للمرة الثانية أضطر إلى الكتابة عن السيد حسن نصرالله، زعيم quot;حزب اللهquot; الذي ابتلى به لبنان الجميل وشعب لبنان المسالم منذ السبعينات من القرن الماضي. فاسم نصر الله واسم حزبه مرتبطان باندلاع نيران الحرب الأهلية التي أحرقت لبنان بعد أن كان يسمى بسويسرا العرب وكان ملجأً للأحرار ولكل السياسيين العرب المغضوب عليهم من قبل حكوماتهم وموطناً لحرية الفكر والنشر والتعبير، إلى أن حل به وباء الأيديولوجيات الشمولية، فأحرقوا لبنان وشردوا الملايين من أهله. ففي المرة الأولى التي كتبت عن حسن نصر الله، كان في شباط 2003، أي قبَيْل سقوط النظام البعثي الفاشي في العراق، عندما اختار هذا الرجل (نصر الله) الوقوف إلى جانب الجلاد صدام حسين، مدافعاً عن نظامه الآيل للسقوط، بدلاً من الدفاع عن الشعب العراقي وحقه في الحياة الكريمة. وكان عنوان المقال (نصر الله يقوم بدور عمر بن العاص). فحسن نصر الله وولي نعمته، علي خامنئي، يلهجون ليل نهار باسم علي بن أبي طالب، ويدَّعون أنهم من شيعته، ولكن في الحقيقة فهم يسيرون على نهج معاوية وعمر بن العاص وفق مبدأ ماكيافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) ومهما كانت الوسيلة في تعارض مع الأخلاق وتعاليم دينهم ومذهبهم. فقد دعا حسن نصر الله إلى حرق العراق وذلك استجابة لتعليمات ولي نعمته، مرشد جمهورية الملالي الإسلامية في إيران ونكاية بأمريكا.
أما اليوم فإن حسن نصر الله يدعو إلى إدخال وطنه، لبنان، إلى محرقة حرب أهلية ثانية، لا يعلم أحد كيف تنتهي إلا الله. لماذا؟ لأن برنامجاً تلفزيونياً تهكم عليه!! عجيب أمر هؤلاء. عرفنا قبل أشهر، عندما أقام الإسلاميون الدنيا ولم يقعدوها على أثر الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها صحيفة دنماركية في سبتمبر من العام الماضي. ولكن حزب الله وأسياده في إيران وسوريا، لم يقوموا آنذاك بالاحتجاج المتحضر، كمظاهرات هادئة وتقديم مذكرات احتجاجية، بل لجأوا إلى حرق سفارتي الدنيمارك والنرويج في دمشق ولبنان وطهران. كما وقامت أشقيائية حسن نصر الله في بيروت بالاعتداء على دور العبادة للمسيحيين اللبنانيين، تماماً كما قام فلول البعث وحلفاؤهم الإرهابيون من أتباع القاعدة وعملاء إيران وسوريا في العراق بالاعتداء على المسيحيين وكنائسهم. هذه هي شيمة المتأسلمين اليوم وتطبيقهم لتعاليم دينهم (لا تزر وازرة وزر أخرى).
والآن وبسبب برنامج تلفزيوني، بثته محطة تلفزيون (أل بي سي) اللبنانية، فيه نوع من التهكم على حسن نصر الله وليس على الرسول، معاذ الله، انقلبت الدنيا ثانية. فقد وضع نصر الله نفسه بمصاف الأنبياء، إذ يعتقد أنه لا يمكن أن يناوله أي نقد. إن هكذا نقد ساخر يتعرض له زعماء الدول الديمقراطية يومياً وعلى مدار الساعة، بل ويرمونهم بالطماطم والبيض الفاسد، ودون أن تحرك فيهم شعرة. هذا هو الفرق بين الزعماء الديمقراطيين الغربيين الناضجين، وزعماء الأحزاب السياسية الإسلاموية التي تحولت إلى عصابات بلطجية في دولنا العربية وظيفتها نشر الرعب والإرهاب بين الناس الآمنين. فالزعماء الغربيون يثقون بأنفسهم وبشعوبهم التي اختارتهم للحكم عبر صناديق الاقتراع، فيعتبرون هذه الانتقادات التهكمية الساخرة ضدهم والتي يقدمها فنانون في برامج تلفزيونية فكاهية كوسيلة للتنفيس عن متاعب العمل والترويح عن الضغوط النفسية لدى مشاهديهم، ودليل على روح التسامح التي يتمتع بها زعماء الغرب quot;الكفارquot;. ولم نسمع يوماً أن زعيماً غربياً هدد بأخذ إجراءات قضائية ضد أي برنامج أو مصدر إعلامي تهكمي تعرض له، ناهيك عن خروج حزبه في مظاهرات صاخبة ضد أية جهة إعلامية.
والغريب أن نصرالله يحاول أن يظهر نفسه كحمامة سلام، يدعو أتباعه إلى الهدوء والسكينة. فعلى من تعبر هذه اللعبة؟ وهل يعقل أن حزب نصر الله يتمرد على أوامر زعيمه، فيخرج للمظاهرات ويهدد المسيحيين بالويل والثبور خلافاً لأوامر زعيمه؟ إن هذه اللعبة باتت مكشوفة، فمن جهة ووراء الكواليس يأمر نصر الله حزبه بالقيام بالأعمال الغوغائية والتهديد والوعيد، ومن جهة أخرى يظهر في الإعلام يدعو أتباعه إلى الهدوء والسكينة، ليظهر نفسه للعالم أنه داعية للسلام.
ربما كان هناك نوع من العذر في خروج الجماهير في البلاد الإسلامية بمظاهرات ضد الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية لأنها كانت تسخر من رسول الله النبي محمد (ص). ولكن هل وصل حسن نصر الله إلى مستوى الأنبياء والرسل لكي تقوم من أجله المظاهرات الصاخبة وأعمال استفزازية ضد المسيحيين اللبنانيين والتهديد بإشعال حرب أهلية؟ وما ذنب المسيحيين ببرنامج تلفزيوني؟ أليس هذا دليل جبن وبطولات دونكيشوتية يبديها quot;مجاهدوquot; اليوم ضد الأبرياء العزل؟ عجيب أمر هؤلاء الزعماء؟ البرنامج قدمته محطة تلفزيونية، فلماذا هذا التهديد ضد أناس أبرياء لا علاقة لهم بالموضوع، لا من قريب ولا من بعيد؟
في حقيقة الأمر، إن هذه العربدة التي أثارها حسن نصر الله وحزبه بسبب برنامج تلفزيوني، لدليل على الشعور بالنقص وعدم تحملهم لأي نقد. فاستغلال المناسبة لإثارة الغوغاء في لبنان ضد المسيحيين، ما هو إلا ذريعة واهية لإبراز عضلات البلطجية والاستقواء بإيران وسوريا والتهديد بحرق لبنان ثانية بعد أن أحرقوه لخمسة عشر عاماً في المرة الأولى.
إن تهديد حزب الله للمسيحيين في لبنان بإشعال حرب أهلية لم يأت من لا شيء، بل هو عمل مكمل لما يجري في العراق وفي غزة والضفة الغربية. إنه متزامن مع الضغوط التي تفرضها أمريكا والوحدة الأوربية على إيران بسبب برنامجها النووي ولتغطية جريمة النظام السوري في اغتيال الشهيد رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق. فأصدرت إيران أوامرها إلى أتباعها من الأحزاب الإسلاموية، ومليشياتها في العراق ولبنان بإثارة المشاكل. فمحافظة البصرة كانت هادئة نسبياً منذ سقوط الفاشية وحتى وقت قريب. ولكن مع بروز الصراع حول امتلاك إيران للتكنولوجية النووية، بدأت المساعي المحمومة من قبل مرتزقة إيران المتمثلة بمليشيات (جيش المهدي) و(فيلق بدر) لتحويل البصرة إلى فلوجة ثانية وإمارة للطالبان الشيعة فيها. والآن اختلق حزب حسن نصر الله مناسبة برنامج تلفزيوني ذريعة للتهديد بإشعال حرب طائفية في لبنان ما هو إلا تكملة لهذه الفوضى التي تسعى إيران وسوريا إشعالها في دول المنطقة.
الحكومة اللبنانية مدعوة اليوم أن لا ترضخ لتهديدات بلطجية حسن نصرالله، ولا تذعن لمطالبهم، لأن أية استجابة لهم يعني تشجيع البلطجية لخلق المزيد من المشاكل. وعلى مسؤول محطة (أل بي سي) عدم تقديم أي اعتذار للسيد حسن نصر الله. فلبنان يجب أن يبقى معقلاً لحرية التعبير والتفكير والنشر، وإلا نقرأ على حرية الصحافة السلام.

مقالة ذات علاقة بالموضوع
نصرالله يقوم بدور عمرو بن العاص
http://www.nahrain.com/d/news/03/02/12/nhr0212v.html