هناك عشرات الفضائيات فى المنطقة العربية التى تبث اخبارا على مدى الاربعة والعشرين ساعة فى اليوم،ولكن اهمها من وجهة نظرى قنوات الجزيرة والعربية وال بى بى سى، وهذه القنوات ليست فقط هى التى تتصدر قمة هذه القنوات الاخبارية ولكنها أيضا تعكس رؤى إعلامية وسياسية محددة ومتباينة.
فى الموضوع الإيرانى تابعت هذه القنوات الثلاثة كنموذج للتغطية العربية للحدث ،وخاصة وكما قلت إنها تعكس تيارات مختلفة داخل الميديا العربية والتى هى بدورها انعكاسا لإختلافات سياسية معروفة.
ليست فقط هذه القنوات الثلاثة تساهم بحجم التأثير الاكبر على المشاهد العربى فيما يتعلق بالقضايا السياسية، ولكنها أيضا تستمد تأثيرها ومصداقيتها من إختلافها عن القنوات الناطقة بأسم ايدولوجيات محددة مثل المنار وما شابهها.

قناة الجزيرة
فى تقديرى تتمتع قناة الجزيرة بأعلى سقف حريات بين هذه القنوات الثلاثة، كما انها الأكثر انفاقا من الناحية التمويلية، ولهذا تملك شبكة مراسلين اوسع على مستوى العالم.. كما تعد رائدة فى الإعلام العربى الفضائى غير الرسمى.ويعود الفضل للجزيرة فى ظهور القنوات الاخبارية الأخرى، حتى قناة الحرة الأمريكية جاءت ردا على قناة الجزيرة.
ولكن فى تقديرى يعيب الجزيرة إنها تحولت بشكل خطير بعد 11 سبتمبر 2001،من قناة تمثل الإعلام العربى الحر المناصر للشعوب فى مواجهة الإعلام الرسمى الراكد الموجه والمناصر للأنظمة، إلى قناة تخلق وتقود معارك وكأنها تمثل صوت المسلمين فى مواجهة الغرب وصوت الاصوليين والإرهابيين فى مواجهة المسلمين المعتدلين... وامتد هذا الخطأ القاتل ليصير دعم الجماعات الخارجة على الدول فى مواجهة كيان الدولة ذاته،كالدعم الواضح لحزب الله وحماس والاخوان المسلمين فى مواجهة دولهم.اتصور أن خطأ الجزيرة هذا جاء نتيجة رؤية نافذة داخل قطر لشخصيات سياسية محددة وقيادات دينية معروفة وعلى رأسهم الشيخ القرضاوى بتبنى هذه التيارات والرهان عليها باعتبارها سوف تحكم المنطقة فى المستقبل أو مساعدتها عبر الجزيرة للسيطرة على المنطقة.وهناك من يقول أن ذلك نتيجة رؤية تعمل على كسب الشارع بكافة الطرق، ولما كان الشارع العربى يميل للتطرف الدينى غذت القناة هذه المشاعر الدينية فيه بل واججتها.
من مشاكل قناة الجزيرة أيضا اقترابها أكثر فى السنتين الماضيتين من تبنى الرؤية القطرية فى السياسة الخارجية، ومع انضمام قطر لما يسمى ب quot; محور الممانعةquot; اتبعت الجزيرة الخط الرسمى القطرى وتصرفت وكأنها قناة تابعة لهذا المحور.
كما أن اختيار العاملين فى الجزيرة، وخاصة فى عهد رئيسها الحالى، لم يكن مهنيا خالصا وانما مهنيا وايدولوجيا فى نفس الوقت، ولهذا من الصعب تصحيح مسار الجزيرة بدون إعادة هيكلة كاملة لطاقم محرريها ومذيعيها.
حدث تطور سلبى آخر فى قناة الجزيرة فى السنتين الماضيتين، فنتيجة للضغوط الكثيرة التى مورست على قطر أضطرت القناة أن تبعد عن ممارسة أى نقد للسعودية وتونس والمغرب والاردن، ومؤخرا حدثت تسوية مماثلة مع مصر، فأذا اضفنا إلى هذه الدول حلفاء قطر فى سوريا والسودان وإيران فلم يتبقى سوى أمريكا وإسرائيل وهم المسموح بمهاجمتهم فى الجزيرة بدون قيد ولا شرط... وهنا تقترب الجزيرة من الإعلام الرسمى العربى فى هذه الناحية.
فى تقديرى، ورغم كل ما يقال عنه، يظل برنامج الاتجاه المعاكس هو أكثر البرامج التى تتمتع بسقف حرية أعلى فى الجزيرة، فطبيعة البرنامج تجعل الطرف الاخر من ضيوفه ممن هم على قناعات مختلفة مع خط الجزيرة برمته.
تغطية الجزيرة للأزمة الايرانية تتماشى مع خطها ومع خط دولة قطر، انحياز للنظام على حساب الشعب،دعم الدكتاتور فى مواجهة انتفاضة الحرية، التحفظ تجاه التيار الإصلاحى ومساندة واضحة للتيار المحافظ وعلى رأسه بالطبع خامنئى ونجادى .

قناة العربية
قناة العربية قناة مميزة أخرى جاءت لتنافس قناة الجزيرة ولتمثل الرد السعودى على الجموح القطرى، تتمتع بسقف حرية أقل من قناة الجزيرة وبتمويل أقل وبشبكة مراسلين أقل... تتميز قناة العربية بنغمة أكثر هدوءا وباهتمامها بجمال الصورة النسائية لأنها أمتداد لشبكة تليفزيونية تتذوق وتهتم وتروج للجمال، كما أن صاحب الشبكة ذاته ذواق وعاشق للجمال النسائى بمختلف تلوناته.
ولكن أكثر عيوب العربية إنها لا تستطيع أن تخرج مطلقا عن سقف السياسة السعودية الرسمية، وهى بهذا تحرم نفسها من تغطيات مهمة تماشيا مع الموقف السعودى، كما تبعد نفسها عن تطلعات شعوب المنطقة نحو التغيير، فالتغيير كلمة مكروهة فى قاموس السياسة السعودية.
كما تتجاهل العربية الأقليات الدينية والعرقية واللغوية فى المنطقة العربية تجنبا لأغضاب الاتظمة الصديقة للسعودية... هى المعادل الناطق لصحيفة الشرق الاوسط السعودية....وهذا التوافق السعودى مع الانظمة الرسمية يعكسه مثلا ان معظم العاملين فى الإعلام السعودى فى مصر على سبيل المثال هم شخصيات على صلة ما بأجهزة الأمن المصرية.
عيب العربية الأساسى ليس فقط فى ضعف ما تبثه عن الأنظمة الصديقة للسعودية ولكن فيما تتجاهله ولا تقترب منه.
قناة العربية أيضا لا تقترب بالنقد نهائيا من السعودية رغم وجود الكثير يمكن أن يقال عن النظام السعودى كمثال للدولة الدينية الثيقراطية، وعن دور السعودية فى نشر التطرف والإرهاب عالميا.
المملكة العربية السعودية هى دولة معتدلة سياسيا ومتطرفة دينيا، وقد أخذت قناة العربية الخط السعودى السياسى المعتدل وتجنبت التطرف الدينى بل على العكس هى تقف ضد التطرف الدينى.
عموما من حق السعودية أن تفتخر بقناة العربية وبصحيفتى الشرق الأوسط والحياة، فرغم كل شى تعتبر صحيفة الشرق الأوسط هى الافضل عربيا.
فى التغطية للأزمة الإيرانية انحازت العربية بوضوح لحرية الشعب الإيرانى ولحركة الشارع من آجل التغيير وللإتجاه الاصلاحى، ولكن لو حدث نفس الشئ فى مصر سنجد العربية ستنحاز للنظام.
نحن إزاء موقف سعودى من النظام الإيرانى أكثر من كونه تغطية مهنية لحركة شعب يجاهد من آجل التغيير والحرية.

قناة ال بى بى سى
ال بى بى سى العربية هى الأحدث بين القنوات الثلاثة، ولكنها تملك خبرة قناة عريقة وراديو عريق له مصداقيته. ولا استطيع الحكم حاليا على القناة اولا لانها حديثة العهد وثانيا لأننى فى امريكا لا اشاهد برامجها وكل ما اراه هو ساعة اخبارية تنقلها لنا يوميا قناة اى ار تى، ولكن منذ ميلادها القصير شكلت المنافس الأقوى للجزيرة والعربية.
ورغم ان الكثير من مراسلى ال بى بى سى فى الدول العربية يقعون تحت تأثير أجهزة الأمن العربية، والإدارة البريطانية للقناة تعلم ذلك، إلا ان تغطية ال بى بى سى هى الأكثر مهنية بين القنوات الثلاثة السابقة.
فرغم التوتر بين إيران وبريطانيا مؤخرا إلا أن تغطية ال بى بى سى لم تتأثر بهذه العلاقة لاتها تبث من خلال هيئة مستقلة وتعرف معنى الاستقلال الحقيقى.
نشرة ال بى بى سى هى الأفضل بين نشرات القنوات الثلاثة، ولم يتثتى لى الحكم على برامجها لاقارنها مع القناتين السابقتين.

خلاصة القول أن المنطقة العربية رغم كثرة ما بها من قنوات فضائية إلا انها تواقة لوجود إعلام حقيقى مهنى مستقل بعيدا عن السيطرة المباشرة أو غير المباشرة للمال السياسى أو المال الايدولوجى.. واظن أن هذا حلم بعيد المنال.
[email protected]