ثمة من يريد للإرهاب في العراق أن يكون عنقاء نارِ، كلما اقتربت ساعة موتها، أضرَمتِ النار في عشّها لتحترق، وتبعث من جديد. وليس الربط بين هذا البعث وبين ما حدث في العراق يوم الأربعاء 19-آب ببعيد عن البعث كحزب (ناري) عاشق للتجديد عبر الحرائق والمغامرات.
الربط بين ما حصل في العراق، وبين البعث يدفعه إلى الواجهة، أسباب عدة، ولعل من أهمها، وأكثرها قربا للحقيقة، تزامن أربعاء النار، وذكرى ثلاثاء لأقسى ظهيرة في آب 2003، يوم جريمة مرعبة روّعت قلوب كل إنسان بضمير حيّ، ساعة سقط 22 شهيدا من العاملين في الأمم المتحدة ببغداد، و كان في مقدمة موكبهم الإنساني رئيس مكتب المنظمة في العراق سيرجيو دي ميلو. الضربة وجِّهتْ للعراق كبلد كانت الأمم المتحدة تسعى للاعتراف بتغيّراته السياسية عبر التمثيل الأممي. وفي اعتداء يشبه - مضموناً -اعتداء أربعاء النار الموجّه الى السلطة العراقية و(إعلام) نجاحاتها في إدارة العملية السياسية داخلياً وإقليمياً.

كان المالكي ينهي زيارة رسمية الى سوريا تباحث خلالها في ملفات عدة، وقيل ان حزب البعث كان ضمن أوراق حملها معه، تتضمن قوائم بعثيين مطلوبين للعدالة العراقية، فماذا كانت الإجابة؟.

علاقة سوريا والبعث بالدم العراقي
ربما لا يوجد عراقي واحد لا يعترف بان الشعب السوري من أكثر الشعوب العربية قرباً للعراق، وهي ليست نتيجة سياسية أفرزتها الشعارات القومية، بل هو واقع حال فرضه تراكم السنوات والامتداد التاريخي. لكنه بقي على المستوى العملي، قيد انفعالات وإرتكابات سياسية وقفت ضد الرغبات الشعبية السورية والعراقية، واستدرجته السلطات في البلدين، عبر صراعات امتدت عقوداً لتلعب على أوراقه لعبتها. وبقي كل فرد من هذين الشعبين رهين محبسه، مع فارق إنساني كبير بقي يمّيّز الجانب السوري، بالقياس وإجرام البعث، وبجناحه العراقي، المتمثل بطاغية، رأى السوريون إن زواله سيبعث بعث العراق مجدداً، ويعيده إلى حضنه الشامي. لذا لا مجال لإنكار وجود ابرز قيادات البعث الصدامي في دمشق، فالقضية أصبحت ضمن المعلن القومي منذ سنوات، ولعل القيادة السورية وجدت في الوضع العراقي معادلاً موضوعياً لما خسرته من موطئ قدم سياسية في لبنان، جعلها تخرج على العالم بصيغة الفارض لشروط لعبة هي أكبر من حقيقة سوريا، وقوتها ونفوذها. ولكن العراق بالطبع لا يشابه لبنان في تفاعله، وتلك الهيمنة المفروضة عبر ظروف، انتفى مبررها اللبناني في بغداد.
لذا وفي استنتاج أولي سيخرج أي متابع بنتيجة تفيد بان عدم استقرار العراق، والإشارة إلى التدخل السوري فيه تحديداً، سيفيد البعث الحاكم في هذا البلد شعاراتياً، من خلال تعميق المواجهة وقوى تحول دون أهدافهم القومية، من جهة، ومن الأخرى سيفيد أن يقال للعالم بأن سوريا (الأسدية) لازالت تحمل ذات السطوة والتأثير، وإن لها منافذ أخرى لإيصال رسالة قوتها، حتى وإن خسرت مكانها وزمانها البيروتيين.
إذن، سوريا يسعدها-وتريد ذلك وبقوة -أن تُتهم بالتدخل في الشأن العراقي. وبالفعل كان لها ما أرادته من اتهامات، جاءت بالعشرات خلال سنوات الاحتلال الأميركي، والاختلال العراقي. . اختلال كان آخره منح المالكي البعث السوري صفة المؤثر في الشأن العراقي. وبتوقيت غير مدروس عراقياً، فالوقت يشكل عاملاً مهما في اللعبة السورية، ومطبخ الأسد الأب لازالت ناره الهادئة تُنضِجُ للبعث الوريث خططا جعلتْ لحكام هذا البلد حظوة، ونفوذاً، تخدمه المصادفات أيضاً، وقلّة الحنكة السياسية للمواجهين، و إلا كيف يمكن تفسير زيارة المالكي، عقب زيارة (فريدك هوف) مساعد المبعوث الأميركي الخاص للسلام في الشرق الأوسط، كوفد أميركي يحمل الصفة السياسية والأمنية، من أجل إجراء مباحثات مهمة مع قيادة سوريا حول السلام في الشرق الأوسط. عاد الوفد إلى واشنطن، وبقيت دمشق تتحيّن الفرصة لإيصال رسالة قوية لواشنطن، تشيع في جنبات إدارتها نبأ القوة والرعب الذي يمكن لسوريا أن تحدثه في المنطقة، وبكل الاتجاهات، فما تفعله في العراق، ربما ستحين فرصته ذات يوم إسرائيلي! .
وجاء المالكي حاملا أجندة لا أظن بأن الإدارة الأميركية تعلم بتفاصيلها، وربما لا تنشغل هذه الإدارة بأي شيء الآن، أكثر من تلطيف الجو السياسي مع سوريا، من خلال تواصل دبلوماسي بين البلدين، أعلن عالمياً ضمن نتائجه؛ توسيع سبل التوافق بدفع العلاقة بين واشنطن ودمشق على المسار الإيجابي. . والإيجابي في التفسير السوري، لا يفرضه غير منطق قوة تحتاج فيه إلى عصف وترويع شديدين يتعاضد فيهما شريك محلي عراقي (حزب البعث)، لضرب طرف ضعيف (الحكومة العراقية) من أجل إخافة الأقوى (أميركا)، أو إعلامه؛ أنتبه نحن هنا!.


الخلاصة
لسوريا رسالة تريد ان تعلن فيها قوتها ونفوذها وغلبتها الدولية، هذه الرسالة تصل عبر شركاء بعثيين ليسوا ضحايا خديعة سورية، فتخبطهم يوهمهم بطريق انبعاثهم من جديد عبر الحريق المتواصل؛ حريق داخلي مضطرم باذخ الفداحة، يكتوي بنيرانه أهل العراق، و في فتن ستكبر، وسيكون فيها أربعاء النار الأخير، آخر حريق معلن على ظهر بعير مكسور الظهر، يتلظى من سعير قشة الجمر الملتصقة بين جلده وفروته.
سيقول البعثيون؛أيها الشعب العراقي انظر ماذا يفعل ساستك، ها هم قبيل الانتخابات يتبارون بلعبة الدم فيما بينهم.
وسينشغل الساسة في لعبة الفرض القانوني وآلياته، سيختلفون طويلاً حول العلّة الأمنية.
وسيُنسى السبب، ويدخل قسم من أهل العراق في الجدل الأزلي لتفسير العلّة والسبب واختلافات المعنى.
وسيقول الساسة ان الخلل في بناء المؤسسة الأمنية، وسيعود إلى واجهة الاشتغال السياسي الداخلي، الحديث عن أسباب محاصصاتية وأخرى طائفية، مكّنت جهات معادية من بث عناصرها في المفاصل الأمنية.
من هي هذه العناصر، ومن هي تلك الجهات؟. . سؤال مُتعب لمن يبحث له عن إجابة، لا يدركها حتى مسؤول اللجنة الأمنية في مجلس النواب العراقي (المجاز في رحلة صيفه الطويل)، فهذا المسؤول أعلن يوم أمس وعبر فضائية الفيحاء إنه و إلى الآن لا يجد جواباً عن سؤال يعنيه بشكل شخصي كمسؤول في لجنة شًكلت للبحث وتقصي حقيقة قضية التفجير الذي حصل تحت قبّة البرلمان العراقي، وراح ضحيته أحد النواب، فالنائب محمد الدايني (مرفوع الحصانة) متهم في القضية، حسب اعترافات أفراد حمايته، وهو هارب من وجهة العدالة، والأخبار تقول إنه في سوريا أيضا.
والمالكي يذهب الى سوريا بقوائم مطلوبين وحالما يضعها على طاولة المطالب يطمع البعض بإحراقها حطبا لعنقاء البعث. . ويستمر الدوران ضمن طوق حصان ناعور سياسي، لا يرفع ماءً، بل هو غبار وجفاف ومصائب سنوات سبع، لابد لها أن تنتهي لا محالة، ليكتمل العدّ لسنين يوسف، مطلع السنة المقبلة. وهذه النهاية ستكون في أوراق أخرى لا تمسّها أمنيات عنقاء النار، لأنها ستكون في صندوق انتخابات برلمانية، هي الأهم، في كلّ تاريخ بلد سيتأسس (سياسياً) من جديد، مع إعلان نتائج تلك الانتخابات.