قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تتطور الأحداث الإيرانية من ساعة لساعة، فقد سقط سبعة قتلى، ويقال إن العدد الحقيقي عشرون، وإذ نكتب هذه السطور، فإن النظام أخرج أمس [ 16 منه ] مظاهرات مضادة حاشدة ، في حين أن المعارضين لنتائج الانتخابات خرجوا هم أيضا للشارع بحشود رغم دعوة موسوي لهم بعدم التظاهر اليوم خشية المصادمات مع أنصار أحمدي نجاد. إن الوضع دقيق وحرج، وينطوي على عدة احتمالات، ولا يمكننا التنبؤ بما سيحدث غدا أو بعده، ولكن لحد هذه اللحظة لم تقع حوادث اصطدام بين جماهير المعارضة وجماهير المؤيدين.
لقد تراجع خامنئي، على الأقل شكليا، فوافق على إعادة فرز الأصوات جزئيا، وهي مجرد مناورة، فالنتيجة هي في كل الأحوال معروفة، أي تأكيد فوز نجاد،. إن خامنئي كان قد تعمد اختيار أحمدي نجاد، ولديه كل الإمكانيات لفوزه حتى ولو لم تقع مخالفات كبيرة-nbsp; لديه الباسداران والباسيج، والجماهير الفقيرة، الأمية، المضللة في الأرياف وفي المدن.
nbsp;إننا لا نعتقد أن فوز موسوي كان مرجحا، ولكن ما حدث هو، بحد ذاته، نجاح مهم وبارز للقوى والتيارات المعارضة، وهزة كبرى للنظام، حيث تبين حجم الالتفاف حول المعارضة، والمدى الذي وصلت إليه أزمة النظام، وشهد العالم كله إرادة التحدي القوية لدى الشباب والطلبة والنساء وعموم المثقفين في وجه النظام، كما كان شاهدا على دموية النظام، وعلى التعارض الجذري بين الديمقراطية وولاية الفقيه.
إن حركة الاحتجاج القوية تضم، حسب المعلومات، تيارات سياسية متعددة: أنصار موسوي الثابتين، وعلمانيين من أنصار الشاه، والتقدميين اليساريين كأتباع مجاهدي خلق، وغيرهم، ولكنهم تجمعوا في هذه الحركة شبه التلقائية موحدين للتعبير معا عن رفض سياسات نجاد، والمناخ الخانق، وعن التطلع إلى الحرية، وعن العيش بسلام مع دول العالم.
إن التجربة القاتمة جدا للحكم الإسلامي الإيراني قد ساهمت في تغيير الكثير من الأفكار والمواقف بين السكان، ووفقا لما يكتبه مهدي دادستان وزميله في كتابهما عن إيران، وقد نشر زمن ولاية بوش، فإن رجال الدين قد فقدوا الكثير من بريقهم وسمعتهم، رغم أنهم لا يزالون قوة نافذة، وإن أميركا لم تعد quot;الشيطانquot;، بل صارت مثالا للحرية،nbsp; بل ثمة حنين بين شريحة من السكان إلى عهد الشاه.
إن النظام الإيراني في وضع حرج، وفي مأزق، والأخطر بالنسبة له هو انقساماته الداخلية، خصوصا هذا الشرخ بين رفسنجاني وخامنئي، عمودي النظام، وربما سيستغل الأخير أحداث المصادمات لتصفية الحساب مع رجالات مهمة من بين quot;الإصلاحيينquot; وquot;البراجماتيينquot;. كما ثمة قنابل موقوتة تتمثل في الظلم والاضطهاد اللاحقين بالأقليات القومية، من أكراد وعرب وآزاريين وبلوش، وغيرهم، واحتمال الانتفاضات بينهم، وكانت انتفاضة قد اندلعت فعلا في بعض مناطق بلوجستان، [في زابول]، عام 2006 وقمعت بوحشية.
nbsp;في الوقت نفسه، لا تزال في يد النظام أوراق كثيرة: منها تفرق المواقف الدولية من النووي ومن تصدير الإرهاب الإيرانيين، واليوم توجهات الإدارة الأميركية الجديدة في التعامل الاسترضائي مع إيران، وبرغم إدانة أوباماnbsp; المتأخرة لما جرى من عنف في المظاهرات، فإنه حرص على أن يقول إن الشعب الإيراني هو الذي يختار رئيسه، علما بأن فوز نجاد معد سلفا كما يعرف، كما أعاد التأكيد على التفاوض مع حكومة إيران، وحسب الصحف الفرنسية، فإن صمته أياما أثار الاستغراب داخل الحزب الديمقراطي الأميركي. أما روسيا والصين، فهما حليفتا إيران، وتعارضان فرض عقوبات جديدة على النظام الإيراني، ومما لوحظ هذا اليوم بالذات [ 16 منه] مصافحة ميدفييف الطويلة والحارة لنجاد اليوم [الثلاثاء] في موسكو، وكأنها إشارة ضمنية للدعم، مرحبا quot;بالتحالف الوثيقquot; مع إيران، واقترح قبولها عضوا في منظمة شنغهاي، حيث تشغل إيران دور المراقب.
إن من نقاط القوة الأخرى في يد خامنئي، تلك الامتدادات الإيرانية الواسعة في المنطقة، لاسيما في لبنان والعراق وغزة، وكذلك استمرار نجاح النظام في عزل المثقفين العلمانيين والديمقراطيين عن الاتصال الوثيق بالطبقات الفقيرة في المدن والقرى، حيث أن كل محاولة منهم للاجتماع بالعمال وبقية الطبقات المسحوقة هي محظورة.
لقد استغل محمود أحمدي نجاد واقع الفساد والثراء غير المشروع لدى شخصيات كبيرة معروفة من النظام، واستغل أيضا موضوع الفقر، ليبرز نفسه كحامي الفقراء، وعدو الفساد، وبرغم اهتزاز موقفه اليوم، فإنه قادر على مواصلة استغلال هذه الورقة بغوغائيته المعروفة.nbsp;nbsp;nbsp;
نعتقد أن أزمة النظام لا يمكن أن تنتهي بتغييره عبر نضال القوى الداخلية المعارضة وحدها، سواء من مظاهرات، أو إضرابات، أو العصيان المدني الذي تدعو له منذ زمان وسائل الإعلام الملكية، فالمطلوب في الوقت نفسه توفر الدعم الدولي الحاسم باعتباره عاملا أساسيا للمساعدة على إحداث التغيير الديمقراطي المنشود. فمثلا، برغم أن نظام الشاه لم يكن شموليا يتستر بالدين، وكانت ثغراته كثيرة، فإن العامل الخارجي تظافر مع المظاهرات الشعبية، ليكون التخلص منه ممكنا - وهنا نعني اتفاق الدول الغربية الكبرى، ولاسيما كارتر، على التخلص من نظام الشاه، وإعطاء الضوء الأخضر لانتصار خميني. ويكتب المعارض الإيراني، أمير جاهنشاهي، في صحيفة الفيجارو إن مواقف الغرب من أحمدي نجاد مائعة جدا، ويخشى أن تؤدي لما يشبه صفقة ميونيخ جديدة.
إذا كان هذا هكذا، فكما قلنا في مقالنا الأخير، إن إيران ما بعد الانتخابات لم تعد إيران ما قبلها...