هناك في الحزب المسيحي الديمقراطي نفسه الذي تقوده ميركل محافظون بدأوا التفكير في حكومة بلا زعيمتهم ميركل، وذلك بعد أن اتخذت في صيف العام الماضي قرارا أصبحت معه شخصية تاريخية حين اعلنت فتح الحدود الالمانية للاجئين.


لندن: اتخذت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل في صيف العام الماضي قرارا اصبحت معه شخصية تاريخية حين اعلنت فتح الحدود الالمانية للاجئين.& وكان ذلك برأي كثير من المحللين اهم قرار اتخذته منذ تسلمت مهام منصبها قبل عشر سنوات.& وأعلنتها مجلة تايم شخصية العام فيما تردد على نطاق واسع انها مرشحة لجائزة نوبل للسلام.&

ومنذ ذلك الحين مرّ كثير من الماء تحت الجسر ، حتى أن صحيفة نيويورك تايمز نشرت تعليقا بعنوان "انغيلا ميركل يجب أن ترحل" مشيرة الى الخوف من وقوع اعمال عنف تعيد ألمانيا الى عقد الثلاثينات.&

وهناك في الحزب المسيحي الديمقراطي نفسه الذي تقوده ميركل محافظون بدأوا التفكير في حكومة بلا زعيمتهم.& وقبل ايام انتقد ميركل بصراحة وزير النقل في حكومتها الكسندر دوبرندت ، وهو امر غير معهود.& فان تمرد وزراء كان في السابق يشير الى ان المستشار على وشك الرحيل.

لم يُكتب سيناريو سقوط ميركل حتى الآن ولكن مسودته موجودة.& ويعتزم زعيم الحزب المسيحي الاجتماعي هورست زيهوفر ، حليف ميركل الرئيس ، تشديد الضغط عليها الى ان تغير سياستها.& وإذا لم ترضخ فإن في معسكر المحافظين داخل حزبها من يعمل على إعداد وزير ماليتها فولفغانغ شويبله لتسلم مقاليد الحكم منها.

لم تصل الأمور الى هذا الحد ولكنها تقترب من النقطة الحرجة.& إذ أعرب 44 نائبا محافظا في رسالة الى المستشارة مؤخرا عن معارضتهم سياستها.& وقبل ايام اعلنت النمسا وضع سقف لعدد اللاجئين.&

وتنبأ المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الاميركية دونالد ترامب في منتصف كانون الثاني/يناير بأن الالمان سيفجرون انتفاضة ضد ميركل وقال "ان الشعب الالماني سيطيح بهذه المرأة".& واضاف "لا أدري كيف تفكر هذه المرأة".

ترامب ليس وحده الذي لديه تساؤلات.& فان نصف العالم يتساءل ما هي القوة الدافعة وراء ميركل ،& وما سبب إصرارها على سياستها تجاه اللاجئين رغم هبوط شعبيتها واهتزاز أسس حكمها؟

واوضح بيتر التماير رئيس مكتب ميركل في مقابلة مع مجلة شبيغل انها من أجل تفادي كارثة انسانية اواخر صيف العام الماضي لم يكن امامها من خيار سوى فتح الحدود.& وإذا أغلقت الحدود الآن فان هذا لن يكون مؤشرا الى فشل نظام شنغن لحرية السفر بين الدول الاوروبية فحسب بل إن تدفق اللاجئين سيتوقف في البلقان ويزعزع استقرار الديمقراطيات الفتية في هذه المنطقة.& وستغرق اليونان في موجات اللاجئين من سوريا والعراق فيما يمكن ان تدفع الأزمة الاردن ولبنان اللذين يستضيفان بينهما نحو مليوني لاجئ الى حافة الانهيار.

وأصرت ميركل على موقفها هذا في مؤتمرها الصحافي السنوي في 31 آب/اغسطس حين قالت "إن المانيا بلد قوي.& وإن الدافع الذي يجب ان نعالج به هذه القضايا يجب ان يكون:& اننا تعاملنا مع الكثير ونحن قادرون على التعامل مع الكثير".&

في 4 سبتمبر فتحت ميركل الحدود للاجئين العالقين في المجر.& وقالت لاحقا انها تابعت على شاشة التلفزيون جموع اللاجئين في محطة قطارات بودابست حيث مُنعوا من مواصلة الرحلة معربة عن سخطها.& وقررت ميركل السماح للاجئين بدخول المانيا معلنة انها فخورة ببلدها المانيا.
&
وفي مواجهة احتجاجات المحافظين واليمين المعادي للمهاجرين ومطالبتهم بغلق الحدود ردت المستشارة انها بالطبع تستطيع غلق الحدود ولكن حشود اللاجئين ستقف امام الأسلاك الشائكة ، والصورة ستكون بشعة ، والالمان لا يستطيعون ان يتحملوا حتى مشهد شخص يُجبر على النوم في العراء.

ولكن ميركل ارادت ان تعالج اسباب الأزمة من جذورها والتعاون مع تركيا وأجرت محادثات مع المسؤولين الاتراك بهذا الشأن.&ولكن ما دامت ميركل مستشارة فان المانيا لن تصبح بلدا يطرد المحتاجين على أبوابه.& واعلنت "أنا لن انخرط في سباق على من يعامل اللاجئين معاملة اسوأ".& وهي عبارة مفعمة بمشاعر العزة والفخر ، لا تخلو من رسالة تحدٍ الى حليفها زعيم الحزب المسيحي الاجتماعي هورست زيهوفر.

كما نظرت ميركل الى ازمة اللاجئين في ضوء السياسة الواقعية.& فهي سعت منذ فترة طويلة الى سرقة اصوات الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي ينتمي الى يسار الوسط.& وكانت مصاعب الحزب في السنوات الأخيرة نتاج تبني ميركل تقريبا كل القضايا القريبة من اليسار والعزيزة عليه.

ولكن لو كانت هذه المواقف كلها تكتيكات لتخلت عنها ميركل منذ زمن طويل ، على الأقل حين بدأت شعبية حزب البديل لالمانيا اليميني بالصعود في الاستطلاعات وشعبيتها هي بالهبوط.& ولا بد ان يكون هناك دافع آخر ، شخصي أكثر وراء رفضها تغيير سياستها تجاه قضية اللاجئين.
&
في اواخر اكتوبر حضرت ميركل قمة في بروكسل بمشاركة الدول الواقعة على طريق البلقان الذي يستخدمه اللاجئون للوصول الى المانيا.& واعلن رئيس الوزراء المجري فكتور اوربان الذي اقام سياجاً من الاسلاك الشائكة على حدود بلده لمنع اللاجئين "انها مسألة وقت قبل ان تقيم المانيا سياجا".& وتنقل مجلة شبيغل عن مصدر حضر الاجتماع ان ميركل لم تقل شيئا في البداية ولكنها بعد كلمات اثنين من رؤساء الحكومات توجهت نحو اوروبا، وقالت "أنا عشتُ زمنا طويلا وراء سياج ولا أُريد ان تعود تلك الأيام".& فمن خلال أزمة اللاجئين وجدت ميركل الشجاعة للدفاع عن سياستها بسيرة حياتها في ظل نظام شمولي ولم تعد تريد ان تكون امرأة بلا وجه ، كما كانت في السابق.

ارادت ميركل ان تضفي على المانيا وجها انسانيا وديا برفضها غلق الحدود بوجه اللاجئين.& ونجحت في ذلك لبعض الوقت ولكن وجه المانيا أصبح متجهما في الآونة الأخيرة ولم يعد ذلك الوجه المبتسم بلا هموم بل وجه ترتسم عليه تظاهرات حركة الوطنيين الاوروبيين ضد اسلمة الغرب "بيغيدا" المعادية للمسلمين والمهاجرين وشعبوية حزب البديل لألمانيا الذي استثمر مخاوف الالمان من تدفق اللاجئين ليرفع شعبيته الى 10 في المئة لأول مرة في الاستطلاعات الأخيرة.
&
وابدت ميركل خيبة املها بممانعة حزبها والالمان من السير وراءها.& ولكنها هي ايضا اخفقت في ربط رسالة الترحيب بخطة متكاملة للسيطرة على تدفق اللاجئين.& وهذا في نهاية المطاف ما ادى الى تغيير مزاج الالمان.

حتى اللاجئ السوري حسن الأسعد الذي التقى المستشارة خلال زيارة قامت بها لأحد مراكز ايواء اللاجئين والتقط معها صورة "سيلفي" قال انه سيحتفظ بها الى آخر يوم من حياته ، يرى الآن ان صورة المانيا تغيرت عنها قبل اربعة اشهر.& فهو يقف في طابور امام الدوائر الرسمية كل اسبوع دون ان يحصل على الأوراق التي يحتاجها للعمل.& ونقلت مجلة شبيغل عن الأسعد انه إذا زارته ميركل مرة اخرى يعتزم ان يسألها عن الخلل الذي اصاب بلدها.&

من الجائز ان تستعيد ميركل براغماتيتها السابقة وتنفذ الخطة "باء" بإعادة غالبية اللاجئين على الحدود السلوفينية.& وستتيح مثل هذه الخطة الحفاظ على اتفاقية شينغن وحرية السفر بلا حدود لكنها تعني ايضا إبقاء حشود اللاجئين عالقين في البلقان أو اليونان ، وسيكون لالمانيا قسط من المساهمة في الكشف عن وجه اوروبا القبيح.

قال القس راينر ايبلمان الذي شارك مع ميركل في تأسيس حزب سياسي في المانيا الشرقية بعد سقوط جدار برلين مباشرة "سأشعر بأسى عميق عليها كشخص إذا نشأ موقف تُجبَر فيه على التخلي عن معتقداتها وماضيها".& ولكنه استدرك قائلا انها ستتنحى على ان تتنازل عن مبادئها.ومن بين كل المفاجآت التي قدمتها المستشارة ميركل للالمان في الأشهر الماضية فان تفضيلها الاستقالة على التراجع عن مبادئها ستكون المفاجأة الأكبر على الاطلاق.&

&