ما الذي يجعل الإعلام وجزء من المثقفين و السياسيين الفرنسيين يقيمون الدنيا و لا يقعدونها من اجل قضية ''بطلان زواج'' رفعها شاب مسلم على زوجته بعد أن اكتشف ليلة الدخلة أنها ليست عذراء كما زعمت.


هل أصبحت الحياة الشخصية لمواطن عادي مُهمة لهذه الدرجة حتى تحتل صفحات الجرائد وأخبار القنوات، وتستدعي تدخلات السياسيين و رجال القانون و المجتمع المدني..؟ أم لأن الخبر يتّعلق بمسلم و مسلمة و عذرية و أشياء من هذا القبيل.


استعجبت حين رأيت هذا الخبر يأخذ كل هذا الحّيز من الاهتمام، فالبلد يغرق في مشاكل البطالة و تدهور القدرة الشرائية و الإضرابات ووو..و الصحافيون لا حديث لهم سوى ذالك المسلم الذي طلقّ زوجته لأنها ليست عذراء.. حيث خصصت صحيفة عريقة ك''لومند'' صفحتين كاملتين لمعرفة ما إذا كان الإسلام يمنع فعلاً زواج المسلمين من غير العذارى، أما ''لوفيغارو'' فخصّصت مثلهما لتحقيق حول انتشار عمليات ترقيع غشاء البكارة التي تزعم أن الفتيات المسلمات أصبحن يلجأن لها ''بكثرة''، كما فتحت الإذاعات أمواجها لشهادات مواطنين مذعورين، هالَهُم أن تأخذ محاكم الجمهورية بعين الاعتبار عقليات المسلمين وتقاليدهم البالية. بينما ضّحى بعض المسلمين بعرض تفاصيل حياتهم الخاصة على الهواء لكي يبرهنوا أنهم ليسوا أقل تحضراً من أحد حين يتعلق الأمر باختيار شريك الحياة.


وكان من الممكن أن تمُر هذه القضية دون ضّجة، كمئات قضايا بطلان الزواج التي ترفع في المحاكم الفرنسية منذ سنوات لأسباب مختلفة كما تّنص عليه المادة 180 من قانون الأحوال الشخصية الفرنسي، كإخفاء عاهة أو مرض ما، أو الكذب حول المهنة، أو المستوى الاجتماعي الحقيقي لأحد الزوجين، وهو الحق الذي استعمله محامي الشاب المسلم لطلب إبطال الزواج، ليس لأن الفتاة ''غير عذراء'' كما ينقل الإعلام بل بسبب انعدام الثقة ولأنها ''كذبت'' عليه حول واحدة من الصفات التي كان يظن أنها متوفرة فيها، و إن كنت لا أشاطر الشاب رأيه حول مواصفات ''الزوجة المثالية''، إلا أن لا أحد بوسعه منع أي شخص من اختيار شريك الحياة حسب المواصفات التي يراها هو ''أساسية''. و قد حدث و أن أُصدرت أحكام ببطلان زواج لأن أحد الزوجين أخفى جنسيته الحقيقية عن الأخر أو لأنه أخفى عن الأخر زيجة سابقة، فلماذا كل هذه الضّجة حين يتعلق الأمر بقيم خاصة بالمسلمين؟؟


الظاهر أن من يهُمهم تقديم المسلمين بمظهر المتخلفين، القروسطيين، لم يُفوتوا الفرصة و لم يرتاحوا إلا حين ضربوا ضربتهم مرة أخرى ليقيضوا الأحقاد و يذكروا الفرنسيين أن لا مكان لهذه الديانة في الجمهورية وانه من المستحيل اعتبار المسلمين مواطنين عاديين كغيرهم.و الواقع أن هذا الحدث ليس معزولاً، بل هو ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل الإسلاموفوبيا، الذي أصبح يجتاح العالم الغربي منذ أحداث 11 سبتمبر 2001. حيث شهدنا بدايته مع الرسوم الدنمركية المُهينة و بعدها السويدية، الفرنسية ثم الفيلم الهولندي، بينما تتّجلى مظاهر هذا التّوجس كل يوم في الحياة اليومية لمسلمي أوربا بمجرد أن تطأ أقدام محجبة أو رجل ملتحي باب المؤسسات الحكومية.

إن كنت أتّفهم منع القطاع الحكومي توظيف نساء محجّبات لأن البلد علماني وله تقاليده، فإني لا افهم أن ترفض مشاركة طفل في حصة العاب تلفزيونية لأن اسمه ''إسلام'' أو أن يطلب من أمهات متّبرعات للمشاركة في نشاطات مدرسية أن ينزعن الحجاب إذا أردن مرافقة أطفالهن، في ماذا يهّدد هؤلاء علمانية الديمقراطيات الغربية.. ما تغاضت وسائل الإعلام عن نقله هو أن الشاب المُدعي مهندس فرنسي الأصل اعتنق الإسلام منذ فترة، فهل من علاقة مع ما نشرته تقارير وزارة الداخلية الفرنسية مؤخرا عن نمو الإسلام في فرنسا، والأرقام تتحدث عن 3600 حالة دخول في الإسلام سنوياً و من 50 إلى 70 ألف خلال العشرية الأخيرة فقط؟ أنا شخصياً لا أؤمن بنظرية المؤامرة، ببساطة لأن الغرب أكثر تحضرا ًوهو نفسه من فتح أبوابه لملايين المسلمين: أعطاهم كامل حقوقهم و بنى لهم المساجد، إلا أني لا أملك إلا أن ألاحظ أن الخوف من الإسلام السياسي الذي أثارته العمليات الإرهابية قد تعّداه الآن إلى الخوف من الإسلام كدين حتى أصبحت كل رموزه و قيّمه محّط تشهير وانتقاد، و هي الموجة التي تركبها تلك الجهات المتطرفة التي تنظر بعين القلق لصعود أجيال جديدة من الأوروبيين المسلمين. فمن يجرؤ بعد هذا بوصف ''الإسلاموفوبية'' بالأكذوبة الكبيرة.

أنيسة مخالدي
[email protected]