الأحد 11/1، ظهراً

أتواجد في مستشفى quot;ناصرquot;، ثاني أكبر مستشفيات القطاع، بعد مُجمّع quot;الشفاءquot; الطبيّ بغزة. يخدم هذا المستشفى، سكانَ مدينتي خان يونس ورفح مع قراهما. لا أقلّ من نصف مليون مواطن. ولهذا فهو يعمل كخلية نحل في الأوقات العاديّة، فما بالك في أوقات الحرب؟
يتقاطر الآن أهالي الشهداء والمصابين من المناطق الشرقية المحاذية للحدود. ثمة قصف مكثف منذ الصباح، في كل مِن عَبَسَان الصغيرة والكبيرة وخُزاعة. ثلاث قرى تتعرّض- ما زالت - لصواريخ الإف 16 وقذائف الدبابات. الجديد اليوم، هو قنابل الفسفور الأبيض. سلاح مُحرّم دولياً ومن أشدّ الأسلحة المُحرّمة فتكاً وحرقاً. كل الحالات التي رأيتها، لعشرات المدنيين، كانت محترقة وبعضها متفّحم، في مكان الإصابة. الخطورة في هذا السلاح، أنه يُلحق تشوّهات دائمة. فالحرق عميق، ويتجاوز الجلد إلى العظام. ورغم خبرة الأطباء الفلسطينيين الطويلة السابقة، إلا أنهم عاجزون أمام هول وتأثير تلك المقذوفات الجهنمية.
يقول لي بروفيسور مصري، ممن قدموا لنجدتنا، وممن له خبرة في هذا المجال، إنّ هذا السلاح يُستخدم فقط، عندما يريد جيش إفناء جيش، وحرق معدّاته. فكيف يُستخدم الآن ضدّ المدنيين العُزّل؟ إنها جريمة حرب بكل المعايير والأعراف.
أُغادر غرفة الاستقبال، فلم يعد في قدرتي احتمال المزيد. في الطُرقة، أرى على نقّالة الإسعاف، طفلاً وأمّه، وأرى النصف العلويّ من الطفل سائحاً تماماً. جلد الوجه أسود ومحترق، والعينان ممحوّتان، أمّا منطقة الصدر فتُبقبقُ بالدم.
أمشي خطوات، ثم لا أتمالك نفسي، تحت رغبة مُلحّة في الترجيع. ثمة باب مرحاض على يميني، أدلف بسرعة، وهناك، في الحوض النظيف، أتقيّأ بشكل مُرعب. لم أفطر منذ الصباح، فما الذي أقذفه الآن؟ لكأنني أقذف أمعائي.
أتمضمض بالماء، وأئن من إرهاق غريب. كل هذا الخَوَر جاءني من أين؟ يراني طبيب معرفة، فيدعوني لتناول كوب عصير في مكتبه. يسألني هل تعاني من القلب؟ كلا، فقط تحرّكت معدتي من هول المنظر. ينصحني بعدم الاقتراب. هذه مناظر شديدة الوطأة حتى علينا نحن الأطباء. أسأله عن الفسفور الأبيض، وأسأله هل هناك ألوان أخرى للفسفور؟ وماذا يفرق لون عن لون. يقول لا أعرف. فهذه أسئلة تخصّ الجنرالات لا الأطباء.

الأحد عصراً

أجلس مع شاب في الفناء، ويُحدثني عمّا رآه أمس، هناك في قرية بني سُهيلا. كانوا في منزلهم، وجاءت طائرة لم يروها، وألقت بمظلّيٍّ ومعه سلاحه الخفيف. كان شباب المقاومة، من بيوت مختلفة يراقبون المشهد الاستثنائي. ما إن اقترب المظليُّ من سطح الأرض، حتى خرج بعضهم وعاجله بالرصاص. في هذه اللحظة بالضبط، كانت طائرة استطلاع من نوع quot;الزّنّانةquot; تحوم في الأجواء كعادتها. فألقت على المُقاومين صاروخين. استشهد منهم ثلاثة، واُصيب الباقون.
حين ذهبت الزنانة، وهرع الشباب للإسعاف، كانت المفاجأة التي لم تخطر ببال أحد. كان المظليُّ مع سلاحه مجرد quot;دُميةquot;. دمية شديدة الإتقان، حتى أنك لا تتبيّنها إلا عن كثب!
لقد وقعوا في الخديعة.

الأحد مغرباً

أكتشف أنني أُدخّن منذ الصباح على الرّيق. أشعر بالجوع، وأيضاً بالبرد. أغادر المستشفى، بحثاً عن مقهى إنترنت، لأُرسل يوميّاتي لإيلاف. الشبكة في المستشفى مقطوعة، وبين الساعة والساعة تعمل، لكنْ بضعف واضح. أنزل إلى وسط البلد بسيارة أجرة، وهناك أجد الكهرباء مقطوعة، فأستاء لسوء الطالع. المقاهي العاملة على مواتير الكهرباء، جدّ قليلة. فالبنزين والسولار، بعد قصف الأنفاق، أصبحا نادرين ومرتفعي الثمن، على نحو لا يحتمله صاحب المقهى. فالروّاد، وغالبيتهم في الأوقات العادية، من الأطفال والفتيان، قليلون بحكم الأوضاع. لذا يُقفل أصحاب المقاهي أبوابها، ولا يعملون إلا بعودة الكهرباء.
ألفُّ وأدور، وأخيراً أجد واحداً منها يعمل. أُرسل المادة بمشقة، وأقوم للبيت.
في البيت، ما إن أدخل، حتى تصطفق الشبابيك. صاروخ من الإف يسقط على حمّام زراعي، في منطقة الأحراش المكشوفة، بجوارنا.أولادي يقولون إنه بيت أبو أسامة. فقد أخبروه منذ أيام بضرورة الإخلاء. يهرع الأولاد للبيت القريب، وتواصل أمي الدعاء والحوقلة.
يعودون بالخبر المفرح: بيت أبو أسامة (وهو طبّاخ الحَيّ) بخير. تتعالى دعوات أمي بالشكر والحمد.
الكهرباء، هنا أيضاً مقطوعة. نتدبّر الحال بإضاءة لمبة الكاز. عندي لمبتان بزجاجتين إحداهما مهشّمة من الرأس. لا زجاجات في السوق. ولا حتى فتائل. الغريب أنّ التجار من أسبوعين، شرعوا يبيعون الزجاجات المكسورة بثمن الزجاجات الكاملة. ومع هذا، لا مكسور في السوق. مَن تنكسر زجاجته، سيقضي لياليه على ضوء الشمع. والشمع غال ومغشوش. الشمعة تشتعل لمدة ربع ساعة فقط. لذا أحرص أشدّ الحرص على الزجاجتين. لا أدع زوجتي ولا أمي تقتربان منهما. أُنظفهما من السخام، وأملأهما بالكاز، ثم أُعلقهما على مسامير دققتها خصيصاً في الجدران. هذه هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على مصدر النور الوحيد. أُعنّفُ الأولاد، لو حمل أحدهم لمبة بيده وتنقّل بها بين الغرف. تكفينا الانفجارات ويكفينا البرد، فلا أقلّ، لو حصل طارئ، من أن نراه، لا أن يفاجئنا في العتمة.
أطلب منهم تجهيز العشاء، فأعود إلى نفس الموال. بابور الفتيلة فارغ. كنت حذّرتهم من التعامل معه، خوفاً من حريق، كما حصل مع جارة لنا. أقوم وأملأ البابور بمادة السولار السوداء المستخدمة كوقود للسيارات. لا مفرّ. نضيف إلى هذه المادة بعض الملح، ونتركها ساعات، ثم نستخدمها كوقود للطهيّ. الحاجة أمُّ الاختراع!
أُشعل البابور أيضاً، فمحذور عليهم إشعاله، لأنّ إشعاله قصة. أولاً ترفع الموقد عنه، ثانياً، ترفع الحديدة الكبيرة المخرّمة المحيطة بالفتائل من الخارج، ثالثاُ، وهذه تحدث أحياناً، ترفع الاسطوانة الداخلية التي تحيط بالفتائل الثمانية من الداخل لتوازنَ النار. ثلاث عمليات، مع السخام الكثيف الذي يطلقه السولار، تجعل زوجتي وبناتي غير المتعوّدات، مستنكفاتٍ عن العملية برمّتها. إنهنّ يفضّلن الانتظار، حتى تنتظم النار الصفراء المُدغِّمة، فتتحوّل إلى نار بلون أزرق، ويخفُّ السخام.

آكل ما اتفق، وأُصرّ على تسخين الخبز مهما كان السخام. كل العائلة تفضّل أكل الخبز بارداً، ولا أن يتبشّع الرغيف بالسواد والرائحة. المشكلة أنّ ما توفّره من وراء السولار تدفعه أضعافاً لموادّ التنظيف. فكل أواني مطبخك تتوسّخ. إنما، كما يقولون، المضطر يركب الصعب. فلا كاز ولا غاز وبعد قليل: لا سولار!

الأحد ليلاً

آكل وأستمع للإذاعات المحلية من جوال الأولاد. يأتيني الخبر المؤلم: قصفوا للتوّ مبنى وزارة الثقافة المركزي بغزة. المبنى الجميل (بل أجمل مباني السلطة كلها) فهو عبارة عن فيلا في منطقة الرمال الراقية. منطقة هادئة ومكان أنيق بثلاث طبقات وحديقة واسعة، مع أشجار وماء وبلاط أحمر. شهدت ميلاد هذا المبنى منذ البدايات. حين كان فيلا بمسبح لأخ غزاوي مسيحي، رأى بعد بناء برج سكني بجواره، أن يعطيه للسلطة، مقابل مساحة من الأرض على شاطىء البحر. كان من المباني القليلة التي تمتلكها السلطة ولا تستأجرها. عشت في هذا المبنى 14 سنة تقريباً. ولي معه وفيه ذكريات عمر. صداقات ومعارف وقراءات. إلتقيت في غرفه بالعديد من الأسماء المعروفة، كلٌ في مجاله. فنانون وشعراء وروائيون وصحفيون وساسة. الآن يُردم ويمسي كومة من أنقاض. واأسفاه! أتابع بقلق خبر الوزارة، وأفتح على عدة موجات بثّ. الجميع يؤكد على تدمير المبنى بالكامل.
حين زارنا بعض الزملاء العاملين بالضفة، غبطونا على روعة المبنى. قالوا هو أجمل وأروع من مقرّ الوزارة المركزي برام الله. فالأخير عمارة مؤجّرة، ولا توجد بها لمسات فنية وذوق مرهف كما هنا.
أشعر بحجر في زوري. أقوم إلى الغرفة الثانية، وأفكّر ببعض الأصدقاء وذكرياتنا معاً: غالب شعث المخرج السينمائي. محمد القيسي الشاعر. أحمد دحبور، حسن خضر، د. محمد الديب، فايز السرساوي الذي كان له فضل الإشراف ووضع اللمسات، وسواهم وسواهم. كل مثقفي غزة وفنانيها مرّوا من هنا يوماً. تُرى: هل احترقت الكتبُ واللوحات واللُقى الأثرية والمخطوطات؟ لي أوراق شخصية هناك. أوراق تقاعست عن أخذها، والأغلب أنها احترقت.

وداعاً أيها المبنى الجميل!

الأحد قبل المنتصف

أغفو دون انتباه، وأقوم للتبوّل. الظلمة حالكة. أعود للفراش، وفجأة تأتي الكهرباء.
أقوم لجهازي، وأعدّ غلاية شاي، ثم أشرع في كتابة هذه الكلمات.

الاثنين صباحاً

أعود لمستشفى ناصر. بي رغبة في إجراء لقاء صحفي مع الطبيبين المغربي واليمني.
لم أُجرِ لقاء صحفياً مع أحد من قبل. أُصرّ دائماً على أنني كاتب لا صحافي. ثمة فروق. لكنني اليوم، وتحت تأثير الحالة، مستعدّ لكل الأمور التي من شأنها إضاءة ولو سنتيمتراً واحداً من الحقيقة. فما يحدث من حرب الفظائع هذه، لم يصل بالقدر الكافي، ولا بحدّه الأدنى، لا في إعلامنا العربي، ولا (وبالأخصّ) في الإعلام الغربي.
ثمة تعتيم غير مسبوق في تاريخ دولة إسرائيل. تعتيم داخلي على مواطنيهم، وتعتيم خارجي على مواطني كل العالم. فإسرائيل لا تسمح حتى كتابة هذا المقال، بدخول صحافيين أجانب إلى داخل القطاع. تسمح لهم فقط بالتغطية من مشارف حدودها المتاخمة لأرض الهول. فماذا يفعل الصحافي الأجنبي؟ يتعامل مع المتاح: يقبع خارج الجحيم ويُغطّي! هل هذه تغطية؟ هل هذا عمل مهني؟ لذلك لا غرابة إنْ رأينا ردّ فعل الشعوب الغربية والأمريكية ضعيفاً حتى اللحظة.
أما الصحافيون العرب، فغير مسموح لهم بدخول القطاع من بوابة إيرز. ولا من معبر رفح. فهل نأمل بدخولهم من هذا المعبر في القريب؟ آمل ذلك. فكما دخل الأطباء العرب، ننتظر دخول الصحافيين.
إنّ ثمة الكثير من العمل في انتظارهم. فنحن الكتّاب والصحافيين الغزاويين قلّة. وخبراتنا لا تعد بالكثير، ناهيك أننا نتساقط يوماً بعد يوم. لقد مات منا ثلاثة لحدّ الآن. ولا جُدد ترفدنا بهم الساحة. فضلاً عن إمكانياتنا المادية والأدواتية المحدودة جداً.

أذهب وأسأل عن الطبيبين، فيُقال لي بأنهما مشغولان بالتطبيب العاجل. أنتظرُ وأمرُّ على أروقة المبنى. أعود المصابين. وأجلس مع الأهالي في فسحة الشمس. الطيران متواصل. طائرات الإف تعبر السماء بين الفينة والأخرى. نتوجّس شرّاً. فما ظهرت هذه الطائرات إلا قصفت. ما يُطمئننا أحياناً أنها تعبر في طيران منخفض. يُقال إنها في هذه الحالة لا تهجم ولا تطلق صواريخها المدمّرة. تحتاج إلى الطيران العالي لتفعل. ننظر ونتابعها في السماء. لا نرى غير خط أبيض باهت. الأهالي يعودون لشجونهم وشئونهم، مواصلين ما انقطع من حديث عن الحال والأحوال. ألاحظ عدم تدهور حالتهم المعنوية، مع أننا في اليوم السابع عشر للحرب. معنوياتهم عالية. عالية فعلاً. فأمام هذا الإجرام والجنون، لا أقلّ من الثبات والتلاحم والتكافل. لقد عادوا إلى ميراثهم الأول، ميراث الترابط في الأزمات، بعد زوبعة القسمة والافتراق. ما عجز عنه قادتهم من الجهتين، فعلته الحربُ: أعادت لهم اللُحمة!
لا أظنّ أنّ هذا كان في حسابات إسرائيل!

الاثنين ظهراً

لم أجد الطبيبين المقصودين. انتقلا إلى مستشفى الشفاء أمس مساء. هكذا أعرف بعد جهد جهيد، من السؤال والبحث والدوران بين الطوابق. أسأل إن كان ثمة أطباء غير مصريين في المستشفى الأوروبي، بين رفح وخان يونس، فتتصل الإدارة بهم هناك، ويأتي الجواب: لا. كلهم مصريون. حسناً، لا بأس. ضاعت فرصة إجراء لقاء صحفي مع جنسيات عربية، لكنْ، كما قيل لي، فثمة فرصة لهذا اللقاء مع أطباء فرنسيين سيصلون الليلة. ألاحظ أن الوفود الطبية بدأت تتلاحق، وهذا مؤشر مطمئن. إذ نحن في مسيس الحاجة لخبراتهم وتخصصاتهم.

* أرى رفيقاً قديماً في باحة المستشفى الخارجية. أُسلّم عليه، وأعرف منه سبب مجيئه إلى هنا. أحد أقربائه في رفح، مصاب وفي حالة الخطر القصوى. أرى أقرباء صديقي، بنظراتهم الساهمة، وتوتّرهم، وأحدس أنّ المصاب الشاب سيموت عمّا قليل. صديقي من (حزب الشعب)، الحزب الشيوعي سابقاً، وهو ككل رفاقه، عقلاني في تحليله للأمور. إنه مستاء جداً من طريقة إدارة حماس لهذه الحرب. وله ملاحظات عميقة على أسلوبهم في الكلام والتصرّف. يقول: أخشى النتائج. أخشى نجاح إسرائيل في تحقيق هدفها الاستراتيجي، وهو ترسيخ كيانيْن ضعيفيْن مقطوعَيْ الصلة بجوارها، كيان السلطة في رام الله، وكيان حماس هنا. هذا هو هدف هذه الحرب. يقول: إسرائيل معنية ببقاء الاثنيْن متنابذين وضعيفين. لذلك لا بدّ من الانتباه. لا بد من الحذر. لا بد من صحوة في كلا الجانبيْن. فكلاهما لم يكن على قدر هذا التدمير الإبادي للبشر والحجر. أُنصت إليه، وأأسى لصوت العقل المغترب، لحظةَ اندلاع الجنون.
* أصعد إلى الطابق الثالث من المستشفى. أمرُّ على الموظف الموكل بإعطاء آخر الإحصائيات. إنه المصدر الرسمي المسئول في quot;ناصرquot;. يعطيني الأرقام التالية: السبت 10/1 ، 18 إصابة غاز + حروق + شهيدة واحدة (41 سنة _ أشلاء). يوم الأحد 11/1، 64 إصابة معظمها غاز. وشهيد واحد _ أشلاء.
يا لها لغة الأرقام كم توغل في التجريد والتقشف! في سطريْن أُختزلت حياةُ خمسةٍ وثمانينَ حياةً! خمسة وثمانون، كل واحد منهم له حكاية ورواية وذكريات وملايين التفاصيل. كم يُجحفُ (الرقمُ) في حقّ شعبنا! أرقام تمرّ وتنزلق من على ضمير العالم المالس. أنظر في وجه الموظف الحيادي، وأقول لنفسي: معه حق! لطالما عاش في مجزرة الأشلاء هذه، ولطالما رأى في السنوات الثماني الماضية. ولو كان مثلي ينفعل، لكان مات مِن زمان. فلا بد من وضع مسافة بينك وبين ما ترى. هذه قاعدة ذهبية يعرفها الأطباء والأدباء بشكل خاص. العمل من قلب الألم، والكتابة من قلب الحدث، بلا مسافة، شيءٌ لا يَعِد بالكثير.

* الاثنين عصراً
أشرع في مغادرة المستشفى. على الباب الخارجي، أسمع مَن ينادي عليّ. ألتفت للوراء. إنها سكرتيرة صديقي الطبيب الشاعر. وبعد ثوان، يظهر صديقي مهرولاً ناحيتي. خير؟ يردّ بأنه مرّ على بيتي ولم يجدني. يريدني لأمرٍ هام. أبتسم. لم أغادر المستشفى يا رجل! وأنا مَن مررتُ على مكتبك عدة مرات، فلم أجدك. يقول إنه يريد أن يجمعني بالأطباء المصريين، في جلسة خارج إطار العمل، لأضعهم في الصورة، سابقاً وحالياً ولاحقاً. فأنت quot;مثقف، ولديك قدراتquot;. أضحك هذه المرة. كم تحسن الظنّ يا صديقي! حتى أنك تطالبني بلا أقلّ مِن دور quot;بومة أثيناquot;، أو حتى quot;ثيريسياسquot;. كلا. أجلس معهم، نعم. إنما بلا quot;مُهمّاتquot;. فأنتَ تنسى دائماً أن بومة أثينا تأتي، حين تأتي، بعد فوات الأوان!
مررنا على غرفة الأطباء، فلم نجدهم. وجدنا أحدهم، فعرضَ عليه صديقي أن نتغدّى معاً. اعتذر الضيف وقال إنهم سيتغدّون جماعة. نزلنا وعلى الدرج، قلت لصديقي إنّ أفضل ما أفعله الآن هو الرجوع للبيت والنوم فوراً. النوم؟ إنه طعام ثان كما يقول شكسبير. وحاجتي إليه أقوى من طعامكمquot; الباهتquot;، وحتى من طعام الزوجة. يضحك صديقي، الذي أصبح مديراً للمستشفى، وترك اختصاصه كطبيب تخدير مرموق. أودّعه على الباب، وأركب سيارة، وأمضي.
أصل وأنام كالقتيل. لا أكْل ولا تبديل ملابس. أقوم على أذان العشاء، شاعراً بفيض من القوة. أجلس لأتابع القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي. فالكهرباء جاية، وهي فرصة.
أقفل الجهاز بعد لحظات. حاجة مسخرة: يُشبّهون quot;أولمرتquot; ب quot;هاملتquot; أمير الدانمرك. إيش القصة؟ فقبل أيام، في quot;يديعوت أحرونوتquot;، شبّهَ ناحوم برنياع وشمعون شيفر، باركَ أيضاً بذلك الأمير. يا عيني! إذا كانَ [سيلٌ بهذا الطول، من الناس، بحيث ما كان ليدخلَ عقلي، أنّ الموتَ قد طوى هذه الكثرة](quot;الجحيمquot;، دانتي) قد سال في غزة، وإذا كان أولمرت نفسه قالَ اليومَ ب quot;إنه سيواصل ضرب غزة بيد من حديدquot;، فهل يصح يا عباقرة عصركم، أن نُشبّه قَتَلتكم بكل هذا التردد؟ ترى لو كانوا غير quot;مترددينquot;، ماذا كانوا سيفعلون أكثر؟



ملاحظة: الصورة المرفقة للرضيعة مريم نظمي بركة (سنة واحدة) مستشفى ناصر.