في الحادي عشر من ايلول 2001، تمكنت (مجموعات إرهابية) من خطف عدة طائرات مدنية أمريكية محملة بالركاب، نجحت في تفجير بعضها في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية(البنتاغون) في واشنطن، راح ضحيتها نحو ثلاثة آلاف شخص وخسائر مادية تقدر بمليارات الدولارات. مضت خمس سنوات على تلك التفجيرات المروعة التي هزت أمريكا والعالم وما زالت بآثارها و أبعادها(الإنسانية، السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والعسكرية) تتفاعل أمريكياً وعالمياً. وتعد منطقة (الشرق الأوسط)، التي منها خرج خاطفوا الطائرات الأمريكية، اكثر مناطق العالم تضرراً من تداعيات تلك (الأحداث الاستثنائية)، التي أختلف المحللون والمراقبون حول تصنيفها وحول الجهة الحقيقية التي تقف خلفها. ففيما ينظر لها البعض، ولغيرها من العمليات الانتحارية ضد أهداف أمريكية وغربية، على أنها عمليات ثأرية، تقوم بها(مجموعات إسلامية)متشددة تسيطر عليها مشاعر الإحباط واليأس، انتقاماً من دول (الغرب) المهيمن على العالم العربي الإسلامي واحتجاجاً على مساندته لإسرائيل، بينما ينظر لها البعض الآخر على أنها مجابهة مفتوحة بين قوى تتصارع على من يجب أن (يحكم العالم)، وهناك من يضعها في اطار نظرية (صدام الحضارات) التي تنبأ بها (صموئيل هنتنغتون). واللافت في هذا الجدل، حول أحداث جرحت أمريكا في القلب وهي في أوج عظمتها وقوتها، وجود، حتى داخل المجتمع الأمريكي والغربي، من يقول: بأن ذلك (المشهد المرعب)الذي شهدته أمريكا يوم الحادي عشر من ايلول 2001ليس أكثر من (مؤامرة) داخلية كبيرة خطط لها من قبل اليمين المتطرف في وكالة المخابرات الأمريكية (سي. آي. إي) لأهداف أمريكية استراتيجية بحتة. قد تكون(العمليات الإرهابية)، التي تستهدف أنظمة ومصالح دول بعينها، تعبيراً عن احتجاج سياسي واجتماعي على أوضاع وحرمانات معينة، لكن في المواجهة القائمة بين الغرب والتنظيمات الإسلامية المتشددة(القاعدة نموذجاً)، أعتقد بأن الأمر يتعدى مسالة الحرمان. إذ أن العداء الذي تحمله هذه التنظيمات لأمريكا والغرب الأوربي هو بجوهره عداء آيديولوجي وعقائدي، عبر عنه زعيم تنظيم القاعدة، (اسامة بن لا دن)، بوصفه لعملية ضرب البرجين بـ (غزوة مانهاتن) واعتبرها من غزوات الإسلام المقدسة والمباركة. حتى العمليات الإرهابية التي تحصل داخل (الدول العربية والإسلامية) هي تتم على خلفية هذا العداء الآيديولوجي للغرب، فالمستهدف منها هو ضرب المصالح الغربية في هذه الدول، أو زعزعة نظامها السياسي المتهم من قبل التنظيمات المتشددة بالعداء للإسلام وبخدمة المصالح الغربية. بعيداً عن (السجال العالمي) الذي أثير حول أحداث الحادي عشر من ايلول، ستبقى تلك الأحداث، برمزيتها ودلالاتها وضخامتها، علامة بارزة ليس في التاريخ الأمريكي فحسب، وإنما في التاريخ العالمي. فهي عنونت لمرحلة القرن الحادي والعشرين، خاصة فيما يتعلق بالتوجهات الجديدة للسياسة الدولية تجاه منطقة الشرق الأوسط. حيث دفعت تلك الأحداث (الإدارة الأمريكية) للتدخل بشكل مباشر والانغماس أكثر فأكثر بقضايا ومشاكل الشرق الأوسط، تحت عناوين وأجندة مختلفة( الحرب على الإرهاب، الإصلاح، نشر الديمقراطية). بالطبع، يجب عدم التقليل من أهمية (الحروب الاستباقية على الإرهاب) في إضعاف الإمكانيات المادية واللوجوستية للتنظيمات الإرهابية وتقييد نشاطها، لكن ثبت، بعد غزو العراق وأفغانستان، استحالة القضاء على (آفة الإرهاب) من خلال الحروب والأعمال العسكرية وحدها، إذ تبين بأن ظروف الحروب والحصار تزيد التنظيمات المتطرفة شعبية في الشارع الإسلامي وقد تدفع لنشوء تنظيمات اسلامية جديدة أكثر تطرفاً، (الحالة العراقية نموذجاً)، فبعد تفجيرات نيويورك وواشنطن حصلت تفجيرات إرهابية ضخمة في كل من مدريد ولندن وفي أماكن ودول أخرى من العالم، كما أن الحرب المفتوحة والشاملة التي بدأتها أمريكا على الإرهاب لم تلغ احتمالات حصول أعمال إرهابية جديدة في الداخل الأمريكي. هذا يؤكد على أن المعالجة الصحيحة لـ(مشكلة الإرهاب)، التي بدأت تقلق العالم، تتطلب ايجاد ثقافة، تعزز قيم العدل والتسامح وحب الحياة والعمل ومبادئ الديمقراطية واحترام حقوق وحرية الإنسان، بدل ثقافة (التكفير والإرهاب وعشق الموت) التي تجتاح المجتمعات العربية والإسلامية القابعة تحت الاستبداد السياسي والديني. ردد اسامة بن لادن، في أحد أشرطته عبارة لطارق بن زياد (جئتكم بقوم يعشقون الموت، أكثر مما تعشقون الحياة)، إنها ثقافة (قتل الذات من أجل الأموات، وأن يعيش البشر من أجل ماضيهم). من المهم والمفيد جداً أن يخوض هذه المعركة الثقافية والفكرية والأخلاقية، ضد فقهاء الموت ومنظري الإرهاب ومشرعي القتل على الهوية، رجال وعلماء دين مسلمون متنورون يتميزون بالاعتدال، وأن يقوموا من موقعهم الإسلامي بفضح استغلال هؤلاء (التكفيريون) للدين ولمشاعر المؤمنين لأهدافهم المغرضة المسيئة للإسلام والمسلمين. فقد أثبتت الدراسات المختصة بأن التغيرات التاريخية المهمة، التي تصيب المجتمعات والحضارات، لا تتم بفعل أحداث سياسية (تغيير أنظمة) أو عسكرية (شن حروب)، وإنما تحصل تحت تأثير التحول العميق الذي يصيب أفكار وعقائد الناس والآراء السائدة في المجتمع. فالذي صنع أحداث أيلول المروعة، ليست الأدوات التي استخدمت فيها، على أهميتها، وإنما الأفكار والعقائد التي شكلت الأرضية الثقافية والأخلاقية التي تحرك عليها الإرهابيون وتحمس لها هؤلاء الشباب ليقوموا بتلك العمليات الانتحارية. وانهيار(جدار برلين) لم يحصل بفعل (هجوم عسكري)، وإنما انهار على أيدي الشعب الألماني ذاته بعد حدوث تحولات فكرية وعقائدية داخل(دول ومجتمعات المعسكر الاشتراكي) الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفيتي.

كاتب المقال سوري آشوري مهتم بحقوق الأقليات
[email protected]