د. عبدالخالق حسين
&
&
&
حقاً، إننا نعيش في زمن اللامعقول، زمن اختلطت فيه جميع مراحل التطور في آن واحد،& فيه أناس يمثلون قمة التطور وعلى استعداد للتضحية بأنفسهم في سبيل الخير والإنسانية وآخرون مازالوا في مرحلة البربرية التي عاشها الإنسان القديم في الأزمنة السحيقة عندما كان البشر يأكل بعضهم بعضاً. يوجد الآن تلاقي مختلفة الأزمنة ومختلف مراحل التطور وأنواع البشر في بلد واحد ألا وهو العراق وتحديداً في الفلوجة وأماكن أخرى حيث يقوم الجناة بقتل الأبرياء وحرقهم والرقص على أشلائهم، تماماً على طريقة آكلة لحوم البشر.
الجريمة البشعة التي ارتكبها الجناة يوم 31/3 في الفلوجة ضد الأمريكيين المدنيين فاقت في بشاعتها الوصف وحتى كلمة البربرية لا تكفي للتعبير عن وحشية المجرمين وهمجية فعلتهم المنكرة. هل حقاً ينتمي هؤلاء إلى الجنس البشري وإلى الشعب العراقي بالذات، شعب الحضارات وبلد أول قانون مدون في التاريخ؟ لا تقل لي أن جاء& هؤلاء من خارج الحدود، أبداً، فإنهم نتاج محلي وبضاعة بعثبة "وطنية" فاسدة بكل المقاييس. هؤلاء هم خريجو المدرسة البعثية، مدرسة التجهيل وغسيل الدماغ وتحويل الناس إلى همج وأدوات مدمرة وضباع كاسرة، يرتكبون جرائم يندى لها الجبين. جرائم ترتكب وفق مواصفات الأيديولوجية البعثية والمنظمات الإرهابية الإسلامية. إنها لطخة عار وصفحة سوداء في تاريخ العراق وسوف لن تمحى من ذاكرة البشرية.
أربعة مقاولين مدنيين أمريكان ودعوا عائلاتهم قبل أيام وتوجهوا إلى العراق لأداء مهمة مدنية حضارية، بناء العراق. وهم في سيارة نقل مدنية، في طريقهم لبناء المستشفيات والمدارس والمشاريع الإنمائية لجعل الحياة أفضل لأهالي الفلوجة، ليواجهوا بالمقابل، القتل والتمثيل بهذه الصورة البربرية البشعة. لقد قابل أهل المدينة هؤلاء الأبرياء بالقتل وحرق جثثهم والتمثيل بها والرقص على الأشلاء وهتافات «تعيش الفلوجة» و«الله أكبر» و«يعيش الاسلام».
أي إسلام هذا الذي يبيح لهم قتل الأبرياء وحرقهم وسحل جثثهم وهي تحترق والتمثيل بها وتعليق إحداها بالجسر، ملوحين بأيديهم بعلامات النصر ويضحكون بملء أشداقهم بفرح. ألم يسمعوا بالحديث الشريف (إياكم و المثّلى حتى ولو بالكلب العقور)؟ ولكن هؤلاء تخلوا عن آدميتهم وانتموا إلى فصيلة الوحوش الكاسرة بسبب الجهل والعنصرية وثقافة الكراهية التي استمر عليها النظام البائد خلال 35 عاماً من حكمه البغيض. هؤلاء هم الذين استخدمهم النظام الفاشي في أجهزته القمعية ضد الشعب العراقي في نشر المقابر الجماعية والمحارق البشرية واستحوذوا على ثروات البلاد والعباد. لذلك جن جنونهم بسقوط سيدهم وولي نعمتهم، فهم عبيد لا يستطيعون العيش بدونه. لقد حول هؤلاء الإسلام إلى مرادف للإرهاب.
ليس الأفراد المعدودين الذين نفذوا الجريمة وحدهم يتحملون المسؤولية فحسب، بل حتى الجماهير المتواجدة في مكان وزمان الحادث التي شاركت في التعبير عن فرحتها بدون أدنى خجل أو واعز من ضمير أو رادع من إخلاق، وأمام الكاميرات التلفزيونية العالمية حيث شاهدتها البشرية بالصوت والصورة في جميع أنحاء المعمورة وأعادت بثها جميع قنوات التلفزة الأمريكية على الشعب الأمريكي. لقد أثارت هذه المناظر البشعة مشاعر السخط والاستنكار والذهول لدى الشعب الأمريكي وكل شعوب العالم وكشفت عن مدى وحشية وهمجية وانحطاط خلق هؤلاء المجرمين وإلى أي درك كارثي حيواني هبطوا.
&
لقد قرأنا وسمعنا عن مشاعر الأمريكيين بحزن وألم عميقين إزاء هذه الجريمة الوحشية. إذ راح المواطن الأمريكي، حتى الذي يختلف مع جورج بوش، يتساءل بألم وذهول، هل هذا هو الشعب العراقي الذي أرسلنا أبناءنا وبناتنا لتحريره من أبشع نظام همجي متخلف ودفعنا عشرات المليارات من أموال دافعي الضرائب لإعادة بناء بلده وهذا كل ما نتلقاه منهم بالمقابل؟& لقد اشتكى تشرشل مرة من العراق بقولته الشهيرة «يا له من بركان ناكر للجميل». فهل حقاً يمثل هؤلاء القتلة في الفلوجة الشعب العراقي؟
لقد استغربتُ صباح اليوم من تصريحات شيخ عشيرة يدعي أنه زعيم لحزب سياسي يحمل إسم (ديمقراطي) في الفلوجة لمراسل البي بي سي، إذ يبدأ بنقد عملية التمثيل بالجثث على استحياء بقوله أنها لا تعكس ديننا وتقاليدنا، ولكن كان هذا مجرد تمهيد لتبرير العملية وكالمعتاد، ليلقي باللائمة على القوات الأمريكية وإن ما جرى كان مجرد رد فعل مشروع من أهل الفلوجة لما يفعله الأمريكان بالمدينة. عجيب هذا المنطق التبريري المفلوج.
لا شك أن الجريمة كانت منظمة أعد لها بمنتهى الدقة، ودليل على اختراق قوات الأمن العراقية من قبل فلول النظام الساقط، وإلا كيف عرف الجناة السيارة المدنية التي كانت تقل المقاولين الأمريكان والزمان والمكان المعينين؟ كذلك حجم التحضير وتحشيد الجماهير للاحتفال بالمجزرة؟ كما حصل قتل موظفين تايلنديين ويابانيين وأمريكان وغيرهم من المدنيين على فترات متعاقبة مما يدل على علم الجناة المسبق، بتحركات ضحاياهم ومكان وزمان تواجدهم. ولا شك أن هذه المعلومات تأتيهم من متسللين داخل أجهزة الشرطة العراقية.
إن القوى التي حركت الجناة لارتكاب هذه الجريمة اعتقدوا أنهم بعملهم هذا سيرغمون الأمريكان على الانسحاب من العراق كما انسحبوا من الصومال إثر قتلهم وتمثيلهم بجثث الجنود الأمريكيين في مقاديشو في نهاية الثمانينات. ولكنهم لا يدركون بأن انسحاب أمريكا من الصومال قد أدى إلى تدمير الشعب الصومالي من جهة وتشجيع الإرهابيين على التمادي في ارتكاب المزيد من الإرهاب ضد أمريكا وغيرها. وقد أدرك الأمريكان هذه الحقيقة المرة جيداً. وبناء على هذا الدرس القاسي الباهظ الثمن عليهم، يؤكد الأمريكان، ومن جميع الاتجاهات السياسية، إصرارهم على ملاحقة الإرهابيين وعدم الإذعان لابتزازهم، والبقاء في العراق إلى أن يحققوا الأهداف التي جاءوا من أجلها وعلى رأسها سحق الإرهاب. وهذا هو الموقف الجديد الذي آلت أمريكا على نفسها اتخاذه.&
ومما يحز في النفس، أن الأحزاب والقوى السياسية العراقية والقيادات الدينية التزمت جانب الصمت إزاء هذه الجريمة المنكرة. كان المفروض بالقيادات الدينية التي حرضت طلبة الجامعات على الإضرابات والمظاهرات ضد الدستور المؤقت لأنه أقر حقوق الأكراد في الفيدرالية، كان أولى بهم أيضاً إصدار الفتاوى ضد هذه الجرائم والدعوة للتظاهر ضدها ليبرؤا ساحة الشعب العراقي من تهمة اللامبالات إزاء هذه الجرائم. ولكن بدلاً من ذلك، التزموا صمت المقابر.
كذلك نسأل السادة الذين أصدروا توصيات مؤتمر أربيل، يناشدوا فيها مصالحة البعثيين ونسيان الماضي وإلغاء قرار (اجتثاث البعث)، أن يعيدوا النظر في مواقفهم من هذه القضية. أنهم اكتفوا بمطالبة الضحية بالعفو عن الجلاد وتركوا فلول الجلاد يواصلون جرائمهم. فهل يصح المصالحة مع الجزارين المتمادين في غيهم وارتكابهم الجرائم بحق الشعب وأصدقائهم من الأجانب؟
فبعد مجزرة مدريد، خرج 16 مليون أسباني في جميع المدن الأسبانية بمظاهرات استنكاراً للجريمة، كما شاركت الشعوب الأوربية بالمسيرات المليونية تضامنا مع الشعب الأسباني. يا للكارثة، لم تخرج أية مظاهرة في أية مدينة عراقية لتستنكر جريمة الفلوجة والجرائم الأخرى. لذا فإني أهيب بجماهير شعبنا في العراق ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية بتنظيم المظاهرات لاستنكار هذه الجريمة الوحشية وغيرها من الجرائم التي ارتكبت في أربيل وكربلاء والنجف والكاظمية والفلوجة والناصرية والبصرة وغيرها من المدن العراقية ليبرزوا للعالم الوجه الإنساني الحضاري لشعبنا العراقي وليس فقط الوجه الإجرامي القبيح الذي تمثله البرابرة، فلول البعث المقبور وحلفائهم من الخارج. أيها السادة تقول الحكمة العربية القديمة من العهد الذي تسمونه بالعهد الجاهلي (الخاذل كالقاتل).















التعليقات