كل من يتذكر نشرات الاخبار المحليه في منتصف الخمسينات الساعه الرابعه مساء كل يوم من اذاعة بغداد او سمع عنها من ذويه، يتذكر جيدا الخمسة انواع من الحبوب التي كانت معدّه للتصدير من حنطة صابر بيك وحنطة مكسيباك والحنطه الكورديه والرز المهبّش والرز العنبر بجانب اطنان التمور مطروحة في ارصفة ميناء البصره. ودون ادنى شك كانت هذه الموارد فائضه عن حاجة البلاد والسكان كانوا مكتفين بقدر لا باس به منها بالرغم من ان للاقطاع كان دور كبير في استغلال تلك الموارد. انما وحسب القاعده، قياس الاعمال بالنتائج، فلم تكن القوى العامله يومذاك تئن وترزح تحت استغلال الاقطاع كما يحدث اليوم. وانتقالا الى مورد آخر للبلاد من العوائد النفطيه التي كانت تحت سيطرة شركات نفط اجنبيه تعمل في كل من البصره وكركوك. ولم تكن حصة الحكومه العراقيه من هذا المورد الا 80 مليون دولار تم رفعها الى 120 مليون بعد عام 1958 وهذه الموارد الزراعيه والنفطيه البسيطه كانت تغطي حاجة البلاد في الكثير من النواحي.. هذا اجترار للماضي الذي لا يمكن لاي بشر ان يتغافل عنه بالنظر للانهيار التام في كامل الكيان العراقي اليوم..
الحروب التي دخل فيها العراق انهكت القوى العامله واستنزفت اعدادا كبيره منها بحيث تضررت الاراضي الزراعيه الخصبه منذ بداية الثمانينات رويدا رويدا والى ان اصبح المواطن العراقي مستهلك تام بداية التسعينات ويتلقى مؤونته بالبطاقه التموينيه والى يومنا هذا، شعب كامل ولاكثر من عقد ونصف من الزمان يتناول غذاءه بالبطاقه التموينيه وكأنه عاجز ومريض. احصائيات النخيل في العراق عام 1962 كانت 32 مليون نخله ولم يكن تعداد سكان العراق سوى 7 ملايين نسمه. في نهاية الثمانينات انخفض عدد النخيل الى حوالي 17 مليون نخله بعد بلوغ التعداد السكاني 20 مليون نسمه. هناك تقارير رسميه تؤكد بعدم كون بساتين النخيل للسنوات الثلاث الماضيه لاكثر من 6 ملايين نخله وبالطبع تعداد السكان يقترب من 30 مليون نسمه. اي ان التناسب عكسي بين تعداد السكان والنخيل بحيث تساوت الارقام المعكوسه فيا لهول الكارثه؟؟ اما اذا اخذنا بنظر الاعتبار باقي الاشجار المثمره التي تعيش في ظلال النخيل بجانب الحيوانات والطيور لوجدنا ان العراق قد فقد الحرث والنسل كما يقال..


هذه الخساره الرهيبه في غابات النخيل جاءت بسبب الحروب يقينا بجانب الجهل المتفشي وفشل المجتمع.
1. تانسو شيللر رئيسة وزراء تركيا قالت في الثمانينات ان الله تعالى وهب تركيا الماء على وجه الارض ووهب العرب النفط في باطن الارض. كل من ينتبه الى هذا التوجه يستنتج مدى خطورة الاوضاع لو كانت شيللر مستمره في الحكم، لكن العراق خصوصا يتحمل جزء كبير من تردي اوضاع مياهه بغض النظر عن هذه المواقف. فشط العرب تجري فيه كميات هائله ومخيفه من الماء الى مياه الخليج هدراً وكأن صاحب الارض ليس مسؤولا عن تلك الكميات وتتعالى الصرخات بقلة وشحة مياه الفراتين. شيدت تركيا منذ ذلك التاريخ اكثر من 20 سده على مسار دجله والفرات لغرض توليد الطاقه ومشاريع الارواء ومن حقها انشاء اكثر من ذلك لانها اصلا تفتقر الى الموارد النفطيه التي ستنضب يوما ما. ولكن اذا نظرنا لكميات الماء التي يتم هدرها في شط العرب لا نجد الحق بمطالبة تركيا باي زياده في مناسيب مياه الرافدين. فيفترض ان لا تعدو كميات مياه شط العرب المغادِره للاراضي العراقيه الا جدولا صغيرا ليتم توزيع كمياته الهائله في مشاريع اروائيه وقنوات تكفي لبلدين مثل العراق وبالتاكيد ستفيض هذه المياه عن الحاجه لو تم ذلك. واذا بررنا كونه طريقا ملاحيا فالزراعه واستغلال مياهه افضل من هذا الطريق الذي يمكن تعويضه بالشاحنات او القطارات..


2. ايران تغير مجريات انهارها، فنهر ديالى مهدد بالنقص الشديد في حالة اكمال مشروع تحويل منابعه شمال ايران وكذلك اغلقت وللمره الثانيه نهر الوند في خانقين وتغيير مجرى نهرالكارون الذي يصب في شط العرب فايران تحتاج الماء للارواء والزراعه وليس مثل تركيا لتوليد الطاقه وايضا تصح نفس النظريه بان العراق غير مستفيد من مياهه الحاليه.
جلسة يوم 26/5/2009 للبرلمان العراقي خصّت بالكامل لمناقشة قانون اقرار تاسيس جامعه الامام جعفر الصادق للدراسات الاسلاميه وتحويل اسمها الى جامعة الامام موسى الكاظم اسوة بكلية الدراسات الاسلاميه تحمل اسم الامام الاعظم، جلسه كامله. الم يكن الاجدر بحث هدر مياه شط العرب او شن حمله عارمه لزرع النخيل اينما كان؟
جاء مقترح في وقت سابق لأحد اعضاء البرلمان بتحويل مجرى شط العرب داخل الاراضي العراقيه، النداء الذي ولد ميتاً بالرغم من كونه نداء صميمي وهو حق العراق طالما تحويل مجريات الانهر في داخل دول الجوار شأن داخلي.


لا المانيا ولا اليابان كانتا دولا نفطيه لما خرجتا من اعتى واشرس حرب تساوت اراضيها ومدنها بالارض وتلقت ضربات تجاوزت الى القنبله الذريه ولم تمر الا عقد من الزمان والدولتان وقفتا بشموخ لتصبحا اصحاب اعظم اقتصاد في العالم. في العراق مبرر الحرب وما يسمى بالارهاب تحول دون تنفيذ الاصلاحات ولكن فشل الخطاب السياسي والديني هو السبب في تعقيد الاوضاع بجانب الاعراف والتقاليد الباليه فانتُهِكت البنيه العراقيه وشُرد موروثه من الكفاآت والخبرات واعادتها وسط انتشار الخرافه اشبه بالخيال.. انما الحكومه الحاليه وبكافة مرفقاتها والمحتل يتحملون المسؤوليه كاملة مضافا اليها السكان الذين نسوا تاريخ آبائهم واجدادهم ومهنتهم الرئيسيه الزراعه وعدم ورود النفط في قاموسهم. هكذا يريد المحتل ان يكون العراق. فالنفط اصبح اليوم بحق القشه التي قضمت ظهر البعير..

مصطفى احمد محمد

باحث كيميائي في مجال النفط والبئيه المانيا