في الساعات الأولى من صباح الخامس من آذار عام 1991 كانت كردستان على موعد مع حدث تاريخي كبير، حين دقت أجراس الإنتفاضة الشعبية العارمة التي إجتاحت مدنها ومناطقها عقب الهزيمة الماحقة التي لحقت بقوات النظام العراقي في حرب تحرير الكويت. وكان الحدث،هبة جماهير مدينة رانية بوجه الدكتاتورية الصدامية.


ورانية مدينة كردية صغيرة تقع قرب الحدود المشتركة مع إيران..هبت جماهيرها وهي لا تملك بيدها لا البنادق والرشاشات ولا حتى السكاكين، لكنها ضربت ضربة الرجل الواحد جميع المقرات والمؤسسات القمعية التابعة للنظام الفاشي التي أذاقت الشعب الكردي الويل والعذاب طيلة سنوات تسلطه الدكتاتوري على رقاب أبنائه.


وكانت هبة أهل رانية البواسل بمثابة الفتيل الذي أشعل الأرض من تحت أقدام النظام في كل أنحاء كردستان،فسرعان ما أمتد لهيب الإنتفاضة الى بقية المدن، حتى تحررت كردستان برمتها بما فيها مدينة كركوك في ظرف اسبوع واحد رغم أن النظام الدكتاتوري إحتاج الى ثلاثة عقود من الزمن ليبسط سيطرته عليها..


وكان دور الأحزاب الكردية المعارضة للنظام محوريا وحيويا من خلال ارسال المقاتلين البيشمركة الى داخل المدن الكردية، وتحريض سكانها عبر إذاعة الثورة على الإنتفاضة الجماهيرية. وكانت الجماهير متناغمة مع تلك النداءات التي تثير الحماس الشعبي، فتسقط قلاع الدكتاتورية في كردستان الواحدة تلو الأخرى،وكانت أياما سوداء على قوات النظام ومؤسساته القمعية.


وتحررت كردستان،وعاد البيشمركة والأحزاب المعارضة الى أحضان الشعب في الداخل لتبدأ صفحة جديدة في حياة الشعب الكردي في كردستان العراق.


وتسلمت الجبهة الكردستانية التي تكونت من ثمانية أحزاب كردية معارضة، زمام المبادرة لإدارة الأقليم المتحرر في ظروف بالغة القسوة، بعد أن سحب النظام الفاشي جميع دوائر ومؤسسات الدولة من الأقليم، وفرض حصارا إقتصاديا ظالما على كردستان إضافة الى الحصار الدولي المضروب عليه بإعتباره جزءا من العراق بسبب مغامرة النظام في إحتلال الكويت. ففرغت دوائر الدولة برمتها من الموظفين،وتوقفت الخدمات وشلت الحياة العامة في الأقليم، ولم تستطع الجبهة الكردستانية تأمين الحدود الأدنى من المعيشة لأكثر من 4 ملايين من أبناء الشعب الكردي.


كانت أياما قاسية جدا واجهها الشعب الكردي ببسالة نادرة في تحد واضح لتداعيات تلك الإنتفاضة، فقد شمر المعلمون والمدرسون سواعدهم طواعية للإستمرار في التعليم والتدريس في المدارس، بهدف عدم إيقاف عجلة التعليم ومن دون أن يستلموا فلسا واحدا من رواتبهم وأجورهم.. فيما عاودت مراكز الشرطة دوامها لضبط الأمن وتأمين الإستقرار،وعاد الكثيرون من الموظفين الى دوائرهم ليؤدوا واجياتهم من دون الحصول على الرواتب الشهرية..


كان الجميع يحدوهم الأمل بغد مشرق، حالمين بوطن متحرر خال من الدكتاتورية الصدامية.
وعندما قررت الجبهة الكردستانية وتحت ضغط الأمر الواقع تنظيم أول إنتخابات برلمانية حرة في تاريخ الشعب الكردي وتشكيل حكومة أقليمية لإدارة المنطقة، سارع أبناء الشعب الكردي زرافات ووحدانا الى صنايق الإقتراع لإنتخاب ممثليهم في أول برلمان كردستاني بتاريخهم، فغمسوا أصابعهم في الحبر الأسود ليدشنوا بذلك تجربة فريدة من نوعها في تاريخ العراق قديمه وحديثه، من خلال تلك الإنتخابات التعددية التي شاركت فيها عدة أحزاب ومن مختلف الإتجاهات.


وتشكل البرلمان وإنبثقت عنه حكومة أقليمية وزعت حقائبها مناصفة بين الحزبين الفائزين بالأغلبية ( الإتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني). وبدأ العمل الفعلي لإعادة بناء الأقليم الذي دمره النظام السابق.


كانت فرحة الشعب بحكومته الأقليمية المنتخبة كبيرة بعد سنوات طويلة من الحرمان من أبسط الحقوق والحريات السياسية، رغم أن تجربة تلك الحكومة كانت ممسوخة منذ البداية،وغير معهودة في أي بقعة من العالم، حيث لا وجود لحكومة محلية أومركزية مشكلة من حزبين فائزين في الإنتخابات حتى لو كانت نسبة أصواتهم متقاربة،وكان يكفي للحزب الذي يفوز بأعلى نسبة ولو بفارق مقعد برلماني واحد لتشكيل الحكومة، وتحول الحزب الآخر الى المعارضة البرلمانية، ولكن ما حدث في كردستان كانت تجربة غير معتادة، ما دلل على عمق الصراع القائم على السلطة بين الحزبين الفائزين بتلك الإنتخابات،وسعيهما الدائب للإستحواذ على السلطة بأي ثمن كان؟!. وقد تجلى ذلك بعد فترة قصيرة من تشكيل الحكومة الأقليمية.


وكان هناك أمل كبير أن تنجح تلك التجربة،وأن تتحول الى نموذج مشع لتجربة رائدة في المنطقة، خاصة وأن الشعب الكردي قدم تضحيات كبيرة جدا من أجل الحصول على حريته وإدارته الذاتية طوال أكثر من ثمانية عقود.

ولكن.. وآه من كل لكن؟؟!!.
تحولت كل التضحيات التي قدمها هذا الشعب الى هباء منثور بيد الحكام الجدد الذين سرعان ما تكالبوا على السلطة والجاه والإمتيازات من دون أي حساب لتضحيات الشعب الذي ثار في الإنتفاضة، وجاد قبلها بدماء غزيرة جدا من أجل نيل الحرية..فلم تدم النشوة بالإنتصار إلا فترة قليلة حتى شهر الحزبان الحاكمان أسلحتهما بوجه بعضهما البعض فوضعا تلك التجربة على كف عفريت،وفتحا على نفسيهما أبواب الجهنم السبعة من دون أي إعتبار لمعاناة شعبهم،وحصدت السنوات الأربع من الإقتتال بين الحزبين الحاكمين أرواح أكثر من أربعة آلاف إنسان كان ديتهم الوحيدة، إعتذار خجول من قيادات الحزبين في وقت متأخر جدا،وكذلك إنشطار الحكومة الأقليمية الموحدة الى نصفين متنافسين في كل من أربيل والسليمانية،ووأد التجربة الفتية التي كانت تصلح فعلا كنموذج للعراق المستقبلي،ولكن ضيق أفق القيادات الكردية المتصارعة أدى الى إفشالها عن سابق تصميم وترصد..


في الموروث الكردي هناك مثل يقول ما معناه ( أن زوجين عديمي النعمة رزقا بولد، فأسمياه ndash; رأس فجل) وهذا المثل كناية عن هبوط نعمة طارئة على رأس من لا يقدرها!. وكذا كانت السلطة الكردية المتحررة من قبضة النظام الدكتاتوري بفضل الحماية الأمريكية للمنطقة الكردية بمثابة نعمة نزلت لمن لا يقدرها، ففرط بها غرورا وتكبرا.


وبعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق، زادت النعمة على رأس القيادات الكردية وفتحت أبواب الجاه والسلطان وخزائن العراق أمامها، فعمت تلك النعم الوفيرة بصائرها أكثر فأكثر، وبدأت المافيات الكردية تشمر عن سواعدها لنهش أجساد الشعب،والإغتناء على حسابه وتكديس المليارات في البنوك الخارجية.


واليوم يعيش هذا الشعب المعدم والفقير أتعس أيام حياته في ظل أزمات معيشية خانقة، فيما ترفل تلك المافيات بالعزوالفخفخة،وكل ذلك من حصة الشعب الكردي من أموال الدولة الجديدة!.
واليوم عندما تدق دول الجوار أجراس الحرب في المنطقة وتهدد أقليم كردستان بالإجتياح، فإن تلك التهديدات لا تجد لها صدى في الشارع الكردي اليائس،لأن هذا الشعب أصبح مثلما يقول البغداديون (بايع ومخلص) أي لا يملك ما يقدمه بعد الآن وهو جالس على الحديدة، فأصبح حاله من اليأس حال قوم موسى الذين قالوا له (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ )..


وقد لمست الكثير من اللامبالاة وسط الشارع الكردي تجاه تزايد التهديدات الأقليمية لكردستان ( التركية والإيرانية)، بل أن الكثيرين ممن ألتقيهم اليوم أراهم متشفين غير مبالين بما يجري حولهم، لأنهم وصلوا الى حالة من اليأس التام من تحسن أحوالهم المعيشية في ظل القيادات الحالية في كردستان.
ولهم الحق في ذلك.


فالبيشمركة الذي أفنى كل واحد منهم زهرة شبابه في جبال ووديان كردستان يقارع أحد أكبر الأنظمة الدكتاتورية شراسة في تاريخ المنطقة، يجلس اليوم في بيته وهو لا يقبض سوى راتبا لا يتجاوز 40 دولارا، فيما يعقد مسؤول حكومي أوحزبي جلسة سمر واحدة يصرف فيها ما يساوي الراتب التقاعدي لخمسين فرد من إفراد البيشمركة؟؟!! ولا أريد الخوض في السهرات الليلية لبعض حديثي النعم من حثالات الوضع الراهن في كردستان.


لقد كانت القيادات الكردية قادرة على تقديم نموذج حكم جيد في المنطقة بعد سنوات طويلة من الإستعباد والظلم العنصري على يد الأنظمة الجائرة التي حكمت كردستان، وكان بأمكانها أن تقدم مثالا يحتذى به في العدل والمساواة، خصوصا في هذا الأقليم الذي خلا طيلة السنوات الـ15 الماضية من أي تهديد حقيقي وينعم بالأمن والإستقرار بشكل لا وجود له حتى في دول الجوار العراقي، ولكن بدلا من ذلك قدمت أسوأ نموذج حكم محلي يتخبطه الفساد المستشري في كل أوصاله من قمة الرأس حتى أخمص القدمين.
كانت فرصة وضاعت..وبقي الشعب الكردي يتحسر على أيام الدكتاتورية..


شيرزاد شيخاني

[email protected]