وعود الحكام في الشرق الأوسط تذهب دائما أدراج الرياح، ويستوي عندي الحاكمين، الدكتاتوري الغاصب للسلطة، أو المنتخب من قبل الشعب، فنحن شعوب المنطقة من أكثر شعوب وأمم الأرض سذاجة وإنخداعا بوعود حكامنا، فوعود الدكتاتور تذهب عادة أدراج الرياح، فيما تتبخر وعود الحاكم المنتخب دائما مع إنتهاء سخونة الحملات الإنتخابية؟؟


وإقليم كردستان ليس إستثناءا في ذلك، فشعبه هو جزء من هذا الشرق المتوسطي تشرب أبنائه بثقافته السائدة، فأصبح حاله كحال شعوب المنطقة في الخضوع للذل والهوان على يد الحكام، وغدا حال حكامه كحال الحكام الشرقيين في التسلط والإستبداد.
هي إذن ثقافة شرقية بإمتياز متوارثة ومتأصلة في النفوس بفعل الهواء والماء؟؟

يكثر الحديث في إقليم كردستان هذه الإيام عن إصلاحات تهدف الى فصل الحزب عن الحكومة،وهناك بالفعل عدد من القادة والمسؤولين يروجون لمشروع إصلاحي بهذا المنحى ويعدون شعبهم بالخلاص من حالة الفساد الضارب بكردستان، ولكني كتبت مقالا باللغة الكردية ونشرته في إحدى الصحف المستقلة قلت فيه quot; أن الحزبين الحاكمين لو كانا جادين فعلا في مشروع فصل الحزب عن الدولة، فإن ذلك المشروع سينتهي بإعقتادي بإعادة معظم مسؤولي حكومة الإقٌليم الى مقاعد التعليم الإبتدائي كونهم كانوا معلمي مدارس، ونزع أطنان من النجمات الذهبية والفضية التي تتلألأ على أكتاف العديد من عمال المطاعم وصناع مصلحي السيارات في المنطقة الصناعية، لأن الغالبية العظمى من هؤلاء الضباط الذين يحملون رتبا كبيرة مثل العميد والعقيد والمقدم لا يقرأون ولايكتبون ولكنهم حصلوا على تلك النجمات بسبب إنتمائهم الحزبي ليس إلا؟؟!!.

بموازاة ذلك يتكرر الحديث الممل عن حملة وطنية للقضاء على الفساد المالي والإداري في إقليم كردستان، وبما أن السادة المسؤولين عندنا لا يملون من إطلاق وعودهم الزائفة بالقضاء على هذه الآفة التي تنخر جسد كردستان،فأنا أيضا لا أمل من الكتابة عنها رغم أن بعض القراء أصبح يضيق صدره عن كشفي لعورات السلطة في كردستان ونشر غسيلها في المنابر الحرة،ومنهم من أصبح يمل تكراري الكتابة عن هذه الآفة التي أعتقد أنها ستودي بالنهاية بهذا الكيان الكردي الذي تحقق بدماء مئات الآلاف من أبناء شعبي المنكوب.

قبل فترة قصيرة أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أنه سيكشف عن ثروته وأمواله أمام الشعب، وحذا حذوه نائبه الكردي الدكتور برهم صالح الذي أكد بدوره أنه سيكشف عن حسابات أمواله، وكنت أنتظر من هذه المبادرة الرائعة والشجاعة من المسؤولين في الدولة العراقية أن تجد لها صدى هنا في إقليم كردستان، ولكن للأسف شعرت بما يشبه صمت القبور من السادة المسؤولين، إن لم يكن ضيقا من تلك المبادرة وإحراجا لهم، خصوصا وأن معظم هؤلاء المسؤولين قد غرقوا في الفساد الإداري والمالي الى حد الأذقان.
هنا في كردستان يتواصل الحديث في الكثير من المناسبات عن ثروات المسؤول الفلاني، والأموال التي بدأت تنهمر على الكادر الحزبي العلاني، وأصبح الإغتناء بفضل مناصب الحكومة والإنتماء الحزبي حالة عامة ولافتة للنظر، فمن كنت تجده بالأمس معدوما ينتعل حذاءا مطاطيا، أصبح اليوم يسافر الى إيطاليا لمجرد شراء زوج أحذية له؟؟!.


ومن كان يهرب من كردستان الى بلدان اللجوء ليحصل فيها على مساعدات البلديات والضمان الإجتماعي، عاد اليوم ليؤسس شركة كبيرة للمقاولات تدر عليه الملايين،أو يعين في وظيفة حكومية تغمره بالأموال.


الكل هنا في كردستان أصبح عارفا بأن الشركة الفلانية تتبع الحزب الفلاني أو المسؤول العلاني، بل أن قادة ومسؤولين في بعض الأحزاب لم يعد يشعرون بالحرج في كشف أسماء شركات تابعة لهم تتعامل مع مقاولات الحكومة، كما صرح بذلك الإتحاد الوطني الكردستاني الذي كشف أخيرا عن وجود شركة تسمى ( نوكان ) تابعة له، وهي تتنافس مع المقاولين الآخرين للحصول على مقاولات من الحكومة؟!.


وهذه كانت مبادرة شجاعة من قادة الإتحاد الوطني للإعتراف بتبعية شركة مقاولات لهم، ولكن مع ذلك يبقى ما كان خفيا أعظم؟؟!!.

حدثتني نفسي هذه الأيام أن أصارح أحد كبار المسؤولين في كردستان ليبادر بدوره بالكشف عن ثرواته، خصوصا وقد عرفت الرجل نزيها وأياديه بيضاء من سرقة أموال الشعب،فحاولت إقناعه بهذه المبادرة ليكون قدوة للآخرين. وكنت في حقيقة الأمر أريد من وراء ذلك إحراج عصابة الفساد في كردستان ليكشفوا بدورهم عن ثرواتهم الهائلة، رغم أنني كنت ومازلت على قناعة راسخة بأن أي منهم لا يجرؤ على كشف حساباته بالكامل كما يحدث عند بعض قادة ورؤوساء ومسؤولي دول العالم، ولكني مع ذلك كنت أمني النفس بترسيخ هذه الحالة وتأطيرها بقانون قد يفيد أجيالنا القادمة، ويضع حدا لإمتداد هذه الظاهرة الى المستقبل، ولكن ما أن سمعت منه ردا بالتريث وإعطائه فرصة للتفكير حتى تيقنت عندها أن هناك قيودا وحسابات أكبر منه تمنعه من التقدم بتلك المبادرة،وقد عذرته في ذلك لأنه في كل الأحوال هو أيضا جزء من هذه الإدارة والقيادة، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

قبل عام كان هناك حديث لتشكيل هيئة للنزاهة في كردستان، وكنت حينها ومازلت عند قناعة تامة بعدم جدية نوايا قادة الإقليم بتشكيل هذه الهيئة وإعطائها الصلاحيات اللازمة لوقف حالة الفساد في كردستان لسبب واحد وهو، أنه ما دامت حكومة الإقليم لا تنشر حساباتها السنوية من حيث الإيرادات والمصاريف كما جرت العادة في معظم دول العالم المتمدن، فكيف يمكن أن نصدق بمثل هذه الوعود، وهي وعود لم تتحقق لحد يومنا والحكومة الحالية سائرة الى نهاية ولايتها مع الإنتخابات البرلمانية القادمة؟؟؟.

منذ سنوات وأنا أعلنها حربا لا هوادة فيها ضد مظاهر الفساد في كردستان حتى أنني وضعت رقبتي على السيف تحديا، ولكني اليوم راجعت نفسي وإقنتعت بضرورة تقديم تنازل عن مبادئي وأن أرضى بأرباع الحلول، ولذلك أعلنها من على منبر (إيلاف ) صراحة بأنني أقبل من الآن فصاعدا أن ينهب أي مسؤول حكومي هنا في كردستان ثلاثة أرباع أموال الميزانية المخصصة له مقابل تخصيص الربع المتبقي منها لمشاريع تخدم الشعب وتعالج جزءا من أزماته المعيشية والخدمية..
أليس العرض مغريا أيها السادة الكرام؟

شيرزاد شيخاني
[email protected]