اطلع على نصوص دينية وقرأ بتأمل رسالة الغفران والكوميديا الإلهية
أحمد الدويحي يصدر قريبا رواية quot;وحي الآخرةquot; ويلقي بالواقع في جحيم السرد
* المجتمع ضد الرواية.. وروايتنا مرحب بها في الخارج أكثر من الداخل.
* قيام الأندية بطباعة نتاج الشباب والتعاقد مع دور نشر عربية مجرد مكياج لتجميل وجهها.
* أجد في أمل دنقل ومحمد الثبيتي ملاذاً لروحي وأنا بين نصوصهم.
* دور النشر المحلية تفرغت حقبة من الزمان للمناقصات الحكومية في مرحلة الطفرة
* نظرتنا للفنون دونية والدليل ردود فعل المجتمع مع المسرح و فيلمquot;مناحيquot;.
* هناك روائي لا يستحي من وصف نفسه بدستوفسكي، وآخر يوزع أخباره برسائل الجوالquot;.
* قرفتُ من الذين لوثوا الفن بإسقاطات الصحوة..ولذلك هربت إلى وحي الآخرة!

عبدالله السمطي من الرياض: أكتب لأصل إلى نقطة الضوء البعيدة التي أرى فيها الخلاص.. هكذا يتحدث لإيلاف الروائي أحمد الدويحي صاحب مجموعات: quot;البديلquot; وquot;قالت فجرهاquot;، في واحد من حواراته الجريئة التي يكاشف فيها الواقع الثقافي، وواقع الرواية السعودية. الدويحي سوف يصدر قريبا رواية تستلهم الميتا فيزيقا، يتناول عالم الآخرة، عبر نصه الفيزيقي، الذي عنونه بquot;وحي الآخرةquot;ليضيف أفقا آخر لرواياته: quot;ريحانة، والمكتوب مرة أخرى، والحدود، ومدن الدخان quot;، يتحدث هنا عن تجربته مع هذا العالم الذي أمضى فيه كما يقول: quot;أوقاتا مضنيةquot; ورجع فيه لعدد من النصوص الدينية والمؤلفات التي تناولت الآخرة إبداعيا وأبرزها quot;رسالة الغفرانquot; لأبي العلاء المعري، وquot;الكوميديا الإلهيةquot; لدانتي.
ينتقل الدويجي في هذا الحوار لقراءة الواقع الثقافي، وهو يرى أن quot;المجتمع الذي يمارس الازدواجية في سلوكه وحياته، ينظر إلى الفنون نظرة دونية، وتكتشف بسهولة في سبب حضور الرواية المتأخر، وأكتشف ذلك في أحوال المسرح الهزيل، وأكتشف ذلك في ردود فعل المجتمع تجاه فيلم (مناحي) السينمائي، وأكتشف ذلك في حضور الرواية خارج عالمها الكتابي، أكثر مما تجده من ترحيب من الداخلquot;.
ويشير الدويحي إلى أن بعض النقاد وجد في الرواية نافذة لتسريب أطروحات، يعجزون أن تأتي مستقلة وتعبر عن توجهاتهم، وأن روائيا لا يستحي يصف نفسه بدستوفسكي، وثالث يوزع أخباره برسائل الجوالquot;.
الدويحي في جرأته المعهودة يرى أن دور النشر المحلية تفرغت حقبة من الزمان للمناقصات الحكومية في مرحلة الطفرة، وقيام بعض الأندية حالياً بطباعة نتاج الشباب والتعاقد مع دور نشر عربية مجرد مكياج لتجميل وجهها، فالذي تصرفه إدارات الأندية من ميزانيات نثرية يساوي أضعاف مضاعفة لميزانية نشر الكتاب الذي يخضع لرغبات وأهواء، قضايا أخرى طرحها الدويحي في هذا الحوار الجريء، وهذا نصه:

- quot;وحي الآخرةquot; هو عنوان روايتك الجديدة التي تصدر قريبا، ما الجديد الذي تود توصيله للناس بشأن الآخرة؟
.. وقريباً جداً ودائماً أجدك، الرواية الأخيرة تذكرني بالمجموعة القصصية الأولى (البديل)، فحين كتبتها لم أكن أعرف، أكانت البديل عن الجنون عن الموت عن الواقع عن الظل الذي ظل يلازمني حين الكتابة، كنت أريد أكتب أتنفس أن أكون أنا بكل حرية، كنت أكتب لأصل إلى نقطة الضوء البعيدة التي أرى فيها الخلاص، كنت أكتبُ ربما لأدفن ركام الأيام بالكلمات، كنت أكتبُ ربما لاستعيد اللحظات الهاربة والشفافة من فم الزمن..
ومرت الأيام وكرت السبحة، ولحظات الجنون والموت، ومعاقرة الواقع ونقطة الضوء المنبعثة في نهاية الطريق، وتتعدد العناوين والتجارب في رحلة الكتابة إلى وحي الآخرة الآن، وأحسب أن في كل كتابة جديدة ستكون الأخيرة، وستكون فيها شفائي ودون أن أبرأ بعد..
قد تختلف الشخوص والأمكنة والأفكار والتجارب، وتتعدد الوجوه ومستويات الزمن، ويظل وقود الكتابة وباعثها الروح المشفقة، تتحرر من وهن الأسئلة المخاتلة، والسرد على كل حال فعل تراكمي، يحتاج إلى روح حية تبعث فيه الحياة!

- اعتمدت في روايتك عن الآخرة على رسالة الغفران، والأدبيات التي تناولت موضوع الآخرة؟ كيف وصلت إلى هناك سرديا؟
- أحتاج دائما إلى قراءات مكثفة بطيعة الحال قبل كتابة أي نص روائي، وتفرض ذائقتي الحاجة إلى جنس، ونوعية القراءة فقد تكون شعرية لشعراء بذاتهم، وأجد في أمل دنقل ومحمد الثبيتي الذي أهديت إليه رواية (وحي الآخرة) ملاذاً لروحي بين نصوصهم، لبراعة في التوظيف الأسطوري المتجددة، ولتلذذ به بتلقائية كجزء من النص الحي، وقد أدفن همومي وتعبي بين دفتي رواية، ولا يهم كاتبها بقدر بحثي عن المتعة والجديد من فنون وتقنية الرواية، وحينما أدرك أني أصبحت في موقع الناقد لا القارئ الباحث عن المتعة، لا أعود للرواية مرة أخرى، وهناك روايات كثيرة عربية وعالمية شهيرة لم أكمل قراءاتها..
وأذكر أني قبل كتابة رواية (ثلاثية المكتوب مرة أخرى) كنت بحاجة إلى قراءة مكثفة في التراث، لمجرد أن إحدى بطلات النص (بلقيس) في أكثر من حضارة، وتجدها مذكورة في حضارات أمم وشعوب أخرى، وما نردده وما جاء تأكيده في القرآن عن قصة بلقيس وسيدنا سليمان، وقد أفادني الصديق / ناصر الحزيمي، رجل التراث، بكتب ومصادر كثيرة أشكره عليها، وقراءتي حرة وقد أخجل الآن، حينما أتذكر أن في مكتبتي كتبا لأصدقاء، وكتاب مجيدين، اشتريتها أو وصلت بالإهداء، لم أجد الوقت لأقرأها بعد، ورواية (وحي الآخرة) أخذت وقتاً طويلاً وتحضيراً نفسياً مضنياً، فالتأمل في بعض الأفكار والهواجس ولغة الرؤى والأحلام، يحتاج إلى استدعاء دربة وتجارب ذهنية وعقلية ومعرفية، ويوجد في هذا العالم الميتافيزيقي نصوص دينية في التراث العربي، كما رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، والعجيب أني كلما قرأت طبعة، وصلتني طبعة أخرى من صديق أخر، بحجة أن التي قرأتها من قبل غير محققة، فأنا لست باحث فرأيت هذا تنوعا للذائقة، وأيضاً تأملت في (الكوميديا الإلهية) للإيطالي دانتي. وأصدقك فقد وجدت في البداية والنهاية عند ابن كثير، الكثير مما أريد..

* هل ترى أن المجتمع السعودي يحبذ الحديث عن الميتافيزيقا، خاصة المرتبطة بالدين روائيا وفنيا؟

- الفن معين إنساني مشترك، والكاتب له عالم من الخيال، وروائياً لم أجد بعد أصدق من وصف الروائي الكبير / عبد الرحمن منيف في وصف المجتمع السعودي، حينما وصف المجتمع السعودي بكتلة من الفوضى الملتهبة في امتحانه لجملة من الأفكار والأطروحات في مرحلة الستينات والسبعينات كحالة خاصة، ولازالت قضاياه كالجثث الساخنة بجانب حالات التطرف العدمية والنظم البدائية في السلوك والتفكير والمتناقضات في البيت الواحد، وتجد هلامية العلاقات الممتدة من السماء والوهم والقبيلة والعادات والمصالح والانتماءات التي تتشكل تحت قشرة وهمية، والرواية تحاول أن تتلبس مفاصل من هذه الحياة وتكشفها..
الرواية فن موازٍ للواقع، والمجتمع الذي مارس رقابة شديدة على الإبداع بصفة عامة، والرواية بصفة خاصة عقوداً من الزمن، فطبيعي أن تتخذ بعض شرائحه وأطيافه، موقفها الرافض من الرواية بعمومها، لأن طبيعة الرواية هي فن الكشف، والفن الذي تدخل في نسيجه كل الفنون، والمجتمع الذي يمارس الازدواجية في سلوكه وحياته، ينظر إلى الفنون نظرة دونية، وتكتشف بسهولة في سبب حضور الرواية المتأخر، وأكتشف ذلك في أحوال المسرح الهزيل، وأكتشف ذلك في ردود فعل المجتمع تجاه فيلم (مناحي) السينمائي، وأكتشف ذلك في حضور الرواية خارج عالمها الكتابي، أكثر مما تجده من ترحيب من الداخل، فالرواية حتماً تريد أن تذهب إلى الداخل السري، لتكشف الوجوه الأخرى لشخوصها وتعريهم، وهناك شرائح وهناك من لا يريد بالتأكيد.. هل تظن أن هذا المجتمع الذي يزعم أن له خصوصية، يستطيع أن يصمد ويتماهى مع كل متغيرات الزمن، ويختبر جملة من الطروحات التي جاءت من السماء أو من الوهم إلى الآن، وهل ما زالت تلك الطروحات، أووهل ستظل صالحة للجيل الثالث أو الرابع من أجيال التقنية والكمبيوتر؟
هناك في المجتمع السعودي من وجد في هذا الفن الشمولي مساحة شاسعة، ليتنفس ركاما من العادات والظلامية والعقد باسم المجتمع السعودي، وتغييب الأطياف المجتمعية وكل القضايا الأخرى، لأن الطرح من هذه الزاوية ومن نافذة الرواية بالتحديد، يسطح الفن وينظر له بدونية، ويخرج بالقضايا عن كونها قضايا وطن، لتتحول إلى محاور صراع جدلي لا ينتهي، ولننظر ببساطة لماذا تسقط قضايا المرأة في أي حوار، ونثير حولها كثير المواقف والأزمات؟، فالازدواجية التي نعيشها مزمنة وقاسية، ندعي لها تلك الخصوصية، ونشاهد في ذات الوقت نقيضها، ونقرأ كل يوم مئات الفضائح والقضايا الغرائبية والعجائبية عن هذا المجتمع، وتتسابق المواقع الإلكترونية والمنتديات على نشر فضائحه وحتى في القرى، وكأن لا قضية لهذا المجتمع إلا نشر فضائحه، فكم تسكن كثير من الموبقات تحت تلك القشرة الواهية، إذن نحن لسنا مجتمع من الملائكة ..

- تتسم بالشفافية والصدق إلى درجة جارحة.. كيف تقرأ تحولات المشهد الأدبي السعودي؟ وما علاقتك بالمؤسسة الثقافية؟
لست متفائلا ً على المدى القريب، فلا شيء يلوح في الأفق، تفجرت في بداية السبعينات القصيدة الحديثة، وصاحبها خارج دلالة النصوص الفنية والمعرفة جدل كبير، فلا عاشت النصوص ولا صمدت الطروحات، ونلاحظ تعاقب الأجيال وتداول الفنون والأجناس الأدبية الحضور، ونسمع بتفوق مبدعين على نظرائهم في العالم العربي في مختلف الأجناس الأدبية والفنية، وما حضور الرواية المحلية بقوة في المشهد الثقافي العربي رغم صدورها المتأخر إلا دلالة لوجود أصوات إبداعية قادرة على العطاء، وللأسف فإن كل ذلك العطاء يأتي بجهود ذاتية، بدءاً من توفر الكتاب للقراءة حتى تشكيل عالم الكاتب، ويتبع ذلك النشر وربما يقع كثير من الكتاب ضحايا لدور النشر التجارية، لأن دور النشر المحلية تفرغت حقبة من الزمان للمناقصات الحكومية في مرحلة الطفرة، وقيام بعض الأندية حالياً بطباعة نتاج الشباب والتعاقد مع دور نشر عربية مجرد مكياج لتجميل وجهها، فالذي تصرفه إدارات الأندية من ميزانيات نثرية يساوي أضعاف مضاعفة لميزانية نشر الكتاب الذي يخضع لرغبات وأهواء، ولاحظ أن كل نادي بدأ يخصص ويحصر له نشاط موسمي في واحد من حقول الأدب كالشعر والرواية في الباحة وجيزان، فماذا تفعل بقية الأندية؟
مضحك جداً أن تكون الرغبة بهيئة أو رابطة للكتاب عمرها سبعين سنة، حينما طرحها الرائد / محمد حسن عواد، وكرت الأيام والسنين والرغبة تقترب وتبتعد من دائرة إلى أخرى، وتفاجأ أخيراً بإحالتها لوزارة الشؤون الاجتماعية، وكأن ميدان العمل ينقصه بطالة الأدباء؟، فما دور المؤسسات الأخرى وعلى رأسها وزارة الثقافة التي تعد الآن للمؤتمر الثالث للأدباء، ويتذكر من حضر المؤتمرين الأول والثاني أن ما من شيء لم يطرح في تلك المؤتمرات التي حملت عشرات التوصيات، وسنعيد طرحها من جديد في كل لقاء وكل مؤتمر، ولكن لا جديد..
شاركتُ في تأسيس جماعة السرد بالرياض وأدرت أولى لقاءاتها لفترة، وحينما انتقلنا لناد الرياض الأدبي، بدعوة كريمة من رئيسه السابق / د محمد الربيع، تأملنا خيراً بعد إلغاء الوزارة لنادي القصة، وكنت عضواً فيه وقد كان أنجح المؤسسات الثقافية على الإطلاق، لأن كتاب السرد شكلوا منه مظلة لهم لتدارس نتاجاتهم، وانفرط عقد الجماعة الآن في رئاسة النادي الجديدة، مجموعة قصصية (قالت فجرها) هي النص الوحيد صادراً عن نادي القصة، وأراد الصديق المبدع / خالد اليوسف المشرف على نادي القصة حينها أن تكون المفاجأة الوحيدة المفرحة، وبطبيعة الحال كل رواياتي صادرة من خارج الحدود..

- أحمد الدويحي المتمرد إلى أن يقود أحمد الدويحي الفنان؟
- لم أشعر يوماً بالظلم كنتاج للكتابة، ولو رأيت موظفين علاقات عامة يشتغلون على نتاج بعض كتاب الرواية لأن الكاتب واجبه الكتابة ولا غير..
سألت الدكتور حسن النعمي بعد أن نبهني بعض الأصدقاء عما في (الرابط)
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20090623/Con20090623286733.htm

فقال ضاحكاً ومازحاً (شكلك مو حلو!)، فقررت أن أضع هذا الكلام في (الفيس بوك) وعندي ثقة أن شكلي بلا مكياج أحلى من شكل ملايين من الناس، أما الرواية فقرفت من الذين لوثوا الفن بإسقاطات الصحوة..ولذلك هربت إلى وحي الآخرة!
وتستغرب وكان هذا أيضاً، يجب أن يكون في سياق تقبل المجتمع للجنس الروائي، أن تجد في الوجه الآخر أن النخبة الثقافية من كتاب الرواية ونقادها، ينساقون في الهوامش ويطرحون القضايا الشكلية، ويعيدون ويزيدون حول قضايا محددة بذاتها، وتأثير بقايا مرحلة ما يسمي بالصحوة، وكأن مطلوب من الرواية أن تكون خندقاً جديداً في صراعاتهم، ونعرف أن الرواية تغوص في العوالم الانثروبولوجيه للمجتمع، وتستحضر التاريخي والسياسي والأسطوري إلى جانب اليومي الموازي لحياة المجتمع، وليس بالضرورة التركيز على ثلاثي (التابو) الشهير، ويتوسل وبطريقة بعض كتابها الشهيرة ويجد بعض النقاد من خلالها النافذة لتسريب أطروحات، يعجزون أن تأتي مستقلة وتعبر عن توجهاتهم، ولا تستغرب أن يحدث بعضهم الضجيج المعتاد في كل مناسبة، ليلفت الانتباه إلى شخصه، وآخر لا يستحي يصف نفسه بدستوفسكي، وثالث يوزع أخباره برسائل الجوال، يا أخي في العام الواحد صرنا نفرح بصدور ثمانين رواية، وكنا نتوسل رواية واحدة كل ثلاث سنوات وليس معنى هذا أننا ننعم بعالم من الحرية، وحرية الفنان عند أحمد الدويحي ظلمت الإنسان الاجتماعي على أوجه عدة، وحرمته كثيرا من فرص الحياة ولست نادماً على ذلك..