(1)
من مفكرة سفير عربي في اليابان

تصور عزيزي القارئ: بأن طفلا أمريكيا، من أب كيني مسلم، تركه والده وهو صغير، وعاش على المعونات الاجتماعية، يصبح مرشحا للحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية، بعد أن فاز على السناتورة هليري كلينتون، زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون. بل وينافس السناتور جون مكين، أبن أدميرال أمريكي، وبطل حرب الفيتنام، وخبير السياسية في واشنطون، وزوج لبنت كبار أثرياء الولايات المتحدة! والسؤال المحير: كيف استطاع هذا الشاب أن يحقق هذه الطموحات أمام جبابرة حزبي القوة العظمى الوحيدة في العالم؟ وهل سيستفيد المواطن العربي من هذه التجربة ليخرج من شرنقة الإحباط، ويبدأ العمل بجد وإبداع لمستقبل أكثرا ازدهارا ورخاء وسعادة؟
تلاحظ عزيزي القارئ بأن السناتور باراك أوباما لم يستسلم لشكوى أغلال الفقر والتفرقة العنصرية وفقدان الفرص، ولم يملئ قلبه حقدا وانتقاما، ولم يحشو عقله فكرا انفعاليا متطرفا، بل تفرغ للعمل، وجهد في الاهتمام بالعلم، فغرف المعرفة من ينابيع خيرة المؤسسات التعليمية الأمريكية. وحينما نجح وتفوق، وتخرج بالترتيب الأول من كلية الحقوق بجامعة هارفرد، تجنب ثراء الوول ستريت، وتفرغ لخدمة مواطنيه في حارات شيكاغو الفقيرة. ووجه عمله السياسي لفلسفة تناغم جميلة، تدعو لوحدة الشعب الأمريكي بجميع أطيافه السياسية والعرقية والدينية. كما أستغل علمه وخبرته وتاريخ عائلته وذكائه الشامل، ليحول تحديات حياته الماضية لفرص نجاح مستقبلية، بل وعمل من خلالها ليستلم زعامة حزبه.
وحينما قرر سناتور أوباما الدخول في صراع المنافسة لكرسي الرئاسة، وتذكر خلفية والده الإسلامية وثقافة مجتمعه اليهودية المسيحية، اختار صديقا يهوديا بارعا ومبدعا لإدارة حملته الانتخابية. وحينما فاز بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، أختار نائبه صديق أبيض، وقريب من اليهود، وذو أصول كاثوليكية محافظة، وخبير في السياسة الدولية، وموصوف بانفلات اللسان، ليعتمد عليه ليصحح أخطاء قراراته. فقد تفهم السناتور أوباما بذكاءه الذهني والروحي والعاطفي، البيئة المحافظة للمجتمع الأمريكي، كما تحسس مأساة اليهود التاريخية، وتجنب لأن تكون خلفيته العائلية، عائقا أمام طموحاته للوصول لكرسي الرئاسة في الولايات المتحدة. فباختياره مدير يهودي لحملته الانتخابية، ونائب للرئاسة من أصول كاثوليكية وصديق لليهود، قلل من الهجوم على خلفية والده الدينية، وضعف من حساسية البعض لمعارضته لحرب العراق واستعداده للجلوس مع القيادة الإيرانية بدون شروط للتعامل مع التحديات العالقة. فنلاحظ كيف تعامل مرشح الرئاسة للدولة العظمى بذكاء مع الثقافة المسيحية اليهودية في بلاده ليحقق أحلامه السياسية. والسؤال المحير: كيف سيتصرف المواطن العربي مع هذه الثقافة المسيحية اليهودية في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي ليحقق لنفسه النجاح ولوطنه الازدهار والرخاء والسعادة؟
لقد زاد سكان الدول العربية لأكثر من ثلاثة مائة مليون، وتجاوزت القوى العاملة المائة مليون، وترافق ذلك بقلة الإنتاجية، وانخفاض الصادرات الغير نفطية العربية لأقل ما تصدره إسرائيل وحدها، كما ارتفعت نسب البطالة للربع بين الشباب العربي، وتخلف التدريب والتعليم، وزاد التلوث البيئي. وضاعت الأموال والأرواح في حروب متكررة، وانتشر التطرف الفكري وإرهاب العنف. فهربت الاستثمارات الأجنبية بإبداعاتها التكنولوجية، وتدهورت الصناعة وتخلف التدريب المهني، وضعف الاقتصاد، وارتفعت نسب الفقر، وتدهورت الرعاية الصحية. والسؤال لعزيزي القارئ: كيف ستطور المنطقة من جديد صناعتها وتعليمها؟ وكيف ستجذب الاستثمارات الأجنبية، لتطور تكنولوجيتها وتدرب قواها العاملة؟ وهل ستحتاج هذه الأماني لإزالة شبح الحرب، ونشر الاستقرار، لتبدأ من جديد بناء حضارتها ورخائها وسعادتها؟
هناك خلاف في منطقة المينا، والتي تضم الدول العربية وتركيا وإيران وإسرائيل، بين فريقين. فريق يدعو لاستمرار التعامل مع الخلافات الدينية والمذهبية والسياسية بالتطرف والعنف والحرب، وبين فريق يدعوا للجلوس على طاولة المفاوضات، وبالقبول بالاختلاف واحترامه، وبأن لكل إنسان الحق في اختيار دينه ومذهبه، وعلى الجميع التعامل مع الخلاف بالحوار وبعيدا عن التطرف والعنف، بالإضافة لاحترام دول المنطقة للحدود المقرة من قبل الأمم المتحدة، وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض. وقد يعني ذلك الحاجة لصيغة تعاون مشتركة بين الدول العربية وتركيا وإيران، لتبقى معضلة التعامل مع الدولة العبرية، والتي لم يعد من الممكن تجاهلها وتعليقها، والتي كلفت خلافاتها العرب في القرن العشرين حضارتهم وتطورهم وتنميتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويقترح البعض بالاستفادة من فكرة السناتور الأمريكي أوباما بالتحدث مع الأعداء وبغير شروط مسبقة، وتجنب لغة قرع طبول الحرب التي لم تجلب للمنطقة إلا زيادة التخلف والجهل والفقر والبطالة. فهل فعلا حان الوقت بعد الحروب المتكررة والخسائر الفادحة أن نبدأ دراسة الواقع العربي، بعيدا عن الانفعالات والخطابات الرنانة، وبعقل متفتح، وبتفكير يحلل التاريخ، ليتعامل مع تحدياته بنظرة علمية ثاقبة، يعتمد على الذكاء الشامل، وعلى حكمة تجارب الماضي، وبأسلوب حوار ديمقراطي بعيد عن الانفعال والشتيمة والتخوين؟
لقد أكد السناتور أوباما بكل حزم، وبدون تردد، باستعداده لأن يتحدث مع الأعداء، ليذيب جليد الحقد والعداء، وليتفهم من قرب وجهة نظرهم، وليطور حبل التواصل الإنساني معهم، وليحول الخلافات المرهقة لطاقات شعبه ومكلفة لميزانيات بلده، لفرص نجاح وربما لاستثمارات مستقبلية. وقد مرت اليابان بهذه التجربة بعد أن خسرت الجزر الشمالية بعد الحرب العالمية الثانية بدخول الجيش السوفيتي، واختلفت مع الصين وكوريا على حدودها البحرية. فقد تجنبت اليابان المجابهة، والتزمت بالسلم مع جيرانها، لتخلق أمنها واستقرارها، ولتطور قوتها التكنولوجية والاقتصادية. وحينما أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية، بدأت الحوار مع هذه الدول بحكمة ورزانة وذكاء، وطبقت الفلسفة اليابانية في الخلاف بالقبول بما يمكن من الكأس الملأ ومنع الدخول في صراعات تبقى الكأس خاليا. فاقترحت على روسيا بشراء بعض جزرها الشمالية، والتعاون معها لاستثمار الجزر الأخرى. وتعاونت مع الصين بزيادة التبادل التجاري وتطوير التكنولوجية الصينية، وعملت معها للتنقيب عن منابع النفط والغاز الطبيعي على الحدود البحرية المختلف عليها، وذلك بتزويدها بالتكنولوجية والأموال اليابانية، ومناصفة إرباحها بعد نجاح عمليات التنقيب.
تلاحظ عزيزي القارئ كيف استفادت اليابان من أخطاء الحرب العالمية الثانية، فتفرغت لبناء تكنولوجيتها واقتصادها وتطوير قواها البشرية، بينما تعاملنا نحن العرب مع الخلافات بانفعالات عاطفية بعيدة عن الدراسة والتحليل والحكمة. فتكررت الأخطاء، وزادت خسائر الحروب، وترافقت بضياع أراض جديدة. وتناسينا التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووجهنا اقتصادنا نحو الحرب، ليتخلف التعليم والتدريب، ولتتحول المنطقة لبؤرة لثقافة الموت والتطرف الفكري وإرهاب العنف، ولتهرب الاستثمارات الأجنبية المترافقة بتكنولوجية متطورة وتدريب القوى البشرية. فهل حان الوقت للمراجعة؟ وهل ممكن أن نقتنع بأن تفكيرنا القديم وأساليبنا التقليدية لم تكن منتجة؟ أليس من الحكمة أن نراجع فشلنا، ونختار أسلوب جديد للتعامل مع تحدياته؟ أم سنستمر تكرار انفعالاتنا العاطفية وأفكارنا البالية وسياساتنا الفاشلة؟ وهل ستستطيع المنطقة تحمل أية تصرف انفعالي لاعقلاني غير مدروس وغير محسوب نتائجه؟ أم حان الوقت للتأمل ودراسة التاريخ بحكمة واتزان، والاستفادة من أخطاءه لوضع إستراتيجية جديدة، تركز على خلق الاستقرار، وتطوير الاقتصاد، وتهيئة الشعوب لإصلاحات سياسية وقانونية واقتصادية، وإرجاع الحقوق المسلوبة والأراضي المنهوبة؟ وقد أثبتت ازمة الوول ستريت الأخيرة بأن العالم قرية صغيرة، يحتاج لجهود مشتركة ومتناغمة من جميع أفراده، للتعامل مع تحديات الألفية الثالثة من خلافات دينية وعرقية وحدودية، ومن نقص في الماء والغذاء والطاقة، والتلوث البيئي، ومعضلات التعليم والرعاية الصحية، ومشاكل الجهل والتخلف والفقر. ولن تستطيع شعوب منطقة المينا التعامل مع هذه التحديات إلا إذا تكاتفت في قوة إقليمية، وتعاملت مع خلافاتها بحكمة. ولنتذكر بأن أوروبا الضعيفة المتحاربة، تحولت لوحدة قوية وثرية، بتناسيها صراعات الماضي وتفرغها لبناء المستقبل. والسؤال لعزيزي القارئ: هل حان الأوان لحوار دول المينا إستراتيجية مدروسة لحل خلافاتها؟ ولنا لقاء.
سفير مملكة البحرين في اليابان