نبيل شـرف الدين
&
&
(لقد جئتم شيئاً إدّا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا)
&صدق الله العظيم ، (مريم : 89 ـ90).
&
لا يوم كيومك يا أبا عبدالله.
وهلّت ريح المحرّم يا سيدي الإمام ..
هلّت بعطر أنفاسك .. وصهد دمائك التي لم تزل لعنتها تلاحقنا يوماً بعد يوم ...
وتعود الذاكرة قسراً أربعة عشر قرناً حين شهدت أرض السواد يوماً فاصلاً في تاريخ المسلمين، اليوم الذي عطر ثراها بدمائه سيد الشهداء الإمام الحسين بن عليّ - عليه السلام - ومعه سبعون من صحبه الذين قضوا مستبسلين بسيوف جيش يزيد الذي اغتصب خلافة المسلمين حين انتزع ابوه البيعة له قبل موته، وكان بهذا أول من سنّ سنّة "المُلك العضود" الذي لم نزل نكابده جيلاً بعد جيل، بينما تجاوزت عاشوراء الحدث التاريخي، وأصبحت رمزاً وأيقونة لها دلالتها ومعناها الذي يفوق أي معنى بعده في تاريخ المسلمين.
حين وقف الحسين وصحبه الكرام وحدهم في هجير كربلاء ونار قيظها الموقدة، وكان من اليسير عليهم، وآلاف الجنود يحاصرونهم، أن ينطقوا عبارة واحدة هي: (نبايع يزيد)، فتنجو رؤوسهم من سيوف ابن سمية، لكنهم أبوا.. وهم يعلمون ان ثمن الـ "لا" هو الشهادة.
"كرب وبلاء" .. يومٌ اختزل حال الأمة، وربما حال الإنسانية بأسرها، حين جاز الركب ساحة المعركة في "ألطف" حيث الأشلاء مبعثرة في الدماء، فيروي الإمام الطبري بإسناده عن قرة بن قيس التميمي، قال : فما نسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب بنت فاطمة حين مرت بأخيها "الحسين" صريعا: "يامحمداه يامحمداه، صلت عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء مزمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه، هذه بناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبا"، قال قرة : فأبكت كل عدو وصديق.
وهلّت ريح المحرّم يا سيدي الإمام ..
هلّت بعطر أنفاسك .. وصهد دمائك التي لم تزل لعنتها تلاحقنا يوماً بعد يوم ...
وتعود الذاكرة قسراً أربعة عشر قرناً حين شهدت أرض السواد يوماً فاصلاً في تاريخ المسلمين، اليوم الذي عطر ثراها بدمائه سيد الشهداء الإمام الحسين بن عليّ - عليه السلام - ومعه سبعون من صحبه الذين قضوا مستبسلين بسيوف جيش يزيد الذي اغتصب خلافة المسلمين حين انتزع ابوه البيعة له قبل موته، وكان بهذا أول من سنّ سنّة "المُلك العضود" الذي لم نزل نكابده جيلاً بعد جيل، بينما تجاوزت عاشوراء الحدث التاريخي، وأصبحت رمزاً وأيقونة لها دلالتها ومعناها الذي يفوق أي معنى بعده في تاريخ المسلمين.
حين وقف الحسين وصحبه الكرام وحدهم في هجير كربلاء ونار قيظها الموقدة، وكان من اليسير عليهم، وآلاف الجنود يحاصرونهم، أن ينطقوا عبارة واحدة هي: (نبايع يزيد)، فتنجو رؤوسهم من سيوف ابن سمية، لكنهم أبوا.. وهم يعلمون ان ثمن الـ "لا" هو الشهادة.
"كرب وبلاء" .. يومٌ اختزل حال الأمة، وربما حال الإنسانية بأسرها، حين جاز الركب ساحة المعركة في "ألطف" حيث الأشلاء مبعثرة في الدماء، فيروي الإمام الطبري بإسناده عن قرة بن قيس التميمي، قال : فما نسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب بنت فاطمة حين مرت بأخيها "الحسين" صريعا: "يامحمداه يامحمداه، صلت عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء مزمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه، هذه بناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبا"، قال قرة : فأبكت كل عدو وصديق.
.....
ودخل الموكب الكوفة
ووقفت الجموع محتشدة تشهد نساء بيت النبوة في طريقهن إلى عبيد الله بن زياد "بن سمية" أو "ابن أبيه" (هذه التسمية كونه ابن سفاح)، وقد لبست العقيلة أرذل الثياب وتنكرت الكوفة، ثم أرسلت بصرها بعيدا، حيث جثث الشهداء من أهلها ممزقة مبعثرة بالعراء، حتى استقرت عيناها أخيرا علي أولئك الباكين، فأشارت إليهم أن اسكتوا فنكسوا رؤوسهم خزيا وندما في حين مضت تقول:
أما بعد يا أهل الكوفة، أتبكون؟ .. فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم مثل التي (نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا, تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ألا ساء ما تزرون).
أي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلا, فقد ذهبتم بعارها وشنارها، فلن ترحضوها بغسل أبدا. وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة ومعدن الرسالة, ومدار حجتكم ومنار محجتكم, وهو سيد شباب أهل الجنة.
أتعجبون لو أمطرت دما؟ ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم, أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أتدرون أي كبد فريتم، وأي دم سفكتم، وأي كريمة أبرزتم؟ (لقد جئتم شيئا ادا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا).
قال من سمعها : فلم أر والله خفرة أنطق منها، كأنما تنزع عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فلا والله ما أتمت حديثها حتى ضجّ الناس بالبكاء وذهلوا، وسقط ما في أيديهم من هول تلك المحنة الدهماء.
ثم لوت رأسها عنهم، ومضت مُسّيرة إلى حيث أريد لها أن تمضي هي والسبايا من آل بيت النبوة.
مضت حتى بلغت دار الإمارة، فأحست شجّاً ومرارة في حلقها، إنها تعرف كل قطعة في هذي الدار، فقد كانت دارها أيام كان أبوها أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ملء الدنيا والحياة.
وترقرقت الدموع في مقلتيها، لكنها أبت عليها أن تذل، واستجمعت شجاعتها وهي تجتاز الساحة الكبرى حيث رأت ـ شقيقيها الحسن والحسين ملء القلوب والأبصار.
ووضعت يمناها علي ما بقي من قلبها خشية أن يتصدع حين أشرفت على القاعة الكبرى، ورأت عبيد الله بن سمية جالسا حيث اعتاد أبوها الإمام أن يجلس: يستقبل الوفود, ويجتمع بالرسل والأمراء والولاة.
إنها تدخلها اليوم أسيرة يتيمة ثكلى، فقدت أباها وولدها وشقيقيها وبقية آلها.
ودتّ اذ ذاك لو أنها نفست عن أشجانها بدمعة لكنها كرهت أن تلقي الطاغية ذليلة باكية، لم تكن قط كما هي اليوم، بحاجة إلى أن تلوذ بجلدها وعزة بيتها، وشرف آلها، وعراقة نسبها، لكي تقف الموقف الجدير بعقيلة بني هاشم. بعد أن اجتاح الإعصار كل من كان لها من الرجال.
وتقدمت العقيلة في مهابة تحف بها نساؤها, فأخذت مجلسها دون أن تلقي بالا إلى الأمير الطاغية, وأخذتها عيناه وهي تجلس بادية الترفع, قبل أن يؤذن لها في الجلوس, فسألها:
من هذه الجالسة؟
فلم تجبه. قال ذلك ثلاثا, كل ذلك وهي لاتكلمه
وأجابت إحدى إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة الزهراء
قال لها ابن زياد وقد غاظه ما كان منها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأكذب أحدوثتكم
فردت عليه بازدراء: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه صلي الله عليه وسلم وآله، وطهرنا من الرجس تطهيرا، إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله.
قال: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟
أجابت وما يزايلها ترفعها: وشممها :
كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم, وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده.
تضاءل الطاغية وان قال في اشتفاء وغضب:
ـ قد شفي الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك.
فردت عبرتها وهي تقول : لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت.
فقال في غيظ: هذه سجاعة، لقد كان أبوها سجاعا شاعرا
فقالت في رزانة صارمة: ما للمرأة والسجاعة؟ ان لي عن السجاعة لشغلا. فرد عنها بصره, وعاد يتأمل في وجوه أسراه حتى استقرت عيناه علي علي الأصغر بن الحسين فأنكر بقاء فتى منهم حيا وسأله: ما اسمك؟
قال: أنا علي بن الحسين.
فعجب ابن زياد وتساءل: أو لم يقتل الله عليّ بن الحسين؟
فسكت علي وعاد ابن زياد يستحثه: ما لك لاتتكلم؟
قال: قد كان لي أخ يقال له أيضا علي فقتله الناس.
قال ابن زياد ان الله الذي قتله.
فأمسك علي لا يرد، ثم تلا، حين استحثه ابن زياد:( الله يتوفي الأنفس حين موتها)..( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله).
فصاح الطاغية: "أنت والله منهم، ويحك، والله اني لأحسبه رجلاً"
ثم أمر به أن يقتل، فاعتنقته عمته زينب وهي تقول :
ـ يا ابن زياد حسبك منا، أما رويت من دمائنا ؟، وهل أبقيت منا أحدا؟، ثم آلت عليه: ليدعن الغلام، أو فليقتلها معه.
أطرق ابن زياد ملياً، ثم نظر إلى القوم فقال:
عجبا للرحم، والله إني لأظنها ودت لو أني قتلتها معه: دعوا الغلام ينطلق مع نسائه.
وأمر ابن زياد برأس الحسين فطيف به في الكوفة محمولاً علي خشبة, ثم أمر أن يوطأ صدره وظهره وجنبه، فأجريت الخيل عليه ثم جعل الغل في يدي علي زين العابدين ورقبته.
....
وسيق الموكب مرة أخرى إلى دمشق
رأس الحسين، ورؤوس السبعين من آله وصحبه الكرام، والأسرى من الصبية في الأغلال, والسبايا من نساء البيت النبوي محمولات على الأقتاب في حراسة بعض رجال ابن سمية.
لم يتكلم علي بن الحسين طوال الطريق.
ولم تنطق عمته زينب الطاهرة
كانت المحنة خانقة لحد ألجم لسانيهما فانطوي ابن الحسين علي نفسه صامتا يحدق في الأغلال.
وراحت زينب ترمق رءوس الشهداء من آلها واجمة صامتة، حتى اذا بلغوا دمشق سير بهم توا إلى حضرة يزيد بن معاوية، وصرخات النادبات من دوره تملأ الفضاء، وكان يزيد قد دعا أشراف أهل الشام فأجلسهم حوله، ووضع رأس الحسين بين يديه، ومعه قضيب ينكت به ثغره، فالتفت إلى أصحابه يقول :
هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المري:
أبي قومنا أن ينصفونا فأنصفت ...................... قواضب في أيماننا تقطر الدما
يفلقن هاما من رجال أعزة ........................... علينا, وهم كانوا أعق وأظلما
فأنشد يحيي بن الحكم، أخو مروان بن الحكم الأموي:
لهام بجنب الطف أدني قرابة ...................... من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل
سمية أمسي نسلها عدد الحصي .................... وليس لآل المصطفي اليوم من نسل
فضرب يزيد في صدر يحيي ثم استطرد قائلا وهو يشير إلى رأس الإمام الشهيد:
أتدرون من أين أتى هذا؟ قال : أبي علي خير من أبيه، وفاطمة أمي خير من أمه، وجدي رسول الله خير من جده، وأنا خير منه وأحق بهذا الأمر، فأما قوله: أبوه خير من أبي فقد تحاج أبي وأبوه إلى الله وعلم الناس أيهما حكم له، وأما قوله: أمي خير من أمه، فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من أمي. وأما قوله: جدي رسول الله خير من جده، فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يري لرسول الله فينا عدلا أو ندا، ولكنه ـ أي الحسين ـ أتي من قبل فقهه، ولم يقرأ:( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك علي كل شيء قدير).
فقال له أبو برزة الاسلمي رضي الله عنه: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟
لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذا ربما رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يرشفه، أما إنك يا يزيد تأتي يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويأتي هذا ومحمد شفيعه! ثم قام، فولى، فقال يزيد:
والله يا حسين لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك.
ثم أمر ابن زياد فأدخل نساء الحسين عليه, والرأس بين يديه, فجعلت فاطمة وسكينة، ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا رأس أبيهما, وجعل يزيد يتطاول ليستره عنهما. فلما رأت النساء الرأس صحن, فصاحت نساء يزيد في قصره وولولت بنات معاوية. فقالت فاطمة بنت الحسين: أبنات رسول الله سبايا يايزيد؟
فقال: يا ابنة أخي، أنا لهذا كنت أكره.
وجعل أهل المجلس ينظرون إلى عقيلات البيت الهاشمي, وقد كن ـ حتى أمس القريب ـ عزيزات منيعات مصونات، وذكروا عزة آلهن وشرف بيتهن، فغضوا من أبصارهم تهيبا إلا رجلا من أهل الشام ضخم الجثة أحمر الوجه، ظل يحدق في فاطمة بنت الحسين ـ وكانت شابة وضيئة ـ بنظرات جشعة، فأجفلت منه خائفة مشمئزة، وقام الرجل الى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين, هب لي هذه.
فأخذت فاطمة بثياب عمتها زينب مذعورة ترتجف
قالت العقيلة وهي تحتضن بنت أخيها الشهيد:
ـ كذبت والله ولؤمت، ماذلك لك ولا له.
فغضب يزيد، وقال: إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت
قالت : كلا والله، ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا، فاستثاره قولها غضبا وتساءل منكراً :
ـ إياي تستقبلين بهذا؟
فردت في عناد :
ـ بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت يا يزيد، أنت وأبوك وجدك
قال محنقا: كذبت.
فهزت رأسها استخفافاً وهي تقول: "إنما أنت أمير مسلط، تشتم ظالماً، وتقهر بسلطانك"، فلم يجب.
وساد القاعة وجوم ثقيل، ثم عاد الشامي يملأ عينيه من فاطمة ويقول:
يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية.
فصاح به يزيد: أغرب، وهبك الله حتفاً قاضيا، (الطبري:265/6)
......
كنت في كربلاء
قال لي الشيخ: إن الحسين
مات من أجل جرعة ماء
وتساءلت: كيف السيوف استباحت بني الأكرمين؟
فأجاب الذي بصرته السماء:
إنه الذهب المتلألئ في كل عين
إن تكن كلمات الحسين
وسيوف الحسين
وجلال الحسين
سقطت دون أن تنقذ الحق من ذهب الأمراء !
أفتقدر أن تنقذ الحقَ ثرثرةُ الشعراء ؟
أمل دنقل















التعليقات