في أول ردة فعلٍ على دعوة النزاهة العراقية مسؤولي إقليم كردستان للكشف عن ذممهم المالية، قال عماد أحمد القيادي في حزب الطالباني، والنائب الجديد لرئيس حكومة إقليم كردستان: quot;نحن نرحب بذلك، ولكن وطبقاً لمضامين الدستور والقانون المتبع في العراق، فإن صلاحيات عمل هيئة النزاهة لا تشمل إقليم كردستان، وتقتصر على المناطق الخاضعة لإدارة الحكومة العراقيةquot;.
كلام غريب، quot;مضحك مبكيquot;.

حين يتعلق الأمر بما تسمى بquot;مخصصات الإقليمquot;(لأنها في الواقع، مخصصات للحزبين أكثر مما تكون للإقليم)، والتي تشكل 17% من ميزانية عموم العراق، تكون كردستان جزء لا يتجزء من العراق، وتريد حصتها بالتمام والكمال، أما حين يأتي الكلام على السؤال عن quot;الذمم المالية للمسؤولين الكردquot;(من أين لكم هذا؟)، فإنّ القانون العراقي لا يشملهم!!!


كان من الممكن بالطبع أن يتغاضى المراقب الطرف عن هذا السؤال، فيما لو كان هناك بالفعل quot;شفافية كرديةquot; في تعاطي الفوق الكردي مع المال العام. ولكن ليست هناك لا شفافية، ولا شبيهاتها ولا هم يحزنون.

بعد اخراج النفقات السيادية والحاكمية من الميزانية الاتحادية، كانت وزراة المالية قد أعلنت عن الميزانية الاتحادية للعام 2009 والبالغة اكثر من 78.88 مليار دولار (94 ترليون دينار)quot;. حصة إقليم كردستان من هذا المبلغ تبلغ 9.16 مليار دولار (10 ترليون و928 مليار و239 مليون و478 الف دينار)quot;(أصوات العراق، 18.09.08).

وبلغت ميزانية الإقليم للعام الماضي(2008) حوالي تسعة مليارات دولار(8.758 مليار دولار)، أي أكبر من ميزانية الأردن التي بلغت 7.3 مليار دولار، وقريبة من حجم ميزانية دولة غنية مثل الإمارات، التي بلغت 9.5 مليار، حيث كانت أكبر ميزانية في تاريخ هذه الدولة.
والسؤال الكبير، الذي يطرح نفسه، في كردستان، هو:
أين تُصرَف ميزانية كبيرة بهذا الحجم؟
هل تُصرف في بناء البنى التحتية لكردستان مثلاً؟
بالطبع كلا.
فواقع الحال الكردي يقول، أنها تُصرَف في البنى الفوقية للحزب، لأجل زج كردستان عاطلة عن العمل، في المزيد من التبعية الحزبية، والمزيد من المعاش الحزبي، العاطل، المعطل، الكسول، وغير المنتج..اللهم خلا إنتاج المزيد من الكسل.

يقول التقرير الذي أعده فريق إعمار إقليم كردستان حول الأوضاع الاقتصادية والمعنون بـ(تقييم التنمية في الإقليم)، إن تأخر التطور الاقتصادي في إقليم كردستان يعود إلى انتشار الفساد. ويرى جاك باسكال كاتب التقرير، أن الفساد تحول إلى عائق كبير أمام التطور الاقتصادي في الإقليم. وأوضح باسكال أن الفريق ينوي إعداد تقرير في المستقبل حول طرق صرف ميزانية الإقليم وتسليط الضوء على بعض الخفايا في عملية صرف الميزانية.

وانتقد باسكال غياب الخطط الحكومية في تعيين الموظفين قائلاً، quot;إذا ما تحدثنا عن قطاع الزراعة مثلاً، ففي ولاية أريزونا الأميركية، على سبيل المثال، يبلغ عدد الموظفين في وزارة الزراعة (600) موظف، وكذلك في ولاية كاليفورنيا التي تعد أكبر ولاية زراعية في أميركا، يبلغ عدد الموظفين الزراعيين (1600) موظف، بينما نجد أن وزارة الزراعة في الإقليم يعمل بها (13000) موظفquot;. مضيفاً quot;أنه في أي دولة كانت، إذا صرفت نسبة 65%_70% من الميزانية كرواتب للموظفين، فسيكون الإنتاج الاقتصادي معدوماً، لأنه كلما زاد عدد الموظفين، انخفضت التنمية الاقتصاديةquot;.

ويقول باسكال، إنه من كل 5 أشخاص في الإقليم، 2 منهم موظفين لدى الدولة، لذلك فإن حكومة الإقليم تصرف رواتب مليون ونصف المليون موظف، في حين أن عدد سكان الإقليم هو 3.757.058 نسمةquot;(مؤسسة ثروة، 16 مارس، 2009)

حسب إحصائية نشرتها صحيفة quot;الصباح الجديدquot; البغدادية فإن نسبة الموظفين في المحافظات الثلاث بالإقليم تشكل 34% من مجموع عدد الموظفين في جميع المحافظات العراقية. وبحسب النسبة العالمية فإن 15-25% من الميزانية تصرف للموظفين، في حين تصرف 65% من ميزانية اقليم كردستان كرواتب للموظفين(الصباح الجديد، 02.08.08).

وفي حوارٍ سابقٍ له مع جريدة الصباح الجديد، يقول نائب رئيس الإقليم كوسرت رسول: quot;في إقليم كردستان هنالك مشكلة كبيرة في عدد الموظفين، الذين يتقاضون رواتبهم من الحكومة، وهذا العدد كبير، ولا وجود له في أية دولة أخرى، وهو يمثل أكثر من 70% من النفقات كرواتب من ميزانية الحكومة، وهذا الأمر نشأ بسبب الوضع والاقتتال الداخلي، وبسبب عدم وجود تخطيط وخطة في وزارة التخطيط بخصوص الملاكات، لهذا أصبح هذا الأمر مفروضا على الحكومةquot;.

طبعاً هذا هو رأي غالبية الفوق الكردي، الذي يعيد أسباب هذا quot;التوظيف الهائلquot; إلى ظروف كردستان quot;الإستثنائيةquot;، لا سيما تلك التي نجمت عن سنوات الإقتتال الداخلي(1994ـ1997).
ولكن الحقيقة، كما تقول كردستان وظروفها نفسها، هي ليست كذلك.
فالتوظيف عبر قناة الحزب، بتلك الوسائل والسبل التي يرتكبها الحزبان الحاكمان، هو، على ما يبدو، أقصر وأسهل الطرق إلى الملك والإستبداد في كردستان، والقبض تالياً على إرادة أكرادها.
فهو حجر حزبي تحت التصرف والطلب، إذ يمكّن الحزبين من قتل أكثر من quot;عصفور كرديquot; به، فضلاً عن أنه طريق سالك بسهولة، لشراء جيش من الموظفين المريدين والخدم(العاطلين عن العمل فعلياً)، والذين يكونون رهن بعض إشارةٍ من اصبع الحزب، عند الحاجة والطلب.


فالحزبان يتقصدان، برأيي، في شراء ذمم أكرادهما، بالمال العام، كي يتسنى لهما المزيد من صناعة الإستبداد في الحاضر من كردستان، بمالها.
والحال، فإنّ الحزبان الحاكمان يشتريان الحاضر من سلطتهما، بالمال العام، على حساب القادم من كردستان، والقادم من مستقبل أكرادها.

في تصريحٍ سابقٍ له، وصف رئيس وزراء إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، شعبه الكردي بquot;الشعب الكسولquot;. ولكن دولة الرئيس لم يبحث لنا عن الأسباب التي حوّلت أكراده، من quot;شعب الإنتفاضاتquot;، وquot;شعب الثوراتquot; و quot;شعب البيشمركةquot;، وquot;شعب الجبال الصعبةquot;، وquot;شعب الشهادة الصعبةquot;، وquot;شعب الهجرات المليونية الصعبةquot;، فضلاً عن quot;الكيمياء الصعبةquot; وquot;الجينوسايد الأصعبquot;، إلى هكذا quot;شعبٍ كسولquot;.
لماذا لا يكون العكس هو الصحيح مثلاً؟
لماذا لا تكون الحكومات الكردية، هي الكسولة؟
في الحكومة الكردية الموحدة الراهنة، والتي يترأسها بارزاني نفسه، هناك 9 وزارات للإقليم(للترضية والديكور فقط)، هي معطلة كأرقامها التي تختفي وراءها(من الرقم 34 إلى 42 حسب تسلسل التشكيلة الوزرارية)، وعاطلة عن العمل بالكامل(لا شغلة ولا عملة)، حيث لا يتجاوز مساحة عمل كلٍ منها مساحة كرسي الوزير الذي يساوي كل الوزارة؛ فهو العامل والموظف والمدير والوزير، من تحت الوزارة إلى فوقها!!
فما هو اختصاص ومجال عمل هؤلاء quot;الوزراء الإقليميينquot; التسع؟
توجد وزارة كهرباء، لكهرباء مقطوعة في كردستان.
هناك وزراة صناعة، من دون صناعات.

هناك وزارة حقوق إنسان، ونصف سكان كردستان من النساء هن بلا حقوق فعلية، حيث المرأة هي ظل الرجل من البيت إلى البرلمان، وحالات ما تسمى بquot;قتل الشرفquot; لا تزال في إزدياد، وحوالي 60% (حسب تقريرٍ منظمة وادي الألمانية لحقوق الإنسان) من النساء الكرديات في كردستان العراق(من سن العاشرة فما فوق) يتعرضن لعمليات الختان.
هناك وزارة تجارة، ولكنها للتجار الحزبيين الكبار، وعملائهم فقط.
هناك وزراة بيئة، ووزارة تخطيط، ووزارة للموارد المائية، بلا بيئة، وبلا تخطيط، وبلا مياه للشرب، ولا هم يحزنون...إلخ.

بإختصار شديد جداً، أس الحكومة وأساسها، يكمنان في تلك الوزارت المختلف على توحيدها، بين الحزبين، حتى اللحظة، وهي المالية والداخلية والبيشمركة.
فمن هو العاطل والمعطلّ، الكاسل والكسول: الشعب أم الحكومة المحروسة؟

تأسيساً على كل ما سبق، يمكن القول، أنّ صناعة الفساد في كردستان، هي صناعة حزبية محلية بإمتياز، تدخل في صلب استراتيجية الحزبين الحاكمين، بالتالي فإنّ كل خطوة نحو تفعيل الفساد الذي سيؤدي بالأكراد كquot;شعب معطّلquot; في المنتهى إلى quot;كردستان معطلةquot;(حكومات وبرلمانات معطلة، مؤسسات معطلة، حقوق معطلة، حريات معطلة، صحافة معطلة...إلخ) هي خطوة نحو المزيد من تسلط واستبداد الحزبين، والمزيد من الخنق على الخلق، والمزيد من القبض على كردستان.
تفعيل الفساد، كردياً، إذن، هو تفعيلٌ لقبضة الحزب من جهة، وتعطيل لكردستان وإرادة أكرادها من جهةٍ أخرى.

قبيل مغادرته قصر الرئاسة، في بلاده، يوم 16 مايو 2007، بعد أن قضي فيه 12 عاماً، نشر الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، قائمة بممتلكاته في الصحيفة الرسمية، حسبما يقضي القانون بذلك. وكانت قائمة تضم عقارات يملكها مع زوجته، قيمتها 580 ألف يورو، ويملكان بيتاً في مسقط رأسه، قيمته 500 ألف يورو، بالإضافة إلى سيارة بيجو 205 قديمة(موديل1984). أي أنّ كل ممتلكاته قدرت، آنذاك، بقيمة مليون و400 ألف يورو، علماً أن الرئيس كان قد أعلن في عام 1995، عندما تم انتخابه للمرة الأولى، رئيساً لفرنسا، بأنه يملك 1.3 مليون يورو. وعند إعادة انتخابه أعلن شيراك في 10 مايو/أيار 2002 أنه يملك 1.7 مليون يورو.. قبيل تسليمه لمفاتيح قصر الأليزيه، ذكرت تقارير آنذاك quot;إنّ شيراك وعقيلته سينتقلان للعيش في شقّة من 180 مترا مربعا من طابقين قريبة من اللوفر في باريسquot;. (CNN، 24.04.07).

لا أعتقد أن مسؤولاً كردياً من الدرجة العاشرة، في كردستان العراق، سيرضى بحال شيراك، الذي شغل منصب الرئيس 12 عاماً، لواحدةٍ من أكبر الدول ذات الشأن في العالم.

بالطبع، أعلم أن كردستان ليست فرنسا، وباريس ليست هولير، فلا أحد يطلب من أهل الفوق الكردي القابض على شئون الحكم في كردستان، أن يكونوا كشيراك، ولا ثقافتهم، تساعدهم، بكل تأكيد، إلى ذلك سبيلاً.
ولكن أليس من حق الكردستانيين وصحافتهم، كحد أدنى، أو كأضعف الإيمان، أن يسألوا عن سبب اختزال كردستان المال العام، إلى quot;كردستانات خصوصيةquot; مملوكة للمتنفذين القائمين على شئون الحزبين الحاكمين فقط؟

أليس من حق الشعب، الذي من المفترض أن يكون هذا الفوق هو quot;ممثله الحقيقيquot;، كما يتبحج به quot;منظروا الفوق الضروريquot;، أن يسأل الحزب quot;الكبيرquot; الذي بات يكبر الوطن بكثير، والذي quot;يفرّخquot; المليونيرية الجدد، وquot;البيشمركة الجددquot;، فضلاً عن تفريخه لquot;مظاهر البؤس السري، بين أكثرية سكان كردستان العراقquot;، حسب تعبير روبن، أليس من حق الكرد، الموقوعين المبتلين بquot;كردستانهم الفاسدةquot; هذه، أن يسألوا أهل أحزاب الفساد الكبير، من هولير إلى السليمانية:
من أين لمسؤوليكم ورؤسائكم وأمنائكم العامين، وأعضاء مكاتبكم السياسية، ولجانكم المركزية، ورؤساء فروعكم، هذه الملايين الكثيرة؟

أليس من حق الشعب الكردي أن يسأل القائمين على شؤون كردستانهم:
من أين لكم هذا يا سادة الفوق الكريم؟
أم تراكم اختزلتم، كأي ديكتاتور آخر، كل الشعب، وكل الوطن، وكل الدولة، وكل القانون، وكل الحق، وكل الحرية في أنواتكم: أنا هو الكل، والكل هو أنا، وعلى الquot;نحنquot; وكردستانها السلام؟

القسم الأول


هوشنك بروكا

[email protected]