبارك، وسط تهميش واضح لأدوار الشريف والشاذلي الذي يطلق عليه "مهندس التنظيم" في الحزب، لبراعته في إحكام السيطرة على كافة مقاليد الأمور داخل هذا الكيان الضخم الممتد على خارطة مصر من أقصاها إلى أقصاها، ولم يتوقف الأمر عند حدود الأشخاص فقط، بل امتد إلى تغيير المكان أيضاً، فحملة مبارك الانتخابية لا تدار من مقر الحزب الوطني (الحاكم) على كورنيش نيل القاهرة كما جرى العرف، أو يقتضي المنطق الطبيعي للأمور، بل في مقر جديد يقع بضاحية مصر الجديدة، بينما يبقى مقر الحزب خاوياً على عروش "الحرس القديم" الآيلة للسقوط، وربما لهذا السبب وليقينهم بأن العد التنازلي قد بدأ بالفعل، يتعمد بعض رموز هذا "الحرس الحديدي" تسريب أنباء وتصريحات تؤكد أن نفوذهم لم يتداع بعد، وأن النظام لم يزل في حاجة إلى خدماتهم التي لا يملك غيرهم تقديمها ببراعتهم، لاسيما وأن لديهم "سوابق تاريخية" كلُ في ما يخصه، وهنا يبرز رجل الأدوار الخفية، والتي قد يصل البعض إلى حد وصفها بالشريرة أيضاً، وهو صفوت الشريف، أحد أيقونات عهد مبارك الذي ورثه ضمن تركة السادات السياسية من الوجوه التي اقتحمت العمل العام انطلاقاً من تمرسها في الخدمة السرية بجهاز المخابرات العامة.
ولأن الشريف لم يكن يوماً من ذلك الطراز من الرجال الذين يقبلون أدواراً شرفية، أو نصف حضور في أي مكان عمل فيه، بل كان دائماً لاعباً مهماً على اختلاف الأدوار وتنوع المهام وحجم المسؤوليات وأهمية القرارات عبر مسيرة طويلة بدأت منذ خمسينات القرن المنصرم، وانطلاقاً من هذا فإن الشريف خلال فترة رئاسته القصيرة لمجلس الشورى المصري لم يكن امتداداً لسلوك سلفه مصطفى كمال حلمي، الذي كان معروفاً بقدرته على امتصاص كافة الأطراف، وتمكن بدماثته المعهودة من تفادي الاصطدام بأي من ممثلي القوى في المجلس، الذي لا يتمتع بصلاحيات تشريعية تضارع تلك التي يحظى بها صنوه في البرلمان، وهو مجلس الشعب، لكن مع ذلك فإن مجلس الشورى هو المالك القانوني لكل المؤسسات الصحافية القومية (الحكومية)، ومن هنا كانت أولى ضربات أو "خبطات الشريف" التي أطاح فيها، وسط أجواء تكهنات وشائعات من فرط اتساعها لم يعد هناك من يستطيع الزعم بالوقوف على كافة الحقائق في انقلاب الصحافة الحكومية الذي أطاح رؤوساً لم يكن أحد يتصور أن يشاهدها تطير في الهواء، في عهد مبارك على الأقل، كما كان يردد بعضهم صراحة في مجالسهم الخاصة بأن وجودهم مرتبط بوجود الرئيس ذاته .
ورغم ما يقال عن دور أمانة السياسات التي يرأسها جمال مبارك، وتوجيهات مبارك الأب بشأن اختيار رؤساء المؤسسات الصحافية الجدد، وتزكية أجهزة الأمن المتعددة، غير أن الملاحظ أنه وحده صفوت الشريف الذي امتلك الجرأة على نفي كل هذه التكهنات، وصرح لصحيفة (الأهرام) في مقابلة معه، وفي معرض إجابته على سؤال عما إذا مجلس الشورى وحده صاحب القرار المطلق في هذه التغييرات أم كان هناك تدخلات حكومية أو تدخلات أخرى من بعض الشخصيات أو الجهات، إذ رد قائلاً إن : "مجلس الشورى كان وحده صاحب القرار وصاحب الكلمة النهائية، ولم تكن هناك على الإطلاق تدخلات من الحكومة. والسلطة التنفيذية كانت بعيدة كل البعد عن تلك التغييرات، كما أنه ليس واردا أن يتدخل أحد في اختصاصاتنا أو يفرض علينا أسماء بعينها فالقرار قرارنا أولا وأخيراً"، وأردف مؤكداً أنه "راض بالفعل، وأقول ذلك بضمير وطني وحيدة كاملة، فنحن لم ننحز لأحد، إنما انحيازنا كان للكفاءة والتاريخ المهني والعطاء"، ليحسم بذلك علانية عبر أهم الصحف المصرية وأكثرها قرباً للنظام (الأهرام) حديث التكهنات، حتى لو كانت صحيحة، ذلك لأنه كما أسلفنا كان وحده من بين كل المسؤولين في مصر القادر على الإدلاء بتصريح من هذا النوع، في ملف يكتنفه الغموض، وقرار يتسم صانعوه بسمات الأشباح، التي يسمع عنها الجميع، لكن لا أحد يراها .
الشريف والصحافة
ومازلنا مع صفوت الشريف، وزير الإعلام المصري السابق لمدة امتدت زهاء ربع قرن، وأمين عام الحزب الوطني (الحاكم)، الذي لم تصدق نبوءته بأنه سوف يكون آخر وزير للإعلام في مصر، ظل خلالها يحاول المرة تلو الأخرى السيطرة على الصحافة في مصر، ولعل أبرز تلك المحاولات هي سعيه إلى ضم العاملين في الإذاعة والتلفزيون إلى نقابة الصحافيين، وهو ما كان يعني ببساطة أن يصبح قرار النقابة وأمرها بيد "سيد ماسبيرو"، لأن العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون أضعاف مضاعفة لعدد الصحافيين في كافة المؤسسات الصحافية القومية والحزبية والمستقلة، ويذكر الصحافيون المصريون المفارقة المتمثلة بأن نقيبهم السابق إبراهيم نافع (الحكومي)، لم تشهد فترة ولابته استضافة الشريف إلى منصة النقابة أبداً، لكن خلفه الحالي جلال عارف المحسوب على التيار الناصري (المعارض) استضاف الشريف متحدثاً وخطيباً عدة مرات، بينما كان استقلال النقابة الذي طالما حافظت عليه حتى في أعتى الظروف، هو المسوغ الوحيد الذي اختار على أساسه الصحافيون عارف نقيباً لهم، بينما لم يتحقق حتى وعد الشريف الذي نقله وسط أجواء احتفالية عن الرئيس مبارك بإلغاء المواد القانونية التي تبيح حبس الصحافيين بسبب ما يكتبون، وبدا أن الوعد أو من نقله أو من صدقه مجرد "كلام جرائد" كما يقال .
والسياسي المصري المخضرم المثير للجدل صفوت الشريف من مواليد 19 كانون الأول (ديسمبر) من العام 1933 في مدينة زفتى بمحافظة الغربية بدلتا مصر، وكان ضابطاً في القوات المسلحة قبل أن يلتحق بالعمل في جهاز المخابرات العامة في عهد رئيسه المؤسس صلاح نصر، وفي تلك الأثناء اتهم الشريف مع آخرين في القضية الشهيرة التي عرفت حينئذ باسم قضية "انحراف جهاز المخابرات"، لكنه وبعد سنوات عمل خلالها خارج الجهاز الحكومي المصري، عُين مجدداً في هيئة الاستعلامات، كمسؤول عن الإعلام الداخلي عام 1975، وظل يتدرج في مناصب الهيئة التي تعد مسؤولة عن التوجيه والرقابة الإعلامية في البلاد حتى عُين رئيسا لها عام 1980 ثم وزيرا للدولة، وبعد أقل من عامين تولى حقيبة الإعلام في كانون الثاني (يناير)1982، وهو متزوج وله بنت وولدان، وحاصل على بكالوريوس العلوم العسكرية وتلقى دورات تدريبية متخصصة في مجال الإعلام والاتصال والرأي العام والأمن القومي، كما ورد في سيرته الذاتية الرسمية .
كما يذكر أخيراً أن الشريف يشغل عضوية العديد من المجالس، فهو مثلاً عضو بالمجلس الأعلى لرعاية الطفولة، وعضو بالمجلس القومي للسكان، وعضو مجلس إدارة الهلال الأحمر المصري، ورئيس الجمعية المصرية للإعلام في خدمة التنمية، وغيرها من المواقع الرسمية والحزبية وحتى غير الحكومية .
















التعليقات