بعد ان هدأت قليلا الضجة التي رافقت حادثة منتظر الزيدي والتي أخذت مساحة هائلة من اهتمام الاعلاميين العرب،لازال الاهتمام الشعبي بها متواصلا لحد الان،ولازالت المواقع الالكترونية ومجاميع الفيس بوك تتناقل التعليقات وردود الافعال والنكات ورسوم الكاركتيروالالعاب الالكترونية وماالى ذلك من تعبيرات باعثها الرئيس الترفيه عن القهروالغضب المكتوم، الامر الذي جعل البعض يرجح ان تلك التعليقات و القصائد والمقالات المكتوبة عن ( الحذاء الطائر)، والتي جابت مواقع الانترنت بلا استثناء، كانت السبب وراء الانقطاع الذي حصل مؤخرا على الشبكة في منطقة الشرق الاوسط. كما ساهم مشاهير كتاب الاعمدة في كبريات الصحف العربية، كالحياة والشرق الاوسط والزمان والخليج والسفير والنهاروالقدس العربي بالكتابة عن الحادث بين مؤيد ومعارض او مؤيد ومعارض في الوقت نفسه، وفي مسح لتلك الاراء، أظهرت احصائية قام بها الموقع الالكتروني الواسع الانتشار(ايلاف)،ان 35بالمئة فقط من المقالات المنشورة في الصحف(وليس في المواقع الالكترونية) أضفت الشرعية على ماقام به الصحفي العراقي منتظربينما يشير استفتاء السي ان ان على موقعها العربي،والذي لايزال متواصلا الى حد الان،لاختيار شخصية العام الى تقدم الزيدي بنسبة الضعف على باراك اوباما.


وتشير الاخبارايضا، الى ان المطرب شعبان عبد الرحيم انضم الى هذا العرس (الديموقراطي) باطلاق اغنية جديدةمن أغانيه ذات اللحن الواحد. أما رمضان بايدن،صاحب الشركة التركية المصنعة لموديل الحذاء، فقد اضطر للاستعانة بمئة عامل جديد للحاق بزيادة الطلب، البالغة 370 الفا، معظمها تدفق من العراق،ثم انتشر الى باقي ارجاء الوطن العربي والعالم.


وحيث ان التفاعل مع الحدث قد بلغ مستويات غير مسبوقة من تنفيس العواطف ومشاعر الغضب والعداء لامريكا،فقد وجد المعارضون لهذه الحادثة في تلك العاطفية الزائدة مادة دسمة للتندر والسخرية من العقل العربي وتخلفه وانحطاطه الى هذا المستوى حسب رايهم.


وقد شكلت الاصوات المعارضة لهذا الحادث نسبة كبيرة الى حد ما. ولكنها اقل بكثيرداخل نادي المبتهجين بالحدث والمحتفلين به، دليلنا الى ذلك ما لاحظناه من نسبة المعلقين عليه في احدى المواقع المحايدة الى حد ما (طبعا الامر يختلف على المواقع المنحازة ولايمكن القياس عليه).والذي أخذنا عينة عشوائية من الموضوعات المنشورة فيه، بعد الرابع عشر من كانون الاول،لنجد ان الفريقين يتعادلان احيانا عندما يتعلق الامر بالجانب المهني للحادثة وتزداد نسبة المعلقين المؤيدين لحادثة الزيدي بقوة، عندما يتعاطف احد الكتاب مع بوش أوقد تزداد نسبة المعلقين المعارضين للحادثة قليلا عندما ياتي التاييد لها من كاتب اخر، كما رفضت الغالبية العظمى من التعليقات ان يكون الحادث مدبرا او مخططا له مسبقا.


وهذا كله مقبول وطبيعي،ولابأس في اختلاف الرأي وتضارب الاراء فهذا هي سنة الارض وماعليها من امم، ولكن مما يثير الاسى والالم هو ان تتخذ التعليقات والموضوعات طابع الهجوم الحاد والتنابزالذي يصل الى حد الشتائم وتبادل الاتهامات العاصفة (اياها) من نوع عميل وخائن وصفوي من جهة وقومجي وارهابي وصدامي من الجهة الاخرى، ويحدث احيانا ان تختلط الاوراق وتتشابه المواقف، فترى الاعلام الايراني مثلا أو حزب الله اللبناني يحتفي بحادثة الزيدي كما تحتفل به بعض الاطراف العلمانية أوالتقدمية المعادية لامريكا.كما حملت بعض الاقلام هذا الحادث، ما لايحتمل من مصطلحات ثقافية وافكار وايديولوجيات وخلفيات سياسية وعقائدية الى الحدالذي وصفت فيه الاخبار منتظر الزيدي تارة بأنه شيوعي وأخرى بأنه صدري وثالثة بأنه بعثي. وهذه خلطة أقل ما يقال بشأنها في الوصف الدارج البغدادي بانها (شي ما يشبه شي).


ان الانقسام المصطنع الذي خلقه الساسة بين العراقيين حول قضايا اصبحت تفرق الناس بدلا من ان توحدهم،يكاد يصبح أمرا واقعا، فقد اصبحت تعرف هوية الشخص الذي تتحدث اليه لا من اسمه ولقبه وحسب ولكن من اسم القناة التي يتابعها والصحف الثي يقرؤها والمنطقة التي يسكن فيها.و بما ان كل حزب بما لديه فرحون فأن التقاطع بين الاثنين لم يعد ذا فائدة ولن يجلب سوى المزيد من الخراب للعراق والعراقيين والثمن الباهظ لذلك كله يحتم على الجانبين،وربما الجوانب، ان تجد لها حلا وسطا تتفاهم عليه وان يحاول كل منها ان يتقبل وجهة نظر الطرف الاخر ويحاول تفهمها لان اقصاءها لم يعد ممكنا ولا كيل الشتائم للفضائيات والصحف سيلغيها من الوجود ولاشك ان اعلام كل جهة يمثل ازعاجا للجهة الاخرى بحيث يعمد البعض الى الغائه من بيته (كما هوالحال مع بعض القنوات الفضائية ) ولكن هذا الالغاء يكون كمن يدفن رأسه في الرمال حيث لم يعد بمقدور اي طرف ان يلغي الطرف الاخر او يحتقره او يكيل له التهم لان لكل جمهوره وملايينه ولابد من تقبله وتفهم الاسباب التي دعته لاتخاذ مواقفه الموصوفة سلفا بالتعبيرات الجاهزة والدارجة هذه الايام.

ان من الاخطاء القاتلة التي حدثت في العراق بعد الحرب في 2003، بالاضافة الى طامة الاحتلال الكبرى، هي سياسة الالغاء والاقصاء وعدم تحمل المعارضة والرأي الاخر وهاهي حادثة الزيدي تمضي كالعاصفة وتترك خلفها فريقين متضادين ان الاوان لكي يتعلما درسا في ضرورة تقبل الراي وتفهم اسبابه بعيدا عن الاتهامات والاحكام المسبقة وهو الدرس الذي يبدو ان الاعلام العراقي الرسمي أخفق في اجتيازه ونأمل للحكومة العراقية ان تنجح فيه.

ميسلون هادي