قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

يضم ديوان الشاعرة دارين حوماني ( ملاءات رقيقة في غرفة واحدة) ( دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى 2015 في 108 صفحة) خمس عشرة قصيدة، وهو الديوان الثالث لها بعد:" أكبر من نافذة قطار" ( 2008) و" الياطر الحزين" (2012) .
 تزجي الشاعرة قصائدها في ديوانها الجديد بشكل ينأى عن العابر، إنها تركز على ما هو إنساني قيمي مشرق. والإشراق هنا لا يكون بالضرورة داخل الذات فقط، ولكنه فعل قيمي يسقط أيضا على الاشياء وعلى تلاقي الكلمات في أفق عباري شعري.
 في هذا الأفق تتبدى رؤية الشاعرة التعبيرية التي ترتكز على جملة من المثيرات الأسلوبية التي تصنع دلالات متعددة داخل النص الشعري أولا، وداخل الديوان بوصفه كلا.
من هذه المثيرات ما تقدمه الشاعرة من تشكيل نسقي ثلاثي يرتكز أولا على: التحديد المكاني / الزماني للمشهد، ثم ثانيا : سرد الماضي، ثم ثالثا: التحول إلى زمن آخر، للحاضر أو للمستقبل.
 وهذا التشكيل النسقي الثلاثي يتكرر بشكل جلي في نصوص كثيرة في الديوان، منها: لو أنني صبرت قليلا، رائحة وطني، قبعة كاهن، ورق الصبار، طريق المطار .
تقول في النص الأول بالديوان:" تجمع هائل من الصقيع" :
1-  في تلك الغابة المظلمة
حيث كنت أعيش
2-  وحين كنت أبدو حزينا
كانت طيور كثيفة تحط فوق صدري
تمنعن من المضي
ونفسي تحلق مع الرياح المهاجرة
تبحث غن الحرية.
3-  لذلك قررت الرحيل . / ص 11

1-  على جبل مونت رويال الباهر
2-  كانوا يمرون اثنين اثنين
متشحا بالوحدة كنت أمر
بين الأرض والسماء
3-  يملأني ضباب خفي
وإحساس عميق بالضياع . / ص.ص 11-12

يتكرر النسق الثلاثي كمثير اسلوبي جلي، ويفضي استخدامه بتركيز في الديوان إلى صنع بنى تعبيرية جمالية متماسكة، يمكن أن نكتشف فيها جملة من الدلالات التي تؤكد على عناية الشاعرة بالحدث الشعري، وببنى نصوصها وتقديم هذه البنى بشكل واع بانتظام النصوص، وانتظام الرؤية التي لا تقع في التداعي أو المباشرة .
ومن المثيرات الأسلوبية التي تركز عليها الشاعرة: التشكيل الضدي بين السياقات، والانتقال من سياق إلى آخر قد يتضاد معه أو يتكامل تبعا للرؤية الشعرية في النص. وهذا التشكيل الضدي لا يفارق البنية العامة للديوان التي تكتسي بها النصوص وهي بنية مأساوية، موتية، حزينة لا يكسرها سوى هذا الفرح الجمالي الكامن في مشاهد شعرية صافية رائقة، يمتزج فيها المعنى بصورة مسنونة، أو تكتنز بها الدلالة بمفارقة عرمة تشعر أحيانا بالفقد، والحنين إلى شيء ما ينشد التغيير.

عالم الأحزان:
  تشكل الشاعرة نصوصها باستمرار عبر استثمار:" المفارقة"، بين ضد وضد، بين نقيض ونقيض، والمفارقة جزء من المكون الدلالي الذي يسخر من المأساة، ويسعى لمجاوزتها.
 ومن المثيرات الأسلوبية: اتكاء الشاعرة على تكرار بعض الدوال المهيمنة كبنى نصية مسنونة، مثل دوال: الموت،الحزن، الألم، العدم، الطفولة، الذكرى، البيت، الأم، العائلة.

الحياة هنا مأهولة بما يؤلم
علمني كيف أتجاهل جسدي
وعلامات الحزن الفارقة في عينيّ
ما جدوى كل هذا الألم
أدخلني إلى حيث أتيت
حبذا لو لم أكنْ / ص 38

هي الأشياء التي تؤلمني
التي تنضج بصدق في أشيائي الصامتة / ص 41

إن الإحساس بالفقد، والصدمة الدائمة من واقع تغيب فيه القيم المثلى، والحنين إلى ماض لم يعد يتجلى سوى في الحكايات، واستدعاء مشاهد هذا الماضي، من الدلالات التي تنطوي عليها نصوص الديوان:
الحقيقة المفزعة
التي وجدناها في الظلمة
كانت تنتظرنا خلف الباب
ونحن نمضي في قدرنا بعجز بالغ
مفرط في العزلة
لم أعد أريد أن أجد سببا لكل هذا
لقد صدئنا جميعا . / ص 45

كما تشعر الذات الشاعرة في النصوص بحزن عارم، بألم مفض إلى العدم، بالفراغ :" أنا لا أؤمن بشيء . إني أرى الأشياء كلها فراغا مستقيما" ./ ص 13 وهنا يموت كل شيء :" الليل ووجوه العابرين مصطفان أمامي، جثثا على سريري" / ص 36
مع هذا الإحساس المؤلم بالفقد، والإحساس العميق بالضياع، حتى إن الأحلام لم تعد تصلح لممارستها، ومع الإحساس البعيد بالحزن، الذي يتلبس الذات الشاعرة ويتماهى معها، تستدعي الشاعرة زمن الطفولة، فيما تستدعي الشهداء الذين تراهم هم الأصدق في هذه الحياة، " أجد كل ما على الأرض فانيا بدونكم" . بيد أن الحزن يبقى هو الدلالة الفادحة الماثلة بشكل جلي في جل نصوص الديوان تقريبا، حتى إن الشاعرة تقول:
لم تجد مكانا للحزن
فحزنت داخل جسدها. / ص 90

لقد ضاقت الأمكنة بالحزن، وحاصرت الذات الشاعرة التي لم تعثر على مكان آخر لتمارس حزنها الخاص فكان الجسد، مكان الجسد بالأحرى هو الخلاص والمهرب.
ومع كل هذا الإحساس المأساوي بالأشياء والعالم، والواقع تلجأ الشاعرة أحيانا إلى تعرية الأقنعة، والكشف عنها، وكررت ذلك في عدة نصوص مثل :" موت يتمشى في كل مكان" ومثل:" حين كانا يمارسان الاضطراب بدل الحب" وفيه:
وجوههم متنكرة بالجمال
لكنني اراهم عراة
بعيون صفراء
لقد أكثروا من الخواتم المتألقة
في كل مكان حيث هم تستريح الأوحال
ويمشط أجسادهم الشيطان. / ص 91
ويتكرر هذا المعنى المتنكر في نص سابق بعنوان:" حبذا لو لم تكن" فتقول:" وجوههم المتملقة تؤلمني وتضحكني، يتمثلون بالدين والبورجوازية، لكنهم يتبادلون المياه الموحلة بين ملامحهم" / ص 36
وتلخص قصيدة:" موت يتمشى في كل مكان" رؤية الشاعرة المأساوية للواقع حين تعبر بشكل مباشر، فتدل القارىء على الهوية الدلالية لنصوصها، بعد أن استرسلت كثيرا في رصد جملة من المشاهد في النصوص الاولى للديوان عبرت فيها عن ضجرها بالعالم، وعن إحساسها بالفقد والانكسار، فتعبر مباشرة:
الحزن يتمشى في كل مكان تطاله عروقي
الموت يتمشى في كل مكان في وطني / ص 95

إن الشاعرة تقتطف دلالاتها من هذا الأفق: الحزن الموت، وهو ما يشبع الرغبة الدائمة في استدراك الاشياء وتأملها، وفي استشراف مناطقها الجوانية الكامنة والناتئة، وهو فعل شعري بامتياز لأنه يدرج ما بين الحضور والغياب. بيد أن طقوس النصوص ربما ألحت كثيرا على تعميق الحزن، واستقصته في كل المواطن، وربما أثر هذا بشكل عام على النسيج الكلي الدلالي للديوان، وربما هذا يحدث أمرين قد يكونا متعاكسين لدى القارىء إما التضامن مع هذه الرؤية المتكررة المنبثة بجلاء في النصوص، أو عدم التضامن معها، والضجر مما تطرحه والطرق عليه ما بين نص وآخر.

استعادة الماضي:
ثمة خواص دلالية تنبثق من نصوص دارين حوماني، تشكل المهاد الجمالي أو الأرضية الإدراكية التي يمكن لنا عبرها مشارفة هذه النصوص، وقص آثارها التعبيرية داخل النصوص من وجهة لغوية أو خارجها من وجهة معنوية.
 إن التركيز على الماضي واستعادته يشكل خاصة دلالية شاهقة، وجلية. الشاعرة دائما ما تلح على استعادة الماضي وكشفه، سواء كان ماضيا ذاتيا يتعلق بالسيرة الرائية، أو بالذاكرة الشخصية، أو ماضيا عاما يتعلق بسيرة الوطن والمكان نفسه.
 إن هذه الاستعادة تصنع حالتين من الدلالة الشعرية:
تتمثل أولاها في البحث المتأمل شعريا في وقائع الماضي، وهذا البحث الذي يتم في لحظة الآن، أي في اللحظة التي نأت فيها الشاعرة عن هذه الوقائع سوف يكون أكثر إيغالا في إعطاء حكمة هذه الوقائع، وانعكاسها على تحولات الذات الشاعرة، وتتمثل ثانيتها في أن الوصول إلى قراءة حكمة الماضي سوف يطل بها على رؤى أبعد من هذا الماضي في زمنيته ووقائعه. سوف يكون هناك موقف ما، ورؤية ما تزجيها الشاعرة للقارىء .
 وفق هذا المغزى فإننا نتابع دارين حوماني في جملة من المشاهد التي تسترجع فيها هذا الماضي، تتأمله، وتتبصره، تستقصيه وتصوغ نتائجه الشعرية المثلى. محركة القول الشعري عبر فعل الكينونة الماضوي في عدد كبير من مشاهد الديوان،: فالأشياء الجميلة لا تأتي إلا متأخرة، هكذا تقول دارين حوماني في قصيدة :" ذلك الماضي الذي لن يعود " / ص_ ص 46 – 50، ثمة إحساس عميق بالفقد لدى الشاعرة، وحنين عبثي قد لا يكون مبررا سوى في حالته الشعرية الخصبة، ثمة انكسارات وآلام، وثمة سدى، ثمة صدمة في الواقع وتحولاته، لكن ثمة انتصار لما هو شعري حالم، مخايل، تسعى عبره الشاعرة إلى تبديد هذه الانكسارات الموجعة :
فلنمض نحو شمال الأرض
نكف عن الانتظار
أشعر بخوف أسفل صدري
أصاب بمرض اسمه الضباب
وأنا أكثر من الأحلام
نتشبث بها كما نتسلق جبالا باردة
ثم نهوي في المكان الأكثر وحشة
حين نشعر أن العمر يمضي
دون جدوى.

وتلتقط الشاعرة دائما مشاهد، ربما تستعيدها من السيرة الشخصية، أو ربما تتقمص هي بوعيها الشعري حالات قرابة أو مشاهد إنسانية متعددة، حيث تحضر، الأم، والأطفال، والإخوة، والخالة، والعم تقول:
عمي تعلم التسول من صديق له
أيام الاحتلال الإسرائيلي
حين نزحنا إلى بيروت
وبقي وحيدا
وكلما رأته أمي ونهرته لذلك
قطع شجرة من كرْمنا
ثمة سبب ما
ليقطع شجرة حين يغضب من أمي
إلى الآن لم ندركه
لكنه حين مرض مرضا شديدا
لم يجد من يرعاه غير أمي.
لعبة الزمن الماضوي حاضرة على الدوام لدى الشاعرة، حيث تبوح بدلالاته على امتداد نصوص الديوان:" مخدرة أنا بالزمن، بما مضى وما لم يمض بعد" / ص 48 " لا أريد أن أموت، فقد أعطاني كل ما لديه، ذلك الماضي الذي لن يعود" / ص 49
حسبتُ نهاري ليلي
وأنا أتعثر بعمري
بالأيام التي لم أحصها جيدا
فمضت وحيدة
مع كثير من الشغف
دون جدوى. / ص 53

الآخر – المخلص:
تعتاد القصيدة دائما، نسوية أو رجالية، - مع اليقين أن لا تفرقة حادة- تعتاد اللجوء لآخر، مخاطب، هو ليس آخر ضدي بالتأكيد لكنه آخر يتلبس بالوعي العاطفي السينتمنتالي، ليهذبه ويسمو به، ويحتضن آلامه ومكابداته وأشواقه. الآخر يصبح هو الفارس دائما، هو المخلص حتى لو كان هو نفسه أسيرا لأحزانه أو لواعجه أو حتى أفراحه.
 الآخر عنوان دائم للملاذ واللجوء، وهو ما نجده جليا أيضا في شعرية دارين حوماني :
تعال إلي باكرا
قبل أن ينقضي الليل
وقبل أن تمطر السماء
قبل أن تصل الرغبة إلى الجسد
هل تذكر؟
كان بإمكاني أن أتذكر أكثر
ما حلّ بي
في فضاء هذه الرغبة
لكني عبثا حاولت
ووجدتني أمضي
في جوف العراء أكثر . / ص 52
بيد أن القصيدة الأكثر إشراقا التي تمثل صلب الديوان، ومنها استل عنوانه، هي قصيدة:" أمي" وهي أطول قصائد الديوان (ص.ص 57-67 ) وتتشكل من ثلاثة عناوين : ملاءات رقيقة في غرفة واحدة، ألا ترين كم أحبك، عواء، وتعتمد طريقة شعر الكتلة، والسرد الشعري المكثف، وما يمكن قوله بشكل مكثف: إن قصيدة" أمي" تمثل بنية مركزية جمالية داخل الديوان، وفيها تتجلى هذه العلاقة الرائية التي تتجاوز المأساة حتى لو بالتعبير عنها كحدث شعري. لا ماساة محددة سوى هذا الواقع، هذا العالم الذي يُشعِر بالفقد، والضياع.
 إن دارين حوماني تقدم تجربة شعرية جديرة بالقراءة والحفاوة القارئة لما تنطوي عليه من تأملات، ومن استقصاء لما تمو به اللحظة الحاضرة من ألم وحزن وفقد وحنين شفيف لأي شيء يغير أفق اللحظة ويتجاوز مواقيتها المعتمة.