لاهاي: بعد 25 عاما على مجزرة سريبرينيتسا تبدو المحاكم الدولية كتلك التي حاكمت مرتكبي الفظائع أمام مستقبل ملتبس، لكن الحاجة اليها الآن أكبر من أي وقت، وفق خبراء.

ومحكمة جرائم الحرب التي لم تعد قائمة، والتي دانت قادة صرب البوسنة مثل راتكو ملاديتش ورادوفان كرادجيتش لمقتل 8 آلاف رجل وفتى من مسلمي البوسنة، اعتبرت في ذلك الوقت عهدا جديدا من المساءلة في فترة ما بعد الحرب الباردة.

لكن المحاكم العديدة التي أنشئت بعدها تواجه الآن عددا من المشاكل مثل المعدلات المتدنية للإدانات، وهجمات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحكومات معادية واتهامات بالعنصرية.

وتلك المحاكم بحاجة الآن للبدء بإحقاق العدالة لضحايا جيل جديد من الجرائم مثل الحرب في سوريا وقمع الروهينغا في بورما واضطهاد الأويغور في الصين، بحسب خبراء.

وإحياء ذكرى المجزرة يذكر بالحاجة لمثل تلك المحاكم كي تنظر في فظائع جماعية "لم تكن أكبر"، بحسب نانسي كومبس، استاذة القانون في كلية وليام وماري للقانون في فيرجينيا.

- صعوبات جمة -

تستضيف مدينة لاهاي الهولندية، التي يطلق عليها "مدينة السلام والعدل"، عددا كبيرا من تلك المحاكم، أكبرها المحكمة الجنائية الدولية التي أنشئت في 2002 للنظر في أسوأ الجرائم المرتكبة في العالم.

وفيها أيضا المحكمة الخاصة بكوسوفو، التي وجهت مؤخرا اتهامات للرئيس هاشم تاجي بارتكاب جرائم حرب، والمحكمة الخاصة باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري عام 2005.

لكن المحكمة الجنائية تتعرض حاليا لهجوم من إدارة الرئيس دونالد ترامب، لتحقيقها في جرائم حرب مفترضة في أفغانستان، فيما عجلة العدالة تدور ببطء وبكلفة باهظة في كل من محكمتي كوسوفو ولبنان.

وقالت كومبس "إن مستقبل محاكم جرائم الحرب في هذه الفترة من التاريخ، ملتبس".

والمحكمة الجنائية الدولية بدورها "تواجه أزمة ثقة لأن نجاحاتها كانت ضئيلة جدا في العقد الأخير".

واضطرت المحكمة للتخلي عن قضية تتهم رئيس كينيا أوهورو كينياتا بجرائم ضد الإنسانية فيما شكلت تبرئة رئيس ساحل العاج السابق لوران غباغبو ونائب الرئيس الكونغولي السابق جان بيار بيمبا صدمة كبيرة.

ورغم التغيرات الأخيرة في السودان، لم يتم بعد تسليم المطلوب الأول للمحكمة الرئيس القوي السابق عمر البشير.

وأدت ادعاءات بأن المحكمة الجنائية الدولية لا تحاكم سوى مشتبه بهم من القارة الإفريقية، إلى اتهامات لها بالعنصرية أيضا.

- إنكار جرائم -

كانت الأمور تبدو أكثر إيجابية عندما أقيمت المحاكم الخاصة بالإبادة في رواندا والحروب في يوغوسلافيا السابقة في تسعينات القرن الفائت. وهي أولى المحاكم من نوعها منذ محكمتي نورمبرغ وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية.

والأكثر نجاحا بينها كانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة. فعندما أنهت عملها عام 2017 كانت قد حاكمت 161 شخصا بينهم كرادجيتش وملاديتش، اللذان لا يزالان مسجونين في لاهاي.

ومن أكبر إنجازات المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا أنها كانت "تفاجئ الجناة وتلاحقهم"، كما يرى المستشار البارز في مؤسسة وايامو ومقرها برلين مارك كيرستن.

ولكن حتى إرث المحكمة الجنائية الخاصة بيوغوسلافيا يتعرض للهجوم.

وقال سيرج برامرتس، مدعي محكمة يوغوسلافيا وحاليا في "آلية المحاكم الجنائية الدولية" التي أنشئت مكانها "ما زلنا نشعر بقلق شديد إزاء التعاون الإقليمي".

وأضاف في تصريحات لصحافيين يعملون في لاهاي "من ناحية، هناك عدم قبول للأحكام ثم هناك إنكار للجرائم وتمجيد لمجرمين مدانين مثل ما حدث في صربيا".

ويتعلق مستقبل العدالة الدولية الآن "بخليط من النماذج المختلفة للقانون" يجمع بين محكمة دولية كبيرة ومحكمة محلية، وفق استاذ القانون في جامعة لايدن كارستن ستان.

فالفظائع التي شهدتها سوريا مثلا تجري محاكمة مرتكبيها باستخدام ارشيف استقصائي مدعوم من الامم المتحدة، ومحاكم محلية بموجب الاختصاص القضائي العالمي، كألمانيا مثلا.

وأضاف "نرى تعددية في أماكن المحاكمات. ليس فقط محاكم محلية محض أو محاكم دولية محض، بل أيضا محاكم هجينة أو إقليمية".

وقال "هذا هو المستقبل".