يعتبر التمييز بين الأجناس البشرية على أساس لون البشرة ظاهرة قديمة تميزت بها البشرية منذ افتراقها إلى مجاميع بشرية متمايزة على هذا الأساس. وبغض النظر عن نظريات تفسير التمايز اللوني هذا، التي ترجع أرجحها إلى أن التنوع المناخي هو السبب الرئيسي، إلا أن هذا التمييز بقي سمة سائدة وطابعا للصراع بين هذين العنصرين في مناطق الإختلاط والتجاور بينهما. ويكشف ذلك تاريخ الصراعات في تلك المناطق وإرثها الحضاري الذي يوثق ذلك بالإضافة إلى إمتداداته الحالية.
ففي التاريخ العربي مثلا، إشتهرت المنطقة بتراث إستعباد الجنس الأسود، حتى جاء الإسلام وحاول تغيير ذلك الواقع. ورغم مرور كل هذه الفترة على تجذر الإسلام في المنطقة إلا أنه لازال نعت quot;عبدquot; وquot;عبيدquot; لأحفاد هؤلاء في أغلب البلدان العربية هذا فضلا عن عدم التزاوج معهم، وحرمانهم من المناصب الحكومية وفرص أخرى. ولازالت بعض أماكن أسواق الرقيق شاهدة على فترة انقرضت عمليا خاصة في البلدان التي تحادد مناطق إفريقيا السوداء. في حين لازالت تُهم الإتجار بالرقيق الأسود توجه إلى بعض تلك البلدان مثل السودان وموريتانيا.


وفي التراث العربي أيضا البيت الشعري الشهير للمتنبي الذي نعت فيه كافور الإخشيدي (946-968 م) الذي حكم مصر منذ عام 966 ولمدة 23 سنة، وتوسع إلى الشام خلال فترة حكمه:
لا تشتري العبد إلا والعصا معهإن العبيد لأنجاس مناكيد
وقد صار هذا البيت للأسف مثلا، يعزز القوالب النمطية التي تعكس واقع العلاقة الاجتماعية بين أبناء هاتين المجموعتين البشريتين. وفي البصرة جنوب العراق، حدث ما عرف بثورة الزنج في القرن التاسع الميلادي خلال حكم العباسيين، حيث إنتفض هؤلاء على واقعهم المرير وأقاموا دولة لهم مقرها مدينة (المختارة) جنوب البصرة. لقد استقدمهم العرب خلال الفتوحات الإسلامية الأولى ليعملوا في الثغور التي فتحوها، واستمر استعبادهم إلى حين حدثت تلك الواقعة التي لم تغير كثيرا من واقعهم.
إن أشكال الصراع هذه موجودة في أماكن عديدة من العالم، لكن أشدها بروزا هو ما ظهر في أميركا وجنوب أفريقيا كمناطق احتكاك مباشر وتمييز ممنهج.


فقد كانت أميركا إلى وقت قريب نموذجا للصراع بين الجنسين (الأبيض والأسود) في مختلف مجالات الحياة. وقد عانى السود كثيرا جراء سياسة التمييز العنصري التي كانت تطالهم وتبعات جلب العديد من أجدادهم quot;عبيداquot; لمرافقة المهاجرين البيض وخدمتهم. وتعززت نزعة التمييز التقليدية بظهور نظريات عنصرية أطرت الصور النمطية quot;علمياquot; حسبما اعتقد البعض. ومن أبرز من نظر وروج لهذه الأفكار التي تعتبر العنصر الأبيض أرفع شئنا والأسود أقل منه ومنازل الآخرين من باقي الأجناس ما بينهما هم:
غوبينو عام 1853 م، والفرنسي كونت دو نمبينو وجوزف كبلنغ (1865-1936) وهيوستن وتشامبرلن وغيرهم. وقد تم تطبيق التمييز العنصري عمليا على يد هتلر في ألمانيا إبان فترة حكمه، كتمييز من نوع آخر يقوم على سيادة الجنس الجرماني. كذلك طبقت في جنوب أفريقيا من خلال سياسة (أبارت هيد apartheid، وهي كلمة هولندية الأصل تعني الفصل بين شيئين) التي شهدت صراعا مريرا بين الجنسين.


وبعد فترات طويلة من الصراع الظاهر والخفي، تغلبت وإلى حد كبير المفاهيم العصرية المتمثلة بالمساواة والعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية إلى جانب النهج الديموقراطي في إدارة الدولة وخفت تلك النزعة تدريجيا. وتسيدت أميركا العالم بعد تفكك القطب السوفياتي الآخر، واستمرت بطرح نموذجها القيمي المتجدد في مجالات الحياة بما فيها السياسية بغض النظر عن الأتفاق أو الإختلاف معها. فما من صوت يصدح في أميركا حتى ليسمع صداه في مختلف أنحاء العالم.


أما فوز باراك اوباما بمنصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية للدورة القادمة، فيعتبر حدثا تاريخيا كبيرا ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على الصعيد الإجتماعي أيضا. حيث اعتادت أميركا والعالم على وجود رئيس من ذوي البشرة البيضاء على سدة الرئاسة دائما منذ قيام الولايات المتحدة الأميركية كدولة مستقلة عام 1776 م، رغم أنها تتألف من نسبة كبيرة من ذوي البشرة السوداء والأجناس الأخرى، إلى جانب كونها قد تكونت من خليط من المهاجرين، لتصبح مثالا للذات الطامحة التي تتمثل بالمهاجرين المغامرين. وهكذا يمكن وصف quot;شخصيةquot; الولايات المتحدة الأميركية في السياسة والعلاقات الخارجية والتطور العلمي وما يخلفه ذلك في مناحي الحياة عامة (أي صورة المهاجر المغامر).

ويأتي اختيار رئيس من الجنس الآخر المحروم والمميز طيلة فترات التاريخ السابقة، إنتصارا للمفاهيم الحديثة التي وُضعت حيز التطبيق بعد أن كانت في رفوف كتب الفلاسفة والطوباويين ورسالات الأنبياء. وأضيفت quot;بدعةquot; جديدة إلى بدع الولايات المتحدة التي تقود العالم في مجالي الإبداع وquot;البدعquot; (البدعة من الإبتداع، وهي دلالة سلبية، وتختلف لا شك عن الإبداع، الذي يشير إلى الإبتكار).
هذا التقليد الجديد سيجعل بلدانا أخرى مالبثت تحاكي أميركا مثل بريطانيا والعديد من بلدان أوربا الغربية أن تحذوا حذوها في إعطاء فرص للمهاجرين من الأجناس الأخرى، ولعلنا نشهد في القريب العاجل رئيسا أو رئيس وزراء لأحد تلك البلدان من تلك الأجناس. كما سيغير على الصعيد الاجتماعي النظرة النمطية تجاه السود ويخفف من الإحتقان الموجود لديهم والشعور بالغبن والظلم الذي طالما عانوه. وسيكون هذا مبعث للمزيد من فرص الإندماج الاجتماعي بين تلك الأجناس والاثنيات التي تعيشها مجتمعات المغايرة الثقافية (multicultural societies) الجديدة، ومجتمعات المغايرة العرقية التقليدية مثل مجتمعاتنا العربية.


ختاما لا بد من التأكيد أن التمايز في اللون لا يعني أن هناك تفاوتا في القدرات العقلية، وما يحصل من تفوق أو تقدم أجناس على أخرى إنما مرده إلى فرص الحياة الموجودة من مناخ وخيرات وتجارب احتكاك مع شعوب أخرى، وتراكم فكري وفرص استقرار. هذا ما تؤكده نتائج الدراسات العلمية في مختلف حقول المعرفة، فلا ينبغي أن نبني أحكامنا خلاف ذلك.

د. حميد الهاشمي

انثروبولوجي عراقي www.al-hashimi.blog.com