بعد أربعة قرون على الثورة الكوبرنيكية، تستعد البشرية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لرحلة جديد داخل أعماق الذاكرة الكونية باتجاه المصدر الأول للوجود الذي انطلقت منه المادة والحياة، بما في ذلك النبات والحيوان والإنسان، وأيضاً الأقمار والكواكب والنجوم والمجرات وحشود أو تكدسات من المجرات، بعد مليارات السنين من التطور الكوني المستمر والدائم إلى الأبد، وذلك من خلال إطلاق قمرين صناعيين للمراقبة الفضائية هما بلانك وهيرشيل Planck et Herschel في وكالة الفضاء الأوروبية ESA ndash; Agence spatiale europeacute;enne اللذين سيصوبان أنظارهما وآذانهما الإلكترونية نحو أعماق الكون بفضل أفضل وأحدث التقنيات في مجال البصريات وأجهزة الرصد السمعي البصري المتطورة جداً التي ستتسلق الزمن إلى الوراء لكي تصل إلى أبعد نقطة في الزمكان بغية رسم صورة دقيقة لطفولة الكون ونموه قبل ظهور تجعدات الزمن على وجناته وبصمات الشيخوخة على ملامحه. يحمل القمر الصناعي هيرشيل أكبر تلسكوب لم يسبق أن أرسل البشر مثله إلى الفضاء لاختراق الغيوم والغازات الكونية والغبار الكوني من أجل فهم كيفية ولادة النجوم بفضل مرصد الأشعة تحت الحمراء وتشخيص أولى المجرات، أما القمر الصناعي بلانك فهو مزود بأجهزة رصد لامثيل لها ستحاول أن تستمع إلى أول صرخة ضوء للكون قبل 7،13 مليار سنة. ومن خلال نتائج عملهما سيتمكن الإنسان من تصور اللحظات الأولى للوجود وفك لغز ما يعرف اليوم بحالة أو لحظة الفرادة والأسباب التي أدت إلى وقوع الانفجار العظيم Big Bang التي لم يتمكن العلماء من وضعها على شكل معدلات رياضية.


وكما نعرف، تقول القصة الكلاسيكية أن الكون كان قبل ولادته عالي الكثافة ومرتفع الحرارة جداً كالحساء مما أدى إلى إنفجاره. وخلال فترة قصيرة تمدد الكون وتوسع وبرد. ففي الجزء الأول من ألف من الثانية تضاعف بنسبة 1026 وهي المرحلة المعروفة بمرحلة التضخم inflation التي سطحت الكون وكان الكون حامي كالجمر بدرجة مئة مليار المليار المليار سلسيوسC 1032 Celsius حيث اهتاجت الجزئيات وتصادمت بعضها بالبعض في حزمة هائلة من الطاقة لتعيد تشكيل نفسها من جديد كالحساء الذي يغلي بالجزئيات حيث تتزاحم الفوتونات وتتجه إلى جميع الاتجاهات ككرات البينغ بونغ أما المادة المضطرمة والهائجة هي الأخرى، فهي موجودة في حالة توازن حراري eacute;quilibre thermique.. يمر الزمن وآلاف السنوات تضاف إلى ألآلاف الأخرى والكون مستمر في توسعه وأثناء تمدده يبرد باستمرار. وعندما تصل درجة حرارته إلى 3000 درجة كلفن تهدأ الجزئيات وتتجمع أولى ذرات الهيدروجين والهليوم المستقرة مقودة ومدفوعة بقوتها الكهرومغناطيسية. تقوم المادة بتنظيم نفسها وتتحرر الفوتونات من هيمنة المادة وتنطلق بعد تخلصها من العوائق. يصبح الكون شفافاً ويبدأ ببث أولى إشعاعاته بعد أن بلغ عمرة بالكاد 380000 سنة. نشأ حينئذ هذا الضوء الأولي الذي سمي بالعمق الكوني المشع CMB Fond diffus cosmologique ndash; Cosmic Microwave Back ground والذي يضيء مساحة كونية متجانسة جداً مكونة من الغازات والذرات وأنتشرت في جميع أرجاء الكون. بيد أن الكون استمر في الاتساع وتضاعف حجمه مليارات المرات وانخفضت حرارة الإشعاع إلى 3 درجة كلفن -270deg;C. والحال أن القمر الصناعي بلانك سيهتم بحزمة الأشعة البدئية المتحجرة الأولية التي تحدث عنها عالم الفيزياء الروسي جورج غامو George Gamow في أربعينات القرن المنصرم في إطار نموذج البيغ بونغ أي الإنفجار العظيم وأكتشفها بالصدفة سنة 1965 العالمان الأمريكيان آرنو بنزياس وروبرت ويلسون Arno Penzias، Robert Wilson وحصلا على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1978 بفضل اكتشافهما هذا. ما تزال أسئلة جوهرية كثيرة تدور في أذهان العلماء تبحث عن أجوبة يقينية. كيف أمكن لمثل هذا التجانس التام أن يولد كوناً متنوعاً في جغرافيته، غني بالمجرات والنجوم والكواكب في ناحية ما منه وفقير في مناطق أخرى؟ وكيف نفسر هذا التنظيم المتقن والرائع للكون؟ حيث أن المجرات لم تتوزع فيه عشوائياً ويوجد فيما بينها فراغات كونية هائلة حيث يبدو الكون كما لو أنه يشبه الإسفنجة. لذا لابد من تقصي آثار الأشعة الكونية الأولى والقيام بالحفريات الفضائية إذا جاز لنا القول، حيث بات من الممكن
وضع خريطة مجسمة للجزء المرئي والمكتشف من الكون، والتأكد من وجود الثقوب السوداء والطاقة الداكنة أو السوداء والمادة المعتمة أو الداكنة التي تشكل نسبة 72% من محتويات الكون التي تشبه الشبكة العنكبوتية. يتفق أغلب علماء الفلك والفيزياء الفلكية والمتخصصون بالكونيات والعلوم الكونية على أطروحة الانفجار العظيم وأنه كان الأصل الأول لانبثاق الكون الحالي المرئي والقابل للمراقبة والدراسة من خلال التأكد من وجود عمق متجانس وموحد للأشعة الحرارية rayonnement thermique التي تغرق أرجاء الكون، ويعتقدون أن هذه الأشعة هي بقايا الحرارة الأصلية التي تولدت عن الانفجار العظيم البيغ بانغ وبدأت بالانتشار في جميع الاتجاهات. شاعت مقولة خاطئة بأن الانفجار نتج عن تكدس شيء كثيف جداً كان موجوداً في فراغ سابق الوجود، وهذا طرح غير علمي وغير دقيق وخاطيء حيث أن النظرية النسبية العامة لآينشتين تقول أن الزمان والمكان مرتبطان بالمادة ومتداخلان معها بصورة وثيقة لايمكن الفصل بينهم. فالانكباس والضغط الهائل للمادة الذي تحدثت عنه أطروحة البيغ بانغ الانفجار العظيم سيعرض الزمان والمكان في نفس الوقت لنفس الحدث العنيف الذي تعرضت له المادة وبالتالي فإن حدث الانفجار العظيم لم يكن أصل نشوء
المادة وحدها فحسب، بل أيضاً نقطة البداية لولادة الزمان والمكان المتوحدان في الزمكان الوجودي أو الكوني، أي لم يكن هناك زمان قبل نقطة الصفر حسب الوصف العلمي لهذه الظاهرة الفريدة في تاريخ الوجود. وكما قال القديس أوغسطين أن العالم خلق مع الزمن وليس داخل الزمن. ولكن إذا كان للزمن بداية فلابد والحالة هذه أن نعيد النظر في الظروف الكونية البدئية أو الأولية ونطرح الأسئلة الوجودية بوضوح وجرأة حتى لو اضطررنا للخوض في المسائل الميتافيزيقية مثل: لماذا وقع الانفجار العظيم وما هو سبب تغير الوضع السائد قبل الانفجار وهل أن هناك أكوان وعوالم أخرى قبل كوننا هذا أي قبل زمننا الذي يعود عمره إلى 7،13 مليار سنة على الأقل إن لم يكن أكثر ويقدره البعض بين 15 و 20 مليار سنة، وإن ما حدث ليس سوى لحظة عابرة من عملية خلق مستمرة أزلية وربما أبدية أيضاً؟ وهل الانفجار العظيم أدى إلى ولادة كون واحد أم عدة أكوان؟ وهل الكون الحالي ذو أبعاد محدودة قدرت بثلاثة والرابع هو الزمن، أم أن هناك أبعاداً أخرى قدرتها بعض النظريات الكونية بأحد عشر بعداً؟ لماذا احتاجت عملية خلق الكون إلى كل هذا الكم الهائل من الطاقة ولم تكن نتيجة إرادة غيبية تتلخص بجملة كن فيكون؟ ومن أين جاءت المادة المتفجرة و الحرارة التي صاحبتها وانتشرتا انطلاقاً من نقطة محددة في الفراغ الكوني؟ المادة والإشعاعات موزعة في الكون في غاية من التجانس والاتساق وليس عشوائياً وإن طاقة الضوضاء الحرارية الناجمة عن الانفجار العظيم هي نفسها في جميع اتجاهات الكون، فمن الذي يقف وراء هذا التنظيم الدقيق والمحكم في الكون؟ وحتى التوسع الحاصل في الكون يحدث وفق إيقاع منتظم ومحكم بدقة لا متناهية فمن أين جاء هذا النظام؟ الانفجار العظيم كان دقيقاً ومحكماً فيما يتعلق بكثافته وكذلك بعملية التزامن المذهلة والعجيبة التي وسمته، فكل منطقة في الكون شهدت نفس الانفجار وفي نفس الوقت وبنفس القوة وفي جميع الاتجاهات بطريقة حققت إندفاعة وحركة باتجاه الخارج كانت عالية الدقة والانتظام والاتساق بالرغم من وجود ما أصطلح على تسميته بالآفاق أو التخوم Horizons. وهذه الآفاق موجودة لأن الضوء ينتقل بسرعة متناهية ومحددة كما تقول النظرية النسبية وبالتالي هذا يعني أن هناك العديد من المناطق في الكون لم تعرف بوجود بعضها البعض ولم تر بعضها البعض إذ لم يصل الضوء القادم منها إلى الأخرى بعد، ولم يقطع المسافات الكونية الهائلة التي تفصل بينها، إذ لا يوجد حسب علماء الفيزياء أي شيء في الكون يمكن أن يسير أو ينتقل بسرعة تتجاوز سرعة الضوء. ولكن في حقيقة الأمر هناك نظريات تفسر وصول الحضارات والكائنات الفضائية من خارج تخوم مجرتنا درب التبانة إلى الأرض وإلى مجموعتنا الشمسية لأنها تمكنت من التنقل بسرعات تفوق سرعة الضوء بكثير أي بأسرع من 300000 كلم في الثانية. كل حديث أو خطاب عن الكون هو حديث فلسفي وثيولوجي حتماً إلى جانب كونه علمي، ولو حاولنا الإجابة على هذه العينة من التساؤلات الكثيرة واللامحدودة فسوف نقع حتماً في دائرة التوقعات والتكهنات والفرضيات والنظريات العلمية والغيبية في آن واحد. يقول حديث ديني جاء جواباً على سؤال لماذا خلق الله الكون وكانت الإجابة على لسان الخالق:quot; كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفونيquot;. ويقول فيلسوف آخر أن الله هو الكون والكون هو الله. فالكون كائن حي دائم الخلق والتطور وأزلي الوجود ليس له بداية ولن تكون له نهاية، منه تنبثق الحياة والمادة وإليه تعود ويتجلى بأشكال متنوعة لا تعد ولا تحصى، وبهذا يمكننا القول أن سر الإجابة يكمن في السماء وليس على الأرض.