دخل لبنان في المهلة الدستوريةالمحددةبشهرين لانتخاب رئيس جمهورية جديد (من 25 مارس/ آذار الى 25 مايو/ ايار)، فيما القوى السياسية لم تتفق بعد على شخص الرئيس العتيد، أو حتى على خوض معركة بين مرشحين اثنين أو اكثر، وهي عينها على الخارج الذي تعوّد اللبنانيون عليه أن يختار رئيسهم كل مرة عبر quot;كلمة سرquot; تمرر عبر أقنية مختلفة، لانه نادراً ما تسنى لهم اختيار هذا الرئيس بمعزل عن أي تدخل خارجي اقليمي ودولي، منذ نيل لبنان استقلاله عام 1943.

ولكن هذه المرة، وفي ظل الانشغال الاقليمي والدولي عن لبنان في قضايا الأزمة السورية وغيرها، تشعر القوى السياسية اللبنانية إن في امكانها أن تحقق مساحة في دائرة القرار الاقليمي والدولي في اختيار الرئيس، واذا لم يتسنَّ لها أن يكون لها هذا القرار بمفردها، ففي 23 تشرين الثاني 2007 انتهت ولاية الرئيس السابق اميل لحود ولم تتمكن القوى السياسية من الاتفاق على رئيس يخلفه ويتسلم مقاليد الرئاسة في ذلك التاريخ وبقيت سدة رئاسة الجمهورية خالية حتى 25 ايار 2008، أي نحو 8 أشهر، حيث حصل انتخاب الرئيس الحالي ميشال سليمان كمرشح توافقي، وذلك نتيجة تسوية توصلت اليها القوى السياسية في مؤتمر الدوحة الشهير الذي انعقد بعد اسابيع من معركة 7 ايار 2008 التي اندلعت في بيروت بين فريقي 8 و14 آذار بعد نحو 18 شهرًا من التوتر بينهما.
وفي هذا الاطار يتحرك رئيس مجلس النواب، نبيه بري، تحت عنوان تأمين المناخات لجلسة انتخاب quot;ثابتة وناجحةquot;، اذ يؤكد حسب ما نقل زواره عنه لـquot;إيلافquot; أنه لن يكرر ما حصل في الاستحقاق الرئاسي السابق، حيث دعا مجلس النواب يومها 17 مرة الى 17 جلسة لانتخاب رئيس جمهورية جديد، ولكن كل تلك الجلسات لم تنعقد لعدم اكتمال نصابها القانوني الذي يفترض أن يكون على الاقل ثلثي عدد اعضاء مجلس النواب أي 86 نائباً من اصل 128، والسبب كان غياب التوافق السياسي على مرشح رئاسي أو اكثر، الأمر الذي جعل عملية تعطيل انعقاد جلسة الانتخاب آنذاك لعبة متبادلة في اطار النزاع السياسي بين طرفي الازمة اللبنانية، أي فريقي 8 و14 آذار، إلى أن حصل اتفاق الدوحة الذي توافقا بموجبه على العماد ميشال سليمان quot;رئيسًا توافقيًاquot;، حيث كان يومها يتولى قيادة الجيش اللبناني.
ولقد شكل بري لجنة نيابية من كتلته quot;التنمية والتحريرquot; بدأت تجول على الكتل والقوى السياسية لتعود اليه في ختام جولتها بخلاصة عن المواقف في شأن الاستحقاق والمرشحين الرئاسيين لكي يبني بعدها عن الشيء مقتضاه. ونقل زوار بري لـquot;إيلافquot;عنه قوله إنه لن يدعو مجلس النواب الى جلسة لانتخاب رئيس جديد إلا بعد أن يضمن انعقاد هذه الجلسة بنصاب كامل وتنتخب الرئيس العتيد الذي ينبغي أن يكون من بين مجموعة مرشحين أو أحد مرشحَين على الأقل يشكلان نقطة توافق أو تقاطع بين مختلف القوى السياسية.
ويعتقد بري أن القوى الخارجية الناخبة في انتخابات رئاسة الجمهورية اللبنانية تستطيع أن تفاضل بين مجموعة مرشحين رئاسيين يكونون مقبولين داخليًا، لأنها في ظل الظروف الاقليمية والدولية السائدة لا تستطيع أن تفرض على اللبنانيين أي مرشح غير مقبول داخليًا، ولذلك ينبغي على القوى السياسية اللبنانية أن تتوافق على مرشح أو خوض انتخابات الرئاسة بمرشحين ذوي حيثيات داخلية وعندئذ لن يكون للخارج أي تأثير في العملية الانتخابية الا من خلال تزكية هذا المرشح المقبول داخليًا أو ذاك، وفي هذه الحال يكون الرئيس اللبناني العتيد صناعة داخلية مؤيدة خارجياً، بدلاً من أن يكون صناعة خارجية مفروضة على الداخل.
المرشحون الجديون
وحتى الآن، فإن المرشحين الجديين الذين تتداولهم الاوساط السياسية هم: الوزير السابق جان عبيد، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، قائد الجيش العماد جان قهوجي، رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون، رئيس تيار quot;المردةquot; النائب سليمان فرنحية، رئيس حزب quot;القوات اللبنانيةquot; الدكتور سمير جعجع، النائبان روبير غانم وبطرس حرب. والى ذلك فإن البعض ما زال يعتقد أن احتمال تمديد ولاية الرئيس الحالي ميشال سليمان ما زال خياراً مطروحًا في حال تعذر الاتفاق على مرشح من بين المرشحين المطروحين، أو على مرشح آخر يكون مثابة quot;فلتة الشوطquot;.
التعديل الدستوري
لكن التمديد لسليمان يحتاج الى تعديل دستوري يجيزه، وكذلك فإن انتخاب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أو قائد الجيش العماد جان قهوجي يحتاج الى تعديل دستوري يجيز لهما كموظفَين في الفئة الاولى الترشح للرئاسة لأن الدستور يحظر على الموظفين الترشح لرئاسة الجمهورية الا اذا استقالا قبل سنتين من الموعد الدستوري لانتخابات رئاسة الجمهورية. وهذا التعديل الدستوري لا يتم الا من طريقين: الاول أن يقترح رئيس الجمهورية التعديل على مجلس الوزراء فيقره ويحيله بمشروع قانون معجل الى مجلس النواب ليدرسه ويقره. والثاني اقتراح قانون نيابي يحال الى الحكومة لتعاود ارساله الى مجلس النواب ليدرسه ويقره، أو يبادر المجلس كونه quot;سيد نفسهquot; دستوريًا الى درسه واقراره مباشرة.
بيد أن هذا التعديل لا يمكن أن يتم الا بتوافق بين القوى السياسية الممثلة في الحكومة أو في الكتل النيابية، اذ من دون هذا التوافق يستحيل اقراره خصوصًا أنه يتطلب موافقة اكثرية ثلثي اعضاء مجلس النواب (أي 86 صوتًا)، وهذه الأكثرية لا يمكن أن تتوافر الا بتوافق الكتل النيابية الكبرى، وهذه الكتل يتقاسمها فريقا 8 و14 آذار. وحسب الدستور اللبناني، فإن أي مرشح لا يفوز بالرئاسة إلاّ اذا نال تأييد أكثرية ثلثي اعضاء مجلس النواب (86 نائباً) في دورة الاقتراح الأولى وتأييد الاكثرية المطلقة في دورة الاقتراع الثانية (أي 65 نائباً).
توافق ما زال غير متوافر
حتى الآن لم يتبلور بعد أي توافق على أي مرشح، فالرئيس سعد الحريري اعلن أنه سيكون لفريق 14 آذار مرشحه لرئاسة الجمهورية، وداخل هذا الفريق اعلن جعجع ترشيحه من دون أن يعرف ما اذا كان اتفق والحريري وبقية اركان 14 آذار، والوضع نفسه ينطبق على الرئيس امين الجميل والنائبين بطرس حرب وروبير غانم.
وفي المقابل، فإن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله كان اعلن خلال الشهر الماضي أنه سيكون لفريق 8 آذار مرشحها لرئاسة الجمهورية، وداخل هذا الفريق مرشحان حتى الآن هما العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية، ولكن ليس هناك أي مؤشرات على أن هذا الفريق قد إختار أحدهما لخوض معركة انتخابات الرئاسة.
بعض السياسيين يقول إن لا حظوظ بالفوز لأي من مرشحي الفريقين، لأنه لا يمكن أي من هؤلاء المرشحين أن ينال موافقة نواب الفريقين، فلا نواب 8 آذار سينتخبون أي مرشح لفريق 14 آذار والعكس صحيح، علمًا أنه لا يمكن تأمين نصاب أي جلسة انتخاب ( 86 نائبًا) ما لم يحضر نواب الفريقين هذه الجلسة.ولذلك، فإن الفريقين محكومان بالتوافق على رئيس جديد سواء كان ينتمي الى أي منهما، أو من خارجهما كجان عبيد اذا تقرر إستبعاد ترشيح العماد جان قهوجي وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتعذر اجراء تعديل دستوري يمكنهما من الترشيح.
عدم التوافق سيؤدي الى الفراغ
في اي حال، فإن انعدام التوافق بين فريقي 8 و14 آذار على مرشح توافقي سيؤدي الى فراغ في موقع رئاسة الجمهورية لأنه اذا لم ينتخب رئيس من الآن وحتى 25 مايو / ايار المقبل سيكون على الرئيس ميشال سليمان مغادرة القصر الجمهوري منتصف ليل ذلك النهار، لأن الدستور لا يجيز له البقاء في الرئاسة دقيقة واحدة بعد ذلك التوقيت، وعندئذ سيظل الباب مفتوحاً امام القوى السياسية لكي تواصل مشاوراتها الى أن تتفق على الرئيس الجديد مهما طال الزمن.