بعد عشرة أعوام على وجود اوركسترا quot; ديوان الشرق والغرب quot; التي اسسها المفكر العربي الفلسطيني quot;ادوار سعيد والموسيقي اليهودي quot;بارنبويمquot; ما زالت دلالات المشروع عصية عن الفهم لدي الكثيرين والدليل هو التصاق تهمة التطبيع بها وتصديق هذه التهمة حيث انها لم تقدم في العالم العربي سوى حفلتين يتيميتن في رام الله.


طبعا الذين بنوا هذا الاتهام الجاهز بنوه على وجود عازفين اسرائيلين الى جانب عازفين فلسطينيين، هؤلاء استسهلوا وتعجلوا دون تاني في فهم الدلالة ودون جهد في الارتقاء الى المقصد والغاية التي ارادها الراحل ادوار سعيد quot; الذي كأي مفكر هو معني بدراسة الظواهر في معناها النظري الدلالي يعني المحسوس وليس الملموس، واصعب شيء على اي مفكر ان تطالبه بتقديم الدليل المجسد يعني الملموس.

ادوار سعيد اراد من هكذا مشروع وهو تأسيس اوركيسترا اي فرقه موسيقية من عازفين فلسطينيين واسرائليين اراد ان يقدم فكرة ملموسة، اراد ان يخرج من رداء المفكر الى رداء المهندس والصانع الذي شغله التجسيد والخلق، وترك لنا ولمن يأتي فرصة التأؤيل والبحث في الغايات والدلالات.

ما الذي يجعل رجل في قامة ادوار سعيد الفكرية والاكاديمية ان يسعى مع هذه الموسيقار اليهودي لتأسيس فرقة موسيقية quot; اوركيسترا quot;؟؟
ولماذا تركها هكذا دون كتيب او شرح او اصدار يفسر الغاية والهدف؟؟
هذه الاسئلة اذا جردناه من ذهنية الاتهام والتخوين يمكن ان نفهمها بل نصل الى غاياتها. في اعتقادي وانا لاادعي انني الذي فهمت وعرفت كل شيء بل افكر معكم بصوت مكتوب ومسموع طبعا لمن يقرأ كلامي هذا.

في اعتقادي اول الفهم ينطلق من هذا السؤال؟:
* هل تستقيم نغمات لحن رغم ان عازفيه مختلفون ومتصارعون بل واعداء؟
هذا السؤال تجلت ايجاباته من خلال تصريحات عازفي الاوركسترا، فاحد العازفين الاسرائليين قال quot; كنا نختلف ونتعارك في نقاشنا مع الزملاء الفلسطينيين اثناء حرب تموز 2006 بين اسرائيل وحزب الله quot;.

وقال احد العازفين الفلسطينيين في وقت اخر كان التوتر يسود اجواء الفرقة اثناء وبعد العدوان الاسرائلي على غزة quot;quot;
ولكن المهم والشديد الدلالة انه وخلال هذا التوتر والعداء والكره بين الفريق اقامت واحيت هذه الاوركسترا العديد من الحفلات الناجحة في الغرب طبعا.

اذا الاجابة الصريحة على السؤال الذي طرحته في البدأ واظنه ما كان غائبا ابدا على راس المفكر الكبير ادوار سعيد والموسيقار اليهودي quot; بار نبويم quot;
( نعم تستقيم نغمات لحن رغم ان عازفيه اعداء ومتصارعون).


وان شراكة الاعداء وتجاورهم في الجلوس واتفاقهم الجزئي على اداء لحن واحد لا يعني نهاية العداء ولا يعني بالقطع ان كل عضو في الفرقة نسي وتنازل عن ثوابته وقناعاته ويقينه وقضيته.

العازف الفلسطيني ظل يتالم على ما لحق من قتل ودمار على ابناء غزة.
وظل الاسرائيلي يتألم ايضا على قتلاهم اثناء حربهم على لبنان.
اذا اللحن الذي اراده quot; ادوار سعيد quot; هو لحن الحياة quot; ديمومة الحياة، استمرارية الكون، واستمرار اللحن لا يعني نهاية العداء، من حقك ان تعاديني كما من حقي ان اعاديك لكن ليس من حقي ولا من حقك ان نعطل ديمومة هذا اللحن الكوني بان اسلب منك حياتك او تسلبني حياتي.

هذا تجسيد كامل وحي لما يمكن ان نقوله ونحن ننظر لاهمية السلام المبني على اعطاء الحقوق كاملة واهمية التعايش، وخير دليل على ذلك الدول التي وقعت اتفاق سلام مع اسرائيل خصوصا مصر العدو الاول لاسرائيل فبرغم اتفاق كامبديفد وبعد ثلاثين عاما ما نقص عداء المصريين للاسرائليين وما تنازل الاسرائليون عن عدائهم للمصريين، الذي حدث انه توقفت الة القتل ولم تقم حرب منذ حرب 1973.


اذا هذه الاوركسترا quot; ديوان الشرق والغرب quot; هي قصيدة حية وفكرة تجسدت من لحم ودم، تنشر شعاعها بنفس رقة وعذوبة انغامها في سلام كما هي، تنشره في وجه السياسيين خصوصا الاسرائليين الذين جردتهم السياسة من كل ثوابت انسانيتهم فانحازوا للسياسي فيهم وقتلوا بانحيازهم الانساني.

نقول لهم هناك لحن لابد ان يُعزف ولكي يعزف لابد من الاعتراف بان لكل شخص
دورا يؤديه كما حُدد له مسبقا، نقول لهم لا نستطيع ان نلغي عداءنا للاخر ولا كرهنا ولا هناك عاقل يقول ذلك فليبقى العداء والكره والحقد فهذا ارث سنيين والام ودماء، لكن ليجتهد الكل في ابقاء لحن الحياة.

quot; ديوان الشرق والغرب ارادت ان ترسل الى اولائك الذين يُحيكون التهم ويعلبونها لتكون جاهزة لالتصاق بالناس quot; مثل مُطبع وخائن وعميل quot; تقول لهم هناك طريقة افضل لاثبات الولاء والاخلاص للوطن والقضية دون تخوين الاخرين واقاصئهم وهي البحث عما يفيد ليس بميدأ الغاية تبرر الوسيلة ولا بذريعة التنازل عن قضيتنا وانما بمبدأ استمرار حياة الناس ومصلحة الناس ثم لا يوجد في دين من الاديان من يمنع او يحرم ان يكون هناك تشارك وسلام وقربى بين الناس حتى لو كان هناك عداء.

ولا ادعو اطلاقا الى الانفلات في الشراكة مع العدو ولا حتى ان تكون هناك فرق موسيقية اخرى واعمال سينمائية او غناء مشترك او شراكة مع الاسرائلين.
فقط اردت دراسة حالة وليست الدعوى الى نشرها، الحالة هي تأسيس هذه الاوركيسترا على ايد مفكر كبير وليس منظم حفلات، ولا اريد ان يُفهم من كلامي انها دعوة للهرولة والتطبيع، لان حالة تأسيس هذه الفكرة لن تتكرر، لان الافكار الخلاقة تولد مرة واحدة وان تكررت تصبح مسخا لا قيمة له.