ليس هناك أسطورة تعلق بها أتباعها وروجوا لها بحماس كبير كما هو الحال مع أسطورة الأمة العربية، التي ظهرت إلى الوجود بعد ضعف الدولة العثمانية، وبالتأكيد كان لانتشار الفكر القومي في أوربا ونشوء الدول القومية فيها، أثره البارز في نشوء هذه الأسطورة وترعرعها، إلى الدرجة التي غدت فيها معلما بارزا من معالم الذهنية العربية وركيزة مهمة من ركائزها، فضعف مفهوم الخلافة الإسلامية وتحول الدولة العثمانية إلى رجل مريض، دفع بعض الأتراك إلى محاولة إصلاح الدولة العثمانية من خلال الاستناد إلى الفكر القومي،وهذا الأمر لم يتم بالتأكيد مرة واحدة، بل جرى تسويقه عبر المنعطفات التي مرت بها هذه الدولة المريضة حسب تشخيص الأوربيين لها،ولعل الفكر القومي العربي قد واكب هذا التطور، مع انه لم يصل إلى درجة من النضج إلا في فترة متأخرة، لكن أهم مخاض لهذا الفكر ارتبط على الأرجح بمشروع محمد علي في مصر، فقد أدرك هذا الرجل أهمية اختراع مفهوم يستقطب الجماهير العربية الناقمة على الأتراك حتى يجد له من يؤيده ويدعم طموحه، وبالتالي رفع شعارا قوميا بإزاء شعار الأتراك الإسلامي،وقد فعل مشروعه من خلال اعتماد اللغة العربية كلغة أساسية في مصر ثم في التوجه لمحاربة الأتراك باسم العرب، فقد كان إبراهيم باشا يردد دائما انه لم يعد تركيا بل أن شمس مصر جعلته عربيا، موجها دعايته نحو البلدان الناطقة بالعربية، حيث وصلت فتوحاته إلى بلاد الشام والجزيرة العربية والسودان.


ومع أن مشروع محمد علي لم يكن في حقيقة الأمر معبرا فعلا وحقيقة عن هاجس عربي محدد،إلا انه تمثل هذا الهاجس ووضعه كجزء من حملته السياسية والعسكرية، ويبدوا من مجرى الأحداث، أن محمد علي كان مدركا لأهمية الفكر القومي في معركته ضد العثمانيين، بدليل إصلاحاته التي تميزت بتوجهها نحو الثقافة العربية، ومحاولة اعتماد هذه الثقافة في صراعه ضد العثمانيين، مصوبا اهتمامه نحو الدعاية التي تمثل قطب الرحى في حملته القومية، وربما عدت صحيفة الوقائع المصرية احد أعمدة سياسته، فكانت بحق رائدة الصحف الحكومية ومدشنة الصحافة العربية الموجهة، لقد وعد إبراهيم باشا بالنيابة عن والده بإقامة كيان عربي يمتد حيثما ينتشر اللسان العربي، وهذا بالتأكيد أقدم من وعد بلفور، مبديا استعداده لإنشاء وطن قومي للعرب بعيدا عن الهيمنة العثمانية، لكن مشروع محمد علي لم يكتب له النجاح، لان الدول الأوربية أدركت مخططه وخشيت من أن يكرس مشروعه لمعاداتها، إلا أن هذا الفشل لم يكن مانعا من مواصلة المشروع في الساحة الثقافية، حيث تضخمت الأسطورة بعد أن انهار الحكم العثماني، وتحولت القومية العربية إلى منهج بديل يسوق للعقل السلطوي.


وهكذا تحولت الشعوب الامازيغية والأفريقية والمصرية والشامية والرافدية إلى تبني الإطار العربي، بعد أن غاب أو تلاشى الإطار العثماني، ففي حقيقة الأمر ليست هناك امة عربية بل شعوب ناطقة بالعربية، وليس هناك وطن قومي للعرب بل بلدانا فتحتها الجيوش العربية وغدت جزءا من غنائم حرب هذه الجيوش، الأمر الذي يمكننا أن نفسر به شراسة الصراع العربي الإسرائيلي.. هذا الصراع الذي يحمل في طياته جزءا أسطوريا يمتد إلى غابر التاريخ، والى تلك الذهنية التي خلقت وهم الصراع القومي بين امة عربية يحركها العامل القومي وأمة إسرائيلية يحركها العامل الديني، فهو صراع بين وعدين يرومان التحقق ضمن الإطار الجغرافي نفسه تمتد جذورهما إلى الفكر الديني لكلا الطرفين، وعد بلفور القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود، ووعد إبراهيم باشا بإنشاء وطن قومي عربي، ومابين هذين الوعدين وحدودهما غير المحدودة، تحترق أجيال وأجيال.

باسم محمد حبيب