الدكتور رياض الأمير
&
&
بعد مراوغة نظام صدام حسين ورفضه الانصياع لقررات الامم المتحدة، كان ذلك القشة التي قصمت ظهره عند اتخاذ الادارة الامريكية ومعها المجتمع الدولي قرار ارغامه على الالتزام بالتنفيذ. ولحسن حظ العراق والعراقيين ان تلتقي مصالح المجتمع الدولي والولايات المتحدة تحديدا مع مصالح الشعب العراقي في ذلك، ومن ثم في إزالة اشد الانظمة قهرا وجورا مرت بتأريخ العراق. ان اختلاف المصالح الاقليمية والدولية بعد تحرير الكويت كلفت العراق 300. 000 الف شهيد، سكان المقابر الجماعية، ومئات الالوف الذين تركوا الوطن إلى دول الشتات. وبعد تلك التجربة المرة تكللت جهود اكثر من وطني عراقي في حشد التأيد لدي الادارة الامريكية من اجل اصدار قانون تحرير العراق اثناء حكم الحزب الديموقراطي الذي تبنته فيما بعد ادارة الرئيس جورج بوش الابن والذي كان حجر الاساس في سقوط النظام البعثفاشي وتهديم رموزه. ساهم الكثير من العراقيين في مجموعات مختلفة لوضع التصور للعراق ما بعد صدام حسين وكانت منها دراسات جادة، كما كانت توصيات مبالغ بها غير واقعية من اناس ارادوا بناء مجد سياسي على بالونات هواء، لربما تلك التي خلفت مطبات بعد عملية التحرير. ولسوء حظ عملية إعادة الاعمار ان يكلف جنرال للإدارة المدنية لقوات التحالف الذي اختار بدوره مساعدين ليسوا بكفاءة ومهنية وانضباط عالين. وفي نفس الوقت يكمل ذلك واحد ضعيف الوطنية العراقية في اختيار خبراء، ليسوا جميعا في مستوى المسئولية والخبرة في تقديم المشورة للادارة الامريكية في اهم مراحل التأريخ العراقي حراجة، مما خلف عبئ كبير على مجموعة السفير بول بريمر فيما بعد. وعلى الرغم من ان الإدارة الأولى كانت قصيرة جدا، لكنها خلفت ارث من المعوقات لا زالت الادارة المدنية الحالية لقوات التحالف تحاول إزالته. يشعر المواطن العراقي العادي بان قوات التحالف تعمل مع الواقع العراقي بمنظور امريكي وحسب القوانين الامريكية وذلك في تعاملها مع قوى الظلام التابعة للنظام السابق او المجرمين الذين افرج عنهم من سجونه قبيل سقوطه بقبضة راخية مما ساعد تلك العناصر على القيام باعمال ارهابية او القيام باعمال السطو والاختطاف والقتل وغيرها. كما وان ادارة التحالف صدمت الشارع العراقي المروع من ظلم النظام السابق عندما قامت باطلاق سراح رموزه المدانين من قبل الشعب العراقي، دون الرجوع إلى مجلس الحكم او معرفة رأي العراقي بهم، مثل اطلاق سراح هدى عماش او وزير الصحة اوميت او سعدون حمادي وقبلهم السماح لمثل سعيد الصحاف ان يرحل إلى الامارات. وافلح محور باريس ـ موسكو ـ برلين من الضغط على الولايات المتحدة للتقديم تنازلات في الشأن العراقي ومنها منح مجرم الحرب صدام حسين صفة اسير حرب ، مما سمح للصليب الاحمر زيارته في الوقت الذي لم يفكر الصليب الاحمر ولا أي مؤسسة دولية بتفقد حال العراقيين في السجون والمعتقلات عندما كان نظامه يجثم على صدورهم. وبعد مضي عدة اشهر من ادارة بول بريمير التي حققت الكثير من النجاحات على الارض (دون الالتفات إلى وسائل الاعلام العربية التي تنقل فقط ما هو سيئ ) اوقدت شعلة الامل لدي العراقيين بعراق جديد، لكن ليست دائما تجري الرياح بما تشتهي السفن. فمشروعات إعادة اعمار العراق مثلا، تسير ببطئ وذلك لروتين الشركات المكلفة بتنفيذها، في الوقت الذي يحتاج العراق اليوم إلى زخم قوي في العمل دون بيروقراطية للاسراع في إعادة البنى التحتية المنهارة التي خلفها النظام السابق متعمدا. ولعبت ايدي اللصوص واعوان النظام في سرقة خطوط الكهرباء ذات الضغط العالي وبيعها نحاس في الاردن، او سرقة محولات المحطة الكهربائية في البصرة ونقلها إلى إيران مما زاد من معاناة العراقيين. وليس الروتين وحده ما يعيق تنفيذ مشاريع إعادة البنى التحتية، وانما ايضا احالة مناقصات بالباطن لشركات ليست لها معرفة بالحال العراقية او يجيد افرادها اللغة العربية كالشركات الهندية او غيرها. ان اداء قوات التحالف يحتاج إلى تفعيل وذلك عن طريق مد جسور الثقة بينها واعضاء مجلس الحكم وايجاد قاعدة مشتركة اساسها المصلحة الوطنية العراقية التي لا يشك احد بان اغلبية اعضاء مجلس الحكم وكذلك التحالف تحرص عليها. ان تسليم الملف الامني بيد الشرطة العراقية بعد تنظيفها من اعوان النظام سوف يساعد كثير على استقرار الامن. يشير احد المهتمين بالشأن العراقي من ان التفائل بمستقبل العراق لربما غير واقعي. لكن ذلك التفائل يعزى لسببين، الاول ان الولايات المتحدة التي تقود التحالف سوف لن تسمح لمشروعها ان يفشل في العراق. ثانيا إفلاس اعوان النظام والجماعات الارهابية العاملة معها. فجماعة النظام اخذت توجه اعمالها الإرهابية ضد العراقيين من اجل اثاره الغبار حول وجودهم من اجل اصدار عفو عن جميع الجرائم التي اقترفت في ظل النظام الساقط وبالتالي يستطيعون عبره ضمان امنهم. ان الجموعات تلك من القتلة الملطخة ايديهم بدماء العراقيين الذين وصلوا إلى قناعة بان الولايات المتحدة وقوات التحالف لن تخرج قريبا من العراق وبالتالي استحالة عودة النظام المقبور ولا رمز من رموزه إلى السلطة من جديد ولذلك إذا اريد وقف تلك الاعمال الارهابية اصدار عفو يستفادون منه وحدهم. واخيرا الرغبة لدي الاغلبية في بناء عراق جديد بعد الحيف الذي لحق بهم خلال اربعة عقود من حكم النظام الدكتاتوري.
لم يكن لدي التيار الديني الاصولي والمتطرف الحرية في النشاط في ظل النظام السابق، بينما يجد الشجاعة الان في ظل الحرية التي حصلا عليها بعد التحرير وبمساعدة الامريكان، لكنهما بدل دفع عجلة العراق الجديد إلى الامام اخذا يضعان العصى فيها بما يطرحانه من متطلبات لا تتوافق مع ضروف المرحلة الحالية، او مصلحة العراق. ان كثير من اعوان النظام وجدوا في التيارات الدينية، الشيعية منها والسنيه على حد سواء الملاذ الآمن واستطاعوا عن طريقها ازلاق الشارع العراق على منحدر لا يتمناه. ان الدين في قلوب العراقيين جميعا، من مسلمين ومسيحين وصابئة ويزيدية، ولكن الاغلبية منهم تريده ان يكون لعبادة الخالق الواحد، مقوما للاخلاق والسيرة الحسنة وليس مسيسا. نعم هناك بطئ في عملية إعادة الحياة الطبيعية للعراق يتحمل سببها اعوان النظام وكذلك النصيحة السيئة التي تقدم لقوات التحالف من المتسلقين إلى السلطة مع ضعف الحس الوطني. يمكن للمتتبع للحالة العراقية ومن منظور ايجابي تشبيه المعوقات بالمطبات الهوائية التي تصادفها الطائرة، أي طائرة اثناء تحليقها، لكنها حتما ستصل إلى مقصدها. فالمطبات مزعجة، لكنها ليست خطرة دائما ولا تعيق وصولها قطعا.
ان العراقيين متشوقين لبناء مجتمع مدني ورفض عسكرته من جديد. ان العراقيين متشوقين لعودة مؤسسات البحث العلمي وعودة الجامعات العراقية إلى عهدها دون تدخل السلطة واديولوجية الحزب الواحد. ان العراقيين متعطشين إلى بناء نظام المؤسسات المبنية على تكافئ الفرص والمساواة بغض النظر عن القومية والدين والعشيرة والمنطقة. العراقيون يؤمنون بحق المرأه بالمساواة وضمان حقوقها في المساهمة بإدارة الدولة. نعم العراقيون ينشدون بناء عراق فدرالي موحد تتساوى فيه جميع مناطق العراق ويتمتع فيه جميع ابناءه بغض النظر عن القومية والدين. نعم العراقيون يريدون بناء علاقات طيبة مبنية على الفهم المشترك بينهم وبين قوات التحالف التي ستبقى بينهم لفترة قادمة تحددها الضروف الجيوسياسية عموما، وفي المنطقة المحيطة بالعراق خصوصا.
كان التاسع من نيسان يوم آخر في حياة العراق والعراقيين انه بداية بناء عراق جديد من اليفه إلى يائه، رضي البعض ام لم يرضوا. انها الحقيقة التي يجب ان يقر بها كل عاقل. فبعد الظلمة جاء نور بسقوط الفاشية بعد اربعة عقود، وما على العراقيين، الوطنيين منهم إلا جعل ذلك النور منير إلى الابد، دون ايجاد مقومات لولادة دكتاتور جديد ونظام شمولي آخر، فهل سيفلحون؟؟















التعليقات