تحدث التقارير والبيانات التي تصدرها الخارجية الأمريكية سنويا في مجالات سياسية واقتصادية وثقافية ودينية أصداء واسعة في مختلف دول العالم حيث تتلقفها وسائل الإعلام العالمية، وتبثها بمختلف وسائطها محدثة قدرا من الزخم الإعلامي المؤثر، كما تحدث في المقابل ردود أفعال سياسية وفكرية قابلة أو رافضة لهذه التقارير، ولعل أقسى الآراء التي تنطوي عليها هذه التقاير تكون موجهة لدول العالم الثالث، ومن بينها العالم العربي والإسلامي خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي أفرط فيها محررو هذه التقارير في الهجوم على مختلف عناصر السياسة والثقافة العربية والإسلامية، وعلى دولها الرئيسية.
فلا تزال التقارير التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية سنويا تتضمن نصوصا عن موضوع: quot; الحرية الدينية في السعوديةquot; ضمن حديثها عن الحريات الدينية في العالم، وتنشر وزارة الخارجية الأمريكية هذه التقارير عبر منافذها الرسمية، ومن ثم تتداولها مراكز الدراسات البحثية في الغرب ووسائل الإعلام العالمية وغيرها.
وفي كتابه: quot; الحرية الدينية في السعوديةquot; (دار غيناء للنشر، الرياض 2009) يؤكد الشيخ الدكتور صالح بن عبدالرحمن الحصين أن quot; هذه التقارير التي تطلقها وزارة الخارجية الأمريكية عن الحرية الدينية في السعودية وغيرها من دول العالم، إنما تنطلق بدوافع سياسية من رؤية ثقافية خاصة يراد أن تكون معاييرها هي مقياس الحكم على القيم الثقافية للآخرين في العالم كلهquot; / ص 16 فكيف توصل الشيخ صالح الحصين الذي يتولى الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين، ورئاسة اللقاء الوطني للحوار الفكري إلى هذه النتيجة في كتابه، هذا ما نسعى لتبيانه في الفقرات التالية.

حرية ولكن دينية:

في 8 نوفمبر 2005 أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها المعنون (تقرير الحرية الدينية في العالم) هذا التقرير صنف السعودية جنبا إلى جنب مع بورما والصين باعتبارها دولا تدعو ممارستها ndash; فيما يتعلق بالحرية الدينية- إلى القلق بوجه خاص، نظرا ndash; كما جاء في التقرير- لوجود انتهاكات حادة للحرية الدينية.
ونص التقرير على أنه ndash; فيما يتعلق بالسعودية خاصة- لا وجود للحرية الدينية فيها، فالإسلام هو دين الدولة، ويتعين على جميع المواطنين أن يكونوا مسلمين، ولا تعترف قوانين البلد بالحرية الدينية أو تحميها، ويُحرم الجميع من الحريات الدينية الأساسية باستثناء أتباع المذهب الإسلامي السني الذي تجيزه الدولة، وتتلخص سياسة الحكومة الرسمية في السماح لغير المسلمين بممارسة شعائرهم الدينية بصورة غير علنية، لكن الحكومة لا تحترم دائما في الواقع هذا الحق بالفعل، والمواطنون محرومون من حرية اختيار دينهم أو تغييره، وتخضع الأقلية الشيعية لتمييز سياسي واقتصادي مجاز رسميا، بما في ذلك فرص التوظيف المحدودة، والتمثيل الضئيل جدا في المؤسسات الحكومية، والقيود المفروضة على ممارسة دينهم وعلى تشييد المساجد والمراكز الاجتماعية التابعة لهم، وتفرض الحكومة مذهبا سنيا متزمتا، وتتحيز ضد مذاهب الإسلام الأخرى، وتحظر الحكومة ممارسة الأديان الأخرى علنا، ويواجه المصلون غير المسلمين خطر الاعتقال والسجن والجلد والتعذيب إن هم مارسوا نشاطات دينية تلفت الانتباه الرسمي، ويتلقى جميع التلاميذ في المدارس الحكومية دروسا دينية إلزامية متطابقة مع التعاليم السلفية، وفي حين أنه تم إحراز تقدم في حرية الصحافة إلا أن مناقشة القضايا الدينية علنا ظلت محدودةquot;.
ولدحض هذا التقرير تحدث الكاتب عن تسع نقاط رئيسية، منها أن quot; شعب السعودية كله مسلمquot; وأن quot; إيمان المسلم بالرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلمquot; وأنquot; السعودية مركز الإسلامquot; وأن هناك اختلافا في مفهوم حرية التدين والحريات الشخصية بوجه عام، وأنه quot; لا إكراه في الدينquot; فلم توجد حالة أجبر فيها شخص أو طائفة على ممارسة فعل أو قول يحرمه دينه، أو منع من ممارسة فعل أو قول يوجبه دينه، ولا توجد حالة في السعودية ميز فيها بسبب الدين بين الأمريكي المسلم والأمريكي النصراني، أو الفلبيني المسلم والفلبيني النصراني، أو التايلندي المسلم والتايلندي البوذي، أو الهندي المسلم والهندي الهندوسي.

كما أن مركزية الإسلام في السعودية تمنع إقامة معابد في المملكة للديانات الأخرى، ولا تسمح للإرساليات الأجنبية بالدعوة لدين مناقض للإسلام، وفي تاريخ الإسلام في كل العصور وفي مختلف أقطار العالم الإسلامي كان المسلمون ولهم السلطة يسمحون بوجود معابد غير المسلمين، ويحمونها، ويعطون الديانات الأخرى مساحة من الحرية من الصعب أن توجد في أي نظام آخر مساحة تقاربها. وقد استثني من جميع رقعة العالم الإسلامي الشاسعة مركز الإسلام، فلم يسمح فيه بالوجود الدائم لغير الإسلام، سواء كان هذا الوجود لفرد أو منشأة أو مركز للدعوة لدين آخر مناقض للإسلام، وذلك أيضا طول العصور أي من عصر النبي (ص) إلى العصر الحاضر.

نهاية التعصب:

قال التقرير: quot;إن الحكومة السعودية تفرض مذهبا سنيا متزمتا وتتحيز ضد المذاهب الإسلامية الأخرىquot; ونقول: إنه كان من أعظم إنجازات المملكة العربية السعودية التي من الله بها عليها: إنهاء التعصب المذهبي الفقهي، فقد كان في الحرم المكي أربعة محاريب يقوم فيها أربعة أئمة، ويتفرق المسلمون في الصلاة فيصلي كل شخص خلف الإمام الذي هو من مذهبه، وألغي هذا الشذوذ الذي لا يتفق مع مبادىء الإسلام، والذي كان طول الزمن السابق لإلغائه موضع انتقاد كبار علماء الإسلام ومفكريه الذين يقدمون للحج والعمرة، وتوحدت صلاة المسلمين في المسجد الحرام والمسجد النبوي على إمام واحد، قد يكون هذا الإمام منتميا للمذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي، بدون أن يكون لهذا الانتماء أي أثر في اختيار الإمام، بل بدون أن يهتم أحد بالسؤال عن مذهب الإمام، وبهذا انتهى التعصب المذهبي quot; ص.ص 50-
51

التمييز ضد الشيعة:
يتهم التقرير السعودية بأنها quot; تميز ضد طائفة الإمامية الجعفرية بسبب مذهبها وذلك في المجال الاقتصادي والتوظيف، بخاصة التوظيف في شركات النفطquot; وهنا يشير الكاتب إلى أن هناك حقيقة واقعية تقف ضد هذا الاتهام، تتمثل في شركة (أرامكو) التي تعتبر أكبر رب عمل في المملكة، وفي المنطقة الشرقية حيث المركز الرئيسي لأرامكوومعظم نشاطها يوجد أكبر تجمع للمنتسبين للمذهب الإمامي الجعفري، وكانت إدارة الشركة بيد الأمريكيين، ولم يكن أحد من المديرين الأمريكيين السابقين لأرامكو يعترف بأنه كان يميز ضد منتسبي المذهب الشيعي، ولم يكن المديرون الأمريكيون يشكون من أي شيء يتعلق بالتوظيف، كما كان لأرامكو نشاط اقتصادي محلي واسع فكانت الشركة تتعاقد مع الموردين والمقاولين ومقدمي الخدمات دون تمييز بين المواطنين. وبعد أن تحولت إدارة أرامكو من الإدارة الأمريكية إلى الإدارة السعودية لم يدع أحد أن سياسة التوظيف أو التعامل الاقتصادي في أرامكو قد تغيرت تجاه الطائفة الشيعية.
ويضيف الكاتب موضحا أن تقرير الخارجية الأمريكية لا يستطيع أن يجد من الإحصاءات دليلا على أن معدل دخل الفرد في التجمعات السكانية ذات الأغلبية الشيعية أدنى منه في التجمعات السكنية الأخرى، وبالمثل لا يجد في ثبت السجلات التجارية لدى وزارة التجارة أو ثبت المؤسسات الاجتماعية لدى وزارة الشؤون الاجتماعية ما يدل على وجود تمييز بين المواطنين السعوديين فيما يتعلق بالجنس أو المذهب. وفيما يتعلق بالتوظيف فإن أنظمة الخدمة المدنية وأنظمة العمل لا تفرقان بين مواطن سعودي وآخر سواء بالنسبة للجنس أو المذهب.
كما أن السعوديين من الطائفة الشيعية في المنطقة الشرقية قد تفوقوا في نشاطهم في إنشاء المؤسسات الخيرية التطوعية، وكانت لهم الريادة في ذلك على أجزاء المملكة الأخرى، وفي السعودية عشرات الآلاف من المساجد وأقدسها المسجد الحرام والمسجد النبوي يرتادها المسلمون من السعوديين وغيرهم من مختلف الطوائف والمذاهب، وكلهم يؤدون عبادتهم دون أن ينكر على أحد منهم كيفية أدائه للعبادة، وأغلبية المساجد يمول بناءها المحسنون سواء السنة أو الشيعة، ولا توجد حالة قيد فيها بناء مسجد من المساجد.
إن الكتاب حفل بردود متنوعة تصب كلها في اتجاه نفي أن تكون الحرية الدينية في السعودية مقيدة، أو أن يكون هناك مذهب ما، أو طائفة دينية تتعرض للتمييز، وهذه الردود على الرغم من عفويتها وبساطتها، تشكل خطابا فكريا عاما، قد يحتاج لقدر من التأويل وفدر من التساؤل، على أساس أن المبررات التي أزجاها الكاتب لها وجاهتها، وحضورها، وتشكل قبولا عاما لدى المتابعين والمهتمين، بيد أنها تحتاج إلى أن توضع في إطارها العلمي المنهجي السديد الموثق بالأدلة والصور والوقائع والإحصائيات، بحيث تقدم صورة الرد في شكلها الفكري المتكامل.