أسامة مهدي: بالرغم من كل محاولات السلطات العراقية التأكيد على محاربتها للفساد في البلاد الا انها تبدو عاجزة او غير راغبة في معالجة ملف خطير يستنزف عملات البلاد الصعبة وهو مزاد العملة الذي تهيمن عليه شخصيات نافذة صاحبة قرار ضالعة بعمليات عسيل الاموال عبر هذا المزاد الذي "يبيع" سنويا 50 مليار دولار.

ويشير خبراء اقتصاديون عراقيون الى انه بالرغم من اقرار الحكومة والبرلمان العراقيين شبوجود فساد كبير في مزاد العملة يؤدي الى استنزاف كبير للعملة الصعبة الا ان البنك المركزي العراقي ما زال مستمرا بعمليات البيع عبر المزاد الذي يجريه يوميا لعدد من المصارف الخاصة.

وفي دراسة للباحثة العراقية اطلعت عليها "إيلاف" فقد اكدت قيام أصحاب النفوذ والمسؤولين العراقيين المرتبطين بإيران بتهريب أموال العراق وغسيلها وتدويرها لصالح الاقتصاد الإيراني في مواجهة العقوبات الاميركية ولمصالحهم الخاصة.

لا تحرك حكومي لتدارك خطر بيع الدولار بالمزاد

ووفقا لخبراء ومختصين فان الارباح التي تتحصل عليها هذه المصارف من مزاد العملة يجعل هذه المصارف التي تأسس البعض منها بدون تدقيق في غنى عن الاتجاه للسوق وتحمل المخاطر والقروض في اطار تقديم الخدمة للمواطن وبالتالي فان مزاد العملة اصبح بمثابة "ثقب في خزينة الدولة بعلم السلطات العليا التي لم تحرك ساكنا لتدارك خطره رغم التحذيرات المستمرة من خطورته كما حذر الخبراء في تصريحات لوكالة "ألسومرية" نيوز" العراقية الثلاثاء تابعته "إيلاف".

15% من مزاد العملة يذهب لغسيل الاموال

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني ان" 15% من مبيعات البنك المركزي عبر المزاد تذهب كغسيل اموال".. مبينا ان "اللجنة المالية والاقتصادية البرلمانية تحدثت عن ذلك وكل الاجهزة الحكومية لم تتمكن من ايقاف المزاد وظل مستمرا في استنزاف العملة الصعبة لارتباطه بشخصيات سياسية كبيرة".

ويضيف المشهداني ان "معدل الاستيرادات الحقيقية للقطاع الخاص هو 35 مليار دولار سنويا الا ان ما يقوم البنك ببيعه خلال السنة الواحدة عبر المزاد هو 50 مليار دولار".. مشيرا الى ان "الفساد اصبح واضحا حتى لدى الاجهزة الرقابية الا ان قوة ونفوذ الاشخاص المتنفذين بمؤسسات المصارف هي اكبر من المحاسبة وهو مستمر في ذلك على الرغم من تقنينه في السنوات السابقة".

تهريب الدولار عبر اذونات لاتستورد شيئا

ويقول الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي ن "المزاد الذي تم تاسيسه عام 2004 انشئ بهدف عدم حصول احتكار للدولار من جهه ولشراء الدينار العراقي لتغطية الموازنة ومنع التضخم من جهه اخرى وكانت اداة لضبط سعر الصرف الا ان فرق القيمة بين البيع النقدي والحوالات شكل هامش ربح للمصارف المشتركة في المزاد وعدد محدود من الشركات ما ادى الى تهريب كميات كبيرة من الدولارات".

واكد ان "المزاد اصبح ممرا للربح بدلا من الصيرفة الحقيقية ولخروج الدولار باذونات استيراد لا تستورد شيئا ولايجري التدقيق حول السلع المشتراة مقابل هذه التحويلات ما شكل ممرا للفاسدين لاخراج اموالهم خارج البلاد بطريقة قانونية وعدم اعتماد الاعتمادات المستندية المتبعة في العالم لتغطية الصفقات التجارية وحيث لاتزال المصارف لحد الان وشركات الصيرفة تتقاسم مغانم المزاد من خلال تحويل العملة الى الخارج بدون حاجة استيرادية وبعناوين شتى ما ادى الى ضياع عشرات المليارات سنويا من العملة الاجنبية المهربة".

تأسيس مصارف بدون تدقيق

ومن جانبه يقول الخبير الاقتصادي محمد الحسناوي ان هناك "مصارف وخاصة الاسلامية منها تم افتتاحها ومنحها رخص بدون اي تدقيق عن امكانياتها وقدرتها المالية".. كاشفا عن "وجود مصارف تم افتتاحها من قبل موظفين يعملون في البنك المركزي او مشاركين فيها".

ويضيف الحسناوي ان "هذه المصارف لا تقوم باي عمل ائتماني وانما ينحصر عملها في مزاد العملة وتحويل العملة الصعبة الى خارج البلاد من خلال غسيل الاموال".. داعيا "البنك المركزي والجهات الرقابية الى التدقيق في كيفية حصول هذه المصارف على رخصة التاسيس".

الاموال المهدورة بالمزاد تعادل موازنات دول

ويقول النائب عن تيار الحكمة علي البديري، ان "الاموال التي هدرت في مزاد العملة طيلة السنوات السابقة تعادل موازنات دول وتكفي لتشغيل عدد كبير من المصانع المتوقفة وتقضي على النسبة الاكبر من البطالة في البلد"، مشيرا الى ان "هنالك بعض الاطراف مهيمنة على القرار وتملك سيطرة على بعض وسائل الاعلام تمنع تسليط الضوء على هذا الملف الخطير".

ويضيف البديري أن "بعض المستفيدين من مزاد العملة هم موجودين في مصدر القرار، بحال كان القرار تشريعي او تنفيذي"، مبينا ان "اي طرف او نائب يفتح موضوع مزاد العملة فانه يتم غلقه وبسرعة عجيبة غريبة".

ويشير البديري إلى أن "العملة الصعبة تخرج خارج العراق في عمليات غسيل اموال وتهريب للعملة تحت عناوين مختلفة ووصولات وسندات غير صحيحة".. لافتا الى ان "هنالك تخطيط اقليمي وداخلي وتكتيم على ملفات الفساد في مزاد العملة والمافيات المسيطرة عليه".

ويؤكد البديري، اننا "بحال تركنا جميع ملفات الفساد وركزنا على ملفي المنافذ الحدودية ومزاد العملة فاننا سنعيد مبالغ ضخمة جدا لخزينة البلد ونوفر وارد مهم جدا للموازنات المقبلة".

مزاد العملة ملف كبير للفساد

من جانبها تقول عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار البرلمانية ندى شاكر جودت، ان "لجنة الاقصاد والاستثمار البرلمانية ماضية في التحقيق بقضية مزاد العملة".. مبينة ان "لدينا تواصل مستمر مع عدد من الجهات الخاصة في هذا المجال".

مزاد العملة في العراق لا مثيل له في الفساد عالميا

وتضيف جودت ان "عملية هدر العملة وما يجري في مزاد العملة هو امر لم نسمع به او نراه في جميع بدان العالم التي تتخذ كافة الاجراءات للحفاظ على عملتها الصعبة من الهدر وتعمل على تقنين الانفاق منها حتى في مجال الاستيراد الى مستويات معقولة".. لافتة الى ان "مايجري ب‍العراق هو عبارة عن حالات استيراد وهمية وغيرها من الطرق التي تؤدي يوميا الى هدر ارقام كبيرة من العملة الصعبة دون سبب".

وتشير شاكر الى ان "ملف مزاد العملة هو ملف كبير للفساد وقد عملنا على فتح تحقيق فيه، لكن التظاهرات والتركيز على القوانين التي تدعم مطالب الجماهير ومن بينها قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص جعلت اجراءات التحقيق تجري بروية".. موضحة ان "من بين المقترحات التي لدينا للحد من الهدر بمزاد العملة هو فرض ضريبة على الاموال الخارجة بنسب معينة بما يخلق ايرادات للدولة وتجعل الامور تجري بشكل صحيح".

وتؤكد جودت، ان "هذا المقترح لاقى ترحيبا واسعا من قبل الهيئة العامة للضرائب وقد توصلنا الى صيغة شبه نهائية وهي بحاجة الى تنضيج بغية طرحها بشكل رسمي".. مشددة على المضي "في الاجراءات للحفاظ على العملة الصعبة من الهدر والفساد ولدينا تنسيق وتعاون مع الجانب الصيرفي والبنك المركزي وهيئة الضرائب بهذا الشان".

مسؤولون عراقيون مرتبطون بايران يهربون الدولار اليها

اما الباحثة شذى خليل فتقول "ان مزاد بيع الدولار قانون شرعه وامر به الحاكم المدني للعراق سابقا بول برايمر في عام 2004 وهو المزاد الوحيد في منطقة الشرق الأوسط ويعد من أكبر التحديات التي تواجه الدولة العراقية اذ يشوّه السياسة العامة ويهدم الاقتصاد وقد استمر هذا المزاد بعمله حتى الآن واستغل من قبل أصحاب النفوذ والمسؤولين البارزين في العملية السياسية المرتبطين بإيران في تهريب أموال العراق وغسيل الأموال وتدويرها لصالح الاقتصاد الإيراني في تمويل الارهاب ومواجهة العقوبات الاميركية ولمصالحهم الخاصة.

سلع إيرانية في الاسواق العراقية

وتضيف انه بحسب تحقيق لجان مجلس النواب العراقي والتقارير الدولية فقد تم هدر ونهب مبلغ 312 مليار دولار على مر السنوات الماضية وهي عائدات للنفط ضخها البنك المركزي العراقي إلى الاسواق وتم تحويل معظمها إلى الخارج .. موضحة ان هذا رقم يعد كبيرا جدا في دولة تعاني أزمة اقتصادية خانقة وصل الحال في دولة "الثروات" الاستدانة من صندوق النقد الدولي لتغطية نفقاتها!

بيع 150 مليون دولار يوميا بالمزاد العلني

يشار الى ان البنك المركزي العراقي يقوم ببيع الدولار الى المصارف الاهلية وشركات التحويل المالي عبر المزاد الذي يجريه يوميا وبمقدار 150 مليون دولار والتي ترتفع هذه الارقام او تنخفض حسب الطلب من قبل هذه المصارف مما يؤثر بشكل او باخر على احتياطي البنك المركزي العراقي والذي تاثر بشكل ملحوظ بالاونة الاخيرة نتيجة عدم التكأفو ما بين ما يحصل عليه من الدولار وما بين عملية البيع عبر المزاد.

تهريب العملة الصعبة الى خارج الحدود

يذكر أن وتيرة الاتهامات تصاعدت بشأن عمليات تهريب العملة التي ألقت بظلالها على أسعار بيع الدولار في الأسواق المحلية وأدت إلى زيادة سعر صرفه قبل اشهر ففي حين طالب نواب بضرورة أن تبادر الحكومة إلى إيقاف عمليات بيع العملة في مزادات البنك المركزي، أكد آخرون أن العراق يخسر أموالاً كبيرة جراء تهريبها يومياً إلى خارج الحدود.