قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

معجم المفاهيم الضرورية (5):

لقد كنتُ قبل اليوم أنكر صاحبىnbsp;nbsp; إذا لم يكن دينى إلى دينه دانى
وقد صار قلبى قابلاً كل ملّةnbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp; فمرعى لغزلان وبيـت لأوثان
وديـر لرهبان وكعبة طائـفnbsp;nbsp;nbsp; وألواح تـوراة ومصحف قرآن
أديـن بدين الحبّ أنىّ توجهتnbsp;nbsp;nbsp; ركائبه فالحب دينى وإيمانى
ابن عربى

nbsp;

في اليونانية quot;الآخر هو احد الشيْئين المتعارضينquot;، هو ضد الأنا. معنى الآخر في العبرية لا يختلف عنه في اليونانية. في العبرية هو المغاير مغايرة راديكالية. للصديق شمعون بلاص رواية في العبرية quot;وهو آخرquot;، أي مرتد وملعون. عرّبت العربية القرآنية، فيما عربت من العبرية، الآخر بلفظه ومعناهquot; الآخر (هو) أحد الشيئينquot;. ويضيف quot;لسان العربquot;: quot;وهو الآخر بمعنى، غير، كقولك رجل آخر وثوب آخر. والآخر صفةquot; وليس اسما. بهذا المعنى اليوناني ndash; العبري ndash; العربي نجده في ثلاث آيات قرآنية: quot;وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًاquot; (102 التوبة)، quot;وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِquot; (41 يوسف)، quot;الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَquot; (96 الحِجر). الفرق بين الصالح والسيء، وبين مَن يقدم الخمر قربانا لربه ومن يُصلب وبين الشرك بالله وتوحيده، فرق صارخ.
أما الآخر ndash; الشريك Autrui الذي حولته الفرنسية إلى مفهوم فهو غير الآخر Lrsquo;Autre العدو الذي لا تُرجى مودته. الآخر ndash; الشريك quot;اوترويquot; ليس أنا آخر غير الأنا، بل هو انا آخر للأنا. هما روحان حَلَلنا بدنا واحدا كما يقول ابن الفارض عن إتّحاده بربه. لكن الآخر في اليونانية والعبرية والعربية هو القريب من الحقيقة التاريخية. وهو الذي استشفّه الخيال الفلسفي. هيجل اعتبر الآخر quot;منافسا بلْهَ عدواquot;. علاقة الإنسان بالإنسان هي علاقة صراع وquot;حرب الجميع ضد الجميعquot; كما تخيّل هوبز حالة التوحش، quot;حالة الطبيعةquot; الافتراضية التي عاشها الإنسان قبل توقيع quot;العقد الاجتماعيquot; بين المتوحشين وحكامهم، تخلّى فيه هؤلاء عن حريتهم مقابل الأمن الذي تعهد حكامهم بضمانه لهم.
حالة التوحش ليست افتراضية إلا بالمخرج العقلاني الذي وضعه الفلاسفة لها. كثير من القرائن التاريخية والحفريات الباليونتولوجية (علم الأحافير) تشير إلى أن أشباه الإنسان - بريمات Primates - منذ انفصلوا عن ابن عمهم الشامبانزي قبل 8 أو 6 مليون عام وهم يكابدون فوضى دامية. لمن ما زال يشك في القرابة البايلوجية بين الإنسان والقرود العليا، خاصة الشامبانزي، أذكّره بهذه الواقعة البايلوجية المقنعة: الفارق البايلوجي بين الحمار والفرس هو 4 جينات ومع ذلك ينزو عليها فتنجب منه البغل العقيم والحال أن الفارق بين الشامبانزي والإنسان هو جينة (= مورّثة) واحدة. وهكذا فبإمكان القرد والإنسان أن يتزاوجا فينجبان quot;القرد سانquot; غير العقيم ربما. نعلم من علوم الأعصاب والسايكولوجيا التطورية أن الإنسان عاش على الصيد وجني الثمار طوال 2,5 مليون عام. خرج من هذا العصر منذ 10 او 7,50 آلاف عام ليبدأ الاستقرار في حواضر ويعيش من الزراعة. لكنه لم يخرج من التعود على قتل الآخر (الحيوان والإنسان والطبيعة) الذي ظل مبرمجا في دماغه إلى اليوم. هل لم يعرف الإنسان ndash; القرد والإنسان البدائي الآخر إلا كعدو مرصود للقتل؟ كلا. بل عرف أيضا التعاطف مع الآخر؛ مع الإنسان المتألم. لكن غالبا عندما يكون من ذوي قرباه. ما كان بإمكانه أن يحافظ على نسله، الذي يتطلبه قانون الانتخاب الطبيعي، لو كان يقتله بانتظام. الحيوان أيضا عرف التعاطف مع نسله إلى حد المجازفة بحياته أحيانا من أجله. وعرف أيضا، مثل الإنسان، حالات غير نادرة من التعاون والتضامن مع بني جنسه وكما اثبتت ذلك الإثولوجيا Ethologie أي علم دراسة سلوك الحيوانات الوحشية الطليقة، بوقائع لا شك فيها. ليس فقط لدى القرود العليا بل أيضا لدى بعض الحيوانات الأخرى كالطيور. إذن قتل الآخر والتعاون معه، حسب متطلبات الانتخاب الطبيعي، مبرمجان كلاهما في دماغ كل من الإنسان وشقيقه الحيوان الذي يعيش هو الآخر في مجتمعات وسلوكيات شبيهة بمجمعات الإنسان وسلوكياته في كثير من جوانبها: مما يشير إلى أن الإنسان قد مرّ في مسار تطوره، من باكتيريا وحيدة الخلية في المحيط البدائي منذ ما يقرب من 4 مليار عام، إلى الإنسان كما هو الآن، بأطوار المجتمعات الحيوانية التي يدرسها العلماء اليوم.
التعاطف مع ذوي القربى أو quot;حب القريبquot;: quot;تحب قريبك كما تحب نفسكquot; موجود أيضا في اليهودية كما في الديانات القديمة المسكونة بالاثنية المركزية أو النرجسية الجمعية، لكن quot;القريبquot; لم يكن لا العبد ولا المرأة ولا الغريب عن الدين، الذين كانوا يعاملون كشيء، كسقط المتاع. الإسلام أيضا عامل quot;القريبquot; كما عاملته اليهودية. quot;القريبquot; هو المؤمن: quot;لن تؤمن حتى تحب لأخيك (= المؤمن مثلك) ما تحب لنفسكquot; يقول حديث. ويقول حديث آخر: quot;دم المسلم على المسلم حرامquot;. لكن ماذا عن دماء غيْر المسلمين؟ لا شيء. quot;لا يقتل مسلم بكافرquot; وديّة غير المسلم والعبد والمرأة نصف دية الرجل المسلم الحر.
دشنت الفلسفة الرواقية في القرن الرابع قبل الميلاد التآخي مع الآخر بلا قيد و لا شرط. وقدمت على ذلك رمزين قويّين. ابرز ممثليْ الفلسفة الرواقية هما Epicegrave;te (القرن الأول قبل الميلاد) الذي تفلسف وهو عبد قبل أن يُعتق وقيل أنه لم يُعتق، والرمز الثاني هو MARC AUREL (القرن الثاني بعد الميلاد). لكن هذا الإمبراطور الرواقي لم يتدخل لإيقاف اضطهاد المسيحيين في إمبراطوريته. هل لدواع سياسية. أم كاستثناء غريب من الفلسفة الإنسانية الكونية الرواقية؟ من الصعب مطالبة امبراطور بالأمس، ولو كان فيلسوفا، وزملائه اليوم بأن يكونوا منطقيين مع أنفسهم!
الاختراق الحقيقي لاضطهاد الآخر ولتدشين حب الإنسان بما هو إنسان كان في المسيحية. مسيحية المسيح. quot;القريبquot; لم يعد العشيرة القريبة ولا المؤمن بل غدا جميع الناس بمن فيهم العدو. خطبة الجبل أو quot;عظة الجبلquot; تمثل عن جدارة أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان منذ ألفي عام quot;تعلمتم، قال السيد المسيح، quot;أحبب قريبك واكره عدوكquot; وأنا أقول quot;أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، واعملوا المعروف مع من يكرهونكم، صلّوا من أجل من يسيئون إليكم ويضطهدونكم لتكونوا أبناء أبيكم الذي هو في السموات؛ لأنه يجعل شمسه تشرق على الأشرار والأخيار، وينزل مطره على العادلين والظالمينquot;. كلمات يسوع المضيئة هذه جديرة بأن يتعلمها النشء مهما كان دينه منذ نعومة أظفاره لينس الرد على الحقد بالحقد وعلى الثأر بالثأر وعلى السيئة بمثلها. وهي ردود فعل ضد الآخر quot;المنافس والعدوquot; مبرمجة في أدمغتنا منذ 2,5 مليون عام؛ بل ربما منذ ليل التاريخ، منذ كنا قرودا نعيش في قطعان بدائية تمارس البطش وتكابده في آن. لكن هل قسوة الإنسان على الإنسان الآخر، وقتل الإنسان للإنسان الآخر وقتل الإنسان للحيوان الآخر، وتدمير الإنسان للطبيعة الأخرى والاستهتار بحقوق أجيال المستقبل قدر مَقدور علينا إلى الأبد الأبيد؟ في السيناريو المتفائل: لا. أكيد، دماغنا مبرمج لارتكاب هذه الجرائم ولم يقصّر في ارتكابها على مر العصور. لكن علوم الأعصاب والسايكولوجيا التطورية تقدم لنا بشارة ثمينة: هذا الدماغ قابل لإعادة البرمجة بالتعليم والإعلام. دماغ الحيوان يولد مبرمجا فيمشي الحيوان الوليد غالبا فور ولادته. أما دماغ الإنسان فيولد بكرا إذن قابلا لإعادة البرمجة، لإعادة التأهيل، للتشبع بقيم جديدة تزرع فيه حب الآخر: quot;احبو أعدائكم وباركوا لاعنيكم، صلوا من أجلهمquot;. أعيدوا برمجة أدمغة الصغار ndash; وهم على مقاعد الدراسة - ، أعيدوا تشكيل نظرتهم للآخر؛ جددوا في العمق رؤاهم للآخر، للفرد، علموهم إلقاء نظرة جديدة على الماضي ونظرة واقعية على الحاضر ونظرة متفائلة على المستقبل، علموهم المغامرة بارتياد ثنايا الفكر الواعدة ليتشجعوا على ارتياد آفاق أخرى ممكنة تغير رؤيا الأجيال الطالعة للآخر. رهان البشرية المعاصرة هو التعليم. تعليم يعلّم النشء الفكر النقدي الذي يستدعي جميع الادعاءات للمثول أمام محكمة العقل، يعلمه أن يكون حرا ومسؤولا، مستقلا في تفكيره ونمط حياته وفي الوقت ذاته متضامنا مع البشرية المتألمة حيث كانت، ومحترما للآخر بما هو آخر، يؤمن إيمانا مختلفا عنا ويفكر تفكيرا مغايرا لتفكيرنا ويقوم بتصرفات لا ترضينا دائما، في أرض الإسلام حيث تسود نرجسية جمعية دينية هاذية لا ترضى بأقل من إدخال البشرية كلها في الإسلام طوعا أو كرها، لم نتعلم بعد احترام الآخر بما هو فعلا آخر، أي كما يقدم نفسه لا كما نريد نحن أن يكون على صورتنا التي يخيّل لنا الهذيان النرجسي الديني أنها أحسن صورة ممكنة. ضرورة تعليم وإعلام يصححان هذا التصور للآخر وللذات هي اليوم ملحة. في مدارسنا بل وأيضا في رياض أطفالنا نُعلّم الأطفال الجهاد والاستشهاد وكراهية النساء والكفار والمتغربين والمتفرنسين والعَلمانيين. ماذا أقول؟ بل حتى كراهية الأم التي لا تحمل الحجاب والنقاب والأب الذي لا يرتدي الجلباب الأفغاني الأبيض كالكفن. واليكم: quot;هذه القصة التي تناولت موضوع الحضانة كمثال: للمؤسسات التي تدعو لهذا الفكر (السلفي). عندي مثال حي لاستدلال عليها. كنت جالسا... وإذا بتليفون المنزل يرن فأخذت السماعة وقبل أن أتكلم وجدت شقيقيتي تقول وبسرعة: إن أبنتي قالت لي إن التلفزيون حرام، كما سألتني لماذا لا تلبسين نقابا؟ ولماذا أبي ليس له لحية كبيرة؟ ولماذا لا يلبس جلبابا قصيرا..؟ وأسئلة كثيرة تعلمتها في الحضانة التي كنا نعتقد أنها ستعلم ابنتي القراءة والكتابة فقط. ولكن قبل أن تتعلم القراءة والكتابة تعلمت كيف تكفر كل شيء حولها. وكيف تريد أن تحول كل من حولها إلى النموذج الذي شاهدته في الحضانة ورسخ في ذهنها. وبالتالي سيظهر كل من حولها أنهم على خطأ.... كيف أتصرف؟ بصراحة.. أجبتها: لا ترسلي ابنتك إلى تلك الحضانة بعد اليوم لأنها الشهر القادم من الممكن أن تكفرك أنت ووالدها..quot; (رضا عبد الرحمن علي: نشر الفكر السلفي يبدأ من الروض، اليومية quot;الأحداث المغربية).
يحدث هذا في مصر المسلمة. أما في بريطانيا الكافرة فيتعلم الطفل كراهية جميع أشكال العنف ، وتعيد المدرسة صياغة شعوره ولا شعوره باحترام الآخر بإطيقا الضيافة. الآخر المعاصر هو الإنسان والحيوان والطبيعة والأجيال المقبلة. عدم انتهاك حقوق هذا الآخر وعدم السكوت عن انتهاكها هو ما يجب أن تقدمه المؤسستان المدرسية والإعلامية - وفي حدود الإمكان الدينية ndash; لمعاصرينا. من الضروري تدريس مبادئ التنمية المستدامة التي تضمن حقوق الآخر، أي أجيال المستقبل في كوكب تطيب فيه الحياة، وتدريس اللاعنف وفوائد نزع أسلحة الدمار الشامل وتحريم امتلاكها ونزع السلاح تدريجيا بقدر ما تقوم مؤسسات دولية وعالمية تتكفل بضمان حقوق جميع الدول والشعوب والتآخي مع المؤمنين بجميع الأديان بما فيها الوثنية التي يؤمن بها 56% من ساكنة الكوكب، ووضع الذات موضع الآخر كوسيلة مثالية للتخلص من الجمود الذهني الذي جعلنا لا نتفاوض إلا مع أنفسنا ولا ندخل في أي حوار سوى حوار الطرشان، حتى حوار الأديان الجاري رسم له ملك السعودية هدفا quot;هو مقاومة الإلحاد في العالمquot;! دائما لا نعرّف أنفسنا إلا تعريفا سالبا ضد الآخر.
أعلن أمس (11/ 12/ 2008) جلالة ملك المغرب محمد السادس quot;عن سحب المملكة المغربية للتحفظات المسجلة بشأن الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأةquot; التي سجلتها الدول العربية التي قبلتها متحفظة على المساواة في الإرث وغيرها من التمييزات الشرعية ضد المرأة. تحديث هذه الذهنية الإسلامية العتيقة يمكن أن يتحقق خلال جيل واحد بتدريس هذه الاتفاقية في الإعدادي والثانوي وكذلك الاتفاقية الدولية لحماية حقوق الأقليات والـ 31 مادة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان - كما تفعل تونس والمغرب - هذه المواثيق احتوت على المبادئ الأساسية لقيم الفلسفة الإنسانية التي قامت عليها الحضارة الحديثة والتي من دونها نعود إلى الشريعة؛ شريعة الغاب.
تواجه البشرية المعاصرة تحديات في مقدمتها تحدي النكوص الى الهمجية على طريق صوْملة الإرهاب الإسلامي للعالم الإسلامي وربما للعالم؛ أو عن طريق حرب عالمية نووية ثالثة تجد البشرية نفسها واقفة أمامها سنة 2014 عندما يتضاعف عدد الدول النووية؛ أو كارثة ايكولوجية سنة 2029 عندما تصاب الطبيعة بدمار لا إصلاح له.
nbsp;إذا لم نتعلم احترام الآخر: الإنسان، الحيوان والطبيعة وأجيال المستقبل فسنقف في مستقبل منظور على شفير الهاوية وفي الساعة الخامسة والعشرين: عندما يصبح كل إنقاذ ضربا من المحال!