من اليمين همفري بوغارت، انجريد برجمان وبول هنريد

حميد مشهداني من برشلونة: تمر هذه الايام الذكرى 68 لعرض فيلم ldquo;كازابلانكاrdquo; الذي يعتبر من جواهر تأريخ السينما. الكتابة عن هذا الفيلم تمثل معضلة كبيرة لاي كاتب، رغم سهولة الكتابة عنه من جانب اخر، لان هذا الانتاج الكلاسيكي بمرور السنوات صار ldquo;أيقونةrdquo; لمحبي وهواة السينما منذ عقود، رغم ان مراحل انتاجه كانت متعثرة ومرتبكة، لان شركة ldquo;وارنيرrdquo; التي كانت تنتج أكثر من 50 فيلما كل عام كانت تشك في جدوى انتاجه لانه في البداية كان عملا مسرحيا لم يصل خشبات المسرح، وبعدها صيغ ldquo;كسيناريوrdquo; تداخت فيه روؤس مؤلفيه، فميزانيته كانت محدودة جدا، وأثناء التصوير أحتار ابطال الفيلم في أمرهم، لان ldquo;السيناريوrdquo; كان يرتجل كل يوم، وما كان يحفظوه من الجمل الليلة الماضية لم يكن لينفع صباح اليوم التالي، ومن جميع جوانب انتاجه كان نوعا من الاضطراب اليومي مما جعل ldquo;وارنيرrdquo; اتخاذ قرار وضع نهاية لهذا المخاض المتعب الذي لم يكن احدا من المساهمين فيه على يقين كيفية انتهائه، وحسم الفيلم بتصوير نهايتين مختلفتين، ولحسن الحظ النهاية التي نراها الان، وباعتقادي هي كانت الافضل، وتمثل قمة الانفعال، خصوصا في آخر دقائق الفيلم.
قصة الفيلم كانت مليئة بالعثرات والمتاعب، ففي أصله كان عملا مسرحيا كتب من قبل ldquo;موراي بارنيتrdquo; وldquo;جوان أليسونrdquo; أثناء سفرة الى ldquo;فييناrdquo; حيث أستلهموا الفكرة الاولى للمسرحية، وفي سفرة ثانية الى جنوب فرنسا نضجت الفكرة بعد زيارة أحد مقاهي ساحل الرفيرا المتوسطي، عازف البيانو الاسود كان ايضا من العناصر المهمة في إعادة كتابة المسرحية التي رفضت في ldquo;برودوايrdquo;، وموضوعها الرئيسي هو مشكلة الهاربين من الحروب باحثين عن ملجئ آمن في اي بلد اخر، وهذا ما رأيناه في العديد من افلام تلك المرحلة المظلمة من تأريخ أوربا مثل ldquo;الرجل الثالثrdquo; الذي اخرجه كارول ريد وقام ببطولته ldquo;اورسون ويلزrdquo; عن رواية ldquo;غراهام غرينrdquo; الذي كتب السيناريو وافلام اخرى انتجت في تلك الفترة البائسة عكست مشكلة اللاجئين ومحنتهم، والتي مازال يعانيها الملايين هربا من القمع والاضطهاد.
عنوان المسرحية الاصلي، كان ldquo;الكل يأتي الى مقهى ريكrdquo; المرفوضة، ولكن أحدى قارئات ldquo;وارنرrdquo; عثرت على النص صدفة، واقترحت على رئيسها انتاجه كفيلم، وهذا ldquo;هال واليسrdquo; الذي سأتحدث عنه فيما بعد، تحمس كثيرا للفكرة وهو المشهور بدقته وحسن رؤيته، فسارع بشراء

حتى تعيش متعة هذا الفيلم وكأنه انتج اليوم،حاول ان تقتنيه بطبعة البلوراي .. انقر هنا

حقوق المؤلفين، ولكن بشروط عديدة مثل تغيير العنوان الى ldquo;كازابلانكاrdquo; وحرية التصرف في الشخصيات، والمواقع.
فمنذ البداية، كما ذكرت سابقا، كان العمل مليئا بالعثرات، الاولى منها كان اختيار أبطال الفيلم الذي كان موضع خلاف شائك بين مديري ldquo;شركة وارنرrdquo; واول المرشحين كان ldquo;رونالد ريغانrdquo; الذي لم يتم اختياره لحسن الحظ، أما الدور النسائي فقد رفض من قبل الكثير من شهيرات تلك الفترة من الممثلات، بسبب أرتباك ldquo;السيناريوldquo; وأخريات طلبن اجورا غير معقولة، مثل الممثلة الفرنسية ldquo;ميشيل مورغانrdquo; التي طلبت 55000 دولار، وانتهى الدور الى النجمة السويدية الشابة ldquo;أنجريد بيرجمانrdquo; مقابل 25000 دولار، والتي كتبت في مذكراتها، rdquo;كنا نصور يوميا، والسيناريو يتغير كل لحظة، وكل يوم كان كما البدء من الصفر، في كل صباح كانوا يقدمون شيئا جديدا ولم يكن احدا منا يعرف اين تحدث الامور، و أين تنتهي، وكنا نشعر غرباء في أدوارنا، ولم نعي قيمة العمل مما سبب الارتباك بين الممثلين، وأنا كنت اسأل المخرج ldquo;مايكل كورتيزrdquo; عاشقة من انا؟، وجوابه كان دائما، لا أدري لحد الان، وما عليك الا القيام بدورك في هذه الاثناءrdquo;.

كان الفيلم يصور ارتجالا كل يوم، وحتى المخرج لم يكن يعرف اين ستكون نهايته، فالخلط والتشابك كان سمة العمل اليومي في كل مسارات الانتاج والاخراج، والتناقضات ايضا، جعلت منه وليدا فريدا، لذالك اعتبرته ldquo;أكاديمية السينما الاميركبةrdquo; ثاني احسن فيلم في التأريخ بعد ldquo;المواطن كينrdquo; لاورسون ويلز. يقال ان رئيس ldquo;المونتاجrdquo;للفيلمldquo; أوين ماركسrdquo; هو كان وراء نجاحه وهو الذي اختلطت عليه الامور اثناء التقطيع والتركيب، بسبب كثرة اللقطات المرتجلة وتعددها، وهذا جعله في حالة غضب دائم مع الجميع، ورغم ذالك كان واحدا من المرشحين لجائزة الاوسكار.
مايكل كورتيز، 1888 -1962 المخرج، في العشرينيات من القرن الماضي كان ممثلا رائعا في بلده ldquo;هنغارياrdquo; لكي يبرع في الاخراج فيما بعد، خصوصا بعد هجرته الى ldquo;فييناrdquo; حيث اخرج العديد من الافلام الناجحة ومما اثار اهتمام صناعة السينما في ldquo;هوليوودrdquo; فاستدعته ldquo;وارنرrdquo; وهاجر مرة أخرى وفي أميركا غير اسمه الهنغاري الصعب اللفظ، وتأخر كثيرا في تعلم اللغة الانكليزية الذي جعله الوقوع في مطبات مضحكة. ورغم براعته في الاخراج فهو كان فريسة سهلة لكل المنتجين، وكان يقبل اي تكليف يوصى به، ورغم ترشيحه لجوائز الاوسكار 4 مرات في السابق، فأنه لم يحصل عليه الا على فيلم ldquo;كازابلانكاrdquo;، حيث كان أخرج العديد من الافلام المشهورة مثل ldquo;مغامرات روبن هودrdquo; 1936، وrdquo;الكابتن بلودrdquo; في نفس السنة تقريبا وrdquo;صقر البحرrdquo; 1940 وافلام عديدة اخرى.
كما ذكرت أعلاه، دور المنتج ldquo;هال واليسrdquo;1899-1986 كان حاسما في صناعة الفيلم، فهذا الروسي -البولوني الاصل والذي مارس كل المهن الصغيرة منذ طفولته بسبب الفقر المدقع الذي كانت تعيشه عائلته، وصار اخيرا مشرفا على أحدى دور السينما المتوسطة حيث اثبت مهارة فريدة، وهذا لفت أنتباه rdquo;جاك وارنرrdquo; الذي سرعان ما تعاقد معه ليضمه الى فريق عمل الشركة وبسعة الضوء صار المنتج الاول للشركة، وهو الذي اختار الفيلم وأشرف على كل تفاصيله من الازياء الى الديكورات، والمعدات الاخرى، وكان مراقبا على كل شئ في الانتاج، واثبت جدارة نادرة وجرأة في اختيار النصوص، والتنبؤ بنجاح اي عمل كان هو يختاره.
أما بطل الفيلم ldquo;همفري بوغارتrdquo; 1900-1957 الذي كان قد لعب ادوارا مهمة في أكثر من 30 فيلما قبل ldquo;كازابلانكاrdquo; صار أسطورة بعد وفاته، ومعظم افلامه تعتبر الان من أفضل ما أنتجته ldquo;هوليوودrdquo; بين الاربعينات والخمسينات، مثل ldquo;الصقر المالطيrdquo; لـrdquo;جون هيوستونrdquo; وrdquo;الحلم الابديrdquo; الذي اخرجه ldquo;هيوارد هيوزrdquo; وكان بطل معظم روايات ldquo;جاندلرrdquo; وهاميتrdquo;البوليسية التي اقتبست سينمائيا. وصار واحدا من أيقونات هوليوود، شاهدت كل افلامه مرات عديدة ووفي كل مرة كنت أكتشف اشياء جديدة رغم اختلافه الجمالي الذي اعتادت صناعة السينما الاصرار عليه، فكان قصير القامة، قاسي التعابير، وذو ميل للقبح احيانا، الا أن الكاميرا كانت تحب وجهه، وهنا تكمن عظمة بعض النجوم.
فهو عمل تحت أشراف أكبر مخرجي هوليوود، من بينهم، بجانب الذين ذكرتهم سابقا،ldquo;نيكولاس راي ldquo; وrdquo;ادوارد ديمتريكquot; وquot;بيلي وايلدرrdquo; وrdquo;مانكفيتشquot; واخرون ومن الصعب تلخيص 30 عاما في العمل السينمائي، حيث اشترك وقام ببطولة أكثر من 70 فيلما ويذكر دائما موقفه الشجاع ضد السيناتور الاميركي ldquo;ماكارثيrdquo; المشهور بقيادته حملة ldquo;محاكم التفتيشrdquo; السيئة الصيت ضد المثقفين والفنانين، المتهمين بالشيوعية او التعاطف معها، خصوصا المشتغلين في صناعة السينما، وكان على الضد من ldquo;رونالد ريغانrdquo; رئيس نقابة الممثلين آنذاك، والذي تعاون وبحماس في هذه الحملة القذرة التي كانت نتائجها مريعة بالنسبة للعديد من الممثلين من أعضاء ldquo;الحزب الشيوعي الاميركيrdquo; والمتعاطفين معه، فمنهم من حرم من العمل، وآخرون اعتزلوا طوعا، والمأساوي، ان بعضهم فضل الانتحار، واختفوا عن الانظار ونساهم الملايين.
في هذا الفصل من حياته لعب أجمل ادواره بسلوك أثبت اخلاصه لمواقفه، وبدون خوف فسخر علنا من ldquo;ماكارثيrdquo; وأتهمه بالهلوسة العقلية، والكحولية، وادمانه على كل الممنوعات كما ثبت فيما بعد.يؤدي ldquo;بوغارتrdquo;،في هذا الفيلم،اجمل ادواره، مبتعدا عن تلك التي أعتاد عليها كمحقق خاص في العديد من الافلام البوليسية، فهنا يمثل شخصية فوضوية و ldquo;رومانتيكيةrdquo; ومغامرة قريبة من قضايا عصره، هاربا من الاحتلال النازي لباريس ذاهبا الى شمال افريقيا مخدوعا بقصة حب فاشلة، حيث يؤسس المقهى الشهير في ldquo;كازابلانكاrdquo; الذي كان قبلة المهاجرين وضحايا الحرب الطاحنة التي كانت تدور في كل اوروبا، ليجد نفسه ثانية وجها لوجه مع ماضيه،وموعد جديدمع حب ضاع بسبب ذلك الاحتلال ليتورط من جديد في مواجهة النازبة، التي كانت تراقب ldquo;المقهىrdquo; عن كثب، بسبب ارتياده الدائم من قبل اللاجئين الذين كانوا يحلمون بالهرب الى أميركا عن طريق ldquo;لشبونةquot;، ناهيك بأنهكان وكرا للخلايا المعادية للنازية.
اما البطلة ldquo;انجريد بيرجمانrdquo; 1915-1982 التي رفعها هذا الفيلم الى القمة، ففي بدايتها كانت ممثلة شابة في بلدها ldquo;السويدrdquo; ثم هاجرت الى اميركا وأنتهت في عاصمة السينما ldquo;هوليوودrdquo; وقامت ببطولة العديد من الافلام المهمة تحت اشراف أشهر المخرجين، مثل ldquo;ضوء يحتضرrdquo; وrdquo;لمن تقرع الاجراسrdquo; وrdquo;جان داركrdquo; ومع ldquo;هيتشكوكrdquo; مثلت 4 أفلام، وقد فازت على 3 ldquo;أوسكارrdquo; بجدارة.
في هذا الفيلم، نلاحظ تعدد جنسيات العاملين فيه، كما تعدد جنسيات زبائن ldquo;مقهى ريكrdquo; فالبطلة سويدية، والبطل الثالث زعيم المقاومة ldquo;بول هينرييدrdquo; من أصل نمساوي ابنا لعائلة ldquo;نبيلةrdquo; من فيينا، وهو نفسه كان لاجئا سياسيا في الواقع و ldquo;كلود رينزrdquo; الذي قام بدور الضابط الفرنسي الفاسد كان بريطانيا، اما ldquo;كونراد فيدتrdquo; الذي ادى دور رئيس ldquo;الغستابوrdquo; كان الماني الاصل. اما الممثل الرائع ldquo;بيتر لورrdquo; الذي اكنشفه المخرج ldquo;فريتز لانغrdquo; فأصله جيكوسلوفاكي، وأخيرا الممثل الذي قام بدور المتلاعب في السوق السوداء ldquo;سيدني غرينستريتrdquo; كان بريطانيا ايضا.
مرة اخرى أعود الى موضوع النقاد ldquo;الفاهمين في السينماrdquo; الذين اعتبروا بعد عرضه نوعا من الضحك على ذقون المتفرجين، واتهموه بالسذاجة، والبساطة، ليعودوا بعد أجيال معتبرينه ldquo;أيقونةrdquo; من جواهر تأريخ السينما.
الفيلم في النهاية رائع من ناحيةالاخراج، والأداء،توليف كل ماهو جميل في صناعة السينما، واشتهرت جمله التاريخية وأغنيته العاطفية quot;بينما الزمن يمرquot; التي تعتبر، الى اليوم، من أجمل الاغاني السينمائية، وقد غناها دولي ويلسن والفها ولحنها هرمان هومفيلد... وطبعا لاننسى الموسيقى التصويرية الرائعة التي وضعها الموسيقار السينمائي الشهير rdquo;ماكس شتاينرrdquo; الذي عرف كيف يطعم موسيقى الحدث الدراميبمقاطع من النشيد الوطني الفرنسي المارسييز.