انقلاب في الصورة..انكماش وبروز المثقف الديني
أكاديميون لـquot; إيلافquot; عن المستقبل بعد صعود حماس
خلف خلف من رام الله: شكل فوز حركة حماس الإسلامية هزة سياسية في المنطقة بأكملها تبعتها العديد من الارتدادات الإسرائيلية والعالمية. أما المثقفون الفلسطينيون فرصدوا ما يجري بتوجس مصحوب بمشاعر متضاربة بين المرحب والرافض والمترقب. إيلاف تفتح هذا الملف الشائك مع العديد من المثقفين والكتاب والأكاديميين الفلسطينيين في محاولة لبلورة المشهد ومعرفة دلالات صعود الحركات الدينية كحركة حماس لسدة السلطة وانعكاسات ذلك على الواقع السياسي والاجتماعي في الأراضي الفلسطينية والمنطقة العربية برمتها، كذلك لتبيان فيما إذا كان صعود حماس للبرلمان سيقود لحدوث تغيرات نوعية وإيجابية في العلاقة بين النظام السياسي الفلسطيني والمواطن، وعلى نحو خاص بين السلطة والمثقف، ومحاولة استشراق مستقبل حماس وقدرتها على المواءمة بين ثوابتها النابعة من الفكر الإسلامي، وبين المرونة السياسية التي يجب أن تتمتع بها لبناء العلاقة مع المثقف الفلسطيني ومع العالم برمته، وللتقدم في تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، في ظل واقع محلي وإقليمي ودولي بالغ التعقيد.
شعب..مزاج..رفض للواقع
| تيسير مشارقة |
ويضيف مشارقة الذي يقيم في الأردن حاليا وأجري الحديث معه عبر البريد الالكتروني: كما أن الشعب المقاوم الذي خبر التقلبات الكثيرة، ولمدة تزيد عن أربعين عاماً، رفض أن تبقى القيادة الوطنية على سدة الحكم وهي التي لم تحقق شيئاً على صعيد الاستقلال والتحرر الوطني، ووصلت الأمور بها إلى الفساد والفلتان بمختلف صنوفه. غيّر هذا الشعب من مزاجه الوطني نحو قيادة جديدة تلتزم بالمقاومة وتبدي (شفاهة) حرصها على المشروع الوطني وإدارة السفينة بطريقة فيها نبرة تدعو إلى نظافة اليد واللسان.
انعكاسات عربية وإقليمية
وفيما يتعلق بانعكاسات هذا الفوز على الوضع العربي والإقليمي يقول: أما انعكاسات ذلك على الوضع الداخلي والإقليمي العربي، فإن التحولات الداخلية قد تحفز القوى الوطنية والعلمانية بتوحيد الصفوف وخلق اصطفافات جديدة والتخلي عن الشرذمة والفئوية الحزبية لصالح الهم الوطني العام.. فعلى سبيل المثال على الأحزاب التي لم تحقق نجاحات تشريعية تذكر أن تلتم جميعا في بوتقة واحدة حزبية ذات لون وسطي أو يميني أو يساري.
وتابع قائلا: فوز حماس الساحق سيصهر شظايا اليسار في بوتقة واحدة (هذا إذا تحققت الإرادة)، وربما يدفع فتح لإعادة بناء ذاتها في صيغة (حزبيةـ حركية) تقود كل الأفراد أصحاب التوجّه الوطني العريض. وباختصار، سيقود فوز حماس إلى اصطفافات جديدة وانقسامات وانهيارات حزبية هنا وهناك.
quot;انعكاسات ذلك الفوز على المستوى العربي الإقليمي، فإن هذه الانتعاشة للمد الديني اليميني ستدفع بالأمور إلى التبلور لصالح الجماعات الدينية واليمينية المتطرفة. وسيدفع ذلك بالقيادات التاريخية والأنظمة الشمولية إلى حافة الهاوية ، ما لم تقم بحماية ذواتها ومصالحها بالعنف الداخلي والبطش والسيطرة المتغوّلة والحرب الأهليةquot; حسبما يرى الدكتور مشارقة.
والذي أسهب قائلاً: أما على الصعيد الإسرائيلي، فإن هذا الانتصار لحماس يعني أن على إسرائيل أن تتراجع عن ممارساتها السابقة ، فالجيل الجديد يطالب باستحقاقات السلام ونتائج سريعة ، ويرى أن هناك quot;خطأ يجب تصحيحهquot; وأن لا اعتراف باسرائيل كدولة محتلة وأن عليها ترسيم حدودها أولاً ،وأن تتخلى عن وهم الاحتفاظ بالضفة والقطاع والقدس ، وأن تفكر ملياً بالعودة إلى قرار التقسيم (181) الذي يحل المسألة الفلسطينية وفق المعيار الدولي.
شرخ محتمل مع القيادة السياسية
ويشير الدكتور تيسير مشارقة أن هناك احتمالية لحدوث شرخ في العلاقة بين المواطن الفلسطيني (الحر والعلماني والديمقراطي والذي يكره التفرد والشمولية)، والقيادة السياسية الجديدة التي تلبس العباءة الدينية وتطمح بالشمولية وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء دون وزن للتطورات التايخية في بنية الذهنية الوطنية الفلسطينية. أما المثقف الموضوعي، فهو هامشي وسيبدأ بالتململ والتلوّن ، أو العزلة على عزلته السابقة ، وسيدخل الميدان فئة جديدة من المثقفين الذين سيبدأون بالتنظير للمشروع الديني كخلاص من التراجع والفساد والفوضى.
تحديات عدة وأداة قمع
وبالتعريج على مدى نجاح حماس في المواءمة بين ثوابتها النابعة من الفكر الإسلامي، وبين المرونة السياسية التي يجب أن تتمتع بها لبناء العلاقة مع المثقف الفلسطيني ومع العالم برمته يقول الدكتور مشارقة: كل الاعتقاد بأن حركة حماس ستواجه بتحديات كثيرة ومنها الموروث الديمقراطي الفلسطيني، وديمقراطية غابة البنادق، وحركة فتح ذات الإرث التاريخي في قيادة حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة. ستتراجع الحريات الديمقراطية و سيعاني الشعب من وطأة التغيير القيصرية، وسيبدأ دعاة حماس التجول في الحواري والشوارع والطرقات يهددون الليبراليين، ودعاة حركة التنوير والدمقرطة وربما تبدأ محاكم التفتيش.
ويضيف: متسلحون بالسطة (أداة القمع)، سيعمل الحماسيون على إقصاء وتنظيف البيت الداخلي على مدى أربعة أعوام، يستطيعون خلالها من إحكام الهيمنة والسيطرة لتحقيق الفوز القادم لأربعة أعوام جديدة، وهكذا دواليك ، ليدخل الشعب الفلسطيني في دوامة جديدة من التسويف والمماطلة الدولية والإسرائيلية بحجة أو بأخرى.
ولكن الدكتور مشارقة لم يخف أن لفوز حركة حماس إيجابية كبرى، مشيراً أن فوزها قد يدفع حركة فتح لتنظيم صفوفها على أسس حزبية معاصرة تمكنها من تحقيق فوز لاحق إذا ما قدر لها ذلك.. وربما يدفع حركة فتح لإقامة تحالفات جديدة مع قوى اليسار والقوى الليبرالية في جبهة عريضة وطنية وعلى أسس من الشراكة والهم الوطني العام.
ويختتم حديثة قائلا: ولفوز حماس ايجابية كبرى أخرى ، قد تدفع الإسرائيليين إلى إعادة الحساب في مشروع الغطرسة والموت وإسرائيل الكبرى والاحتلال لأراضي الـ 67، وربما يبدأ المتنورون العقلاء منهم بالالتفات لقرار التقسيم الدولي(181) الذي يقسم فلسطين دولياً بين دولتين فلسطينية وإسرائيلية بديلاً عن إسرائيل الهلامية والاحتلالية وكخلاص من الموروث الحالي الذي سيؤدي بالمشروع الصهيوني إلى التهلكة.
سياسية الانبطاح..وقضيتان لقراءة المستقبل
| سعيد ابو معلا |
وفيما يتعلق بانعكاسات فوز حماس على الواقع السياسي الفلسطيني فيرى أبو معلا أن الموقف السياسي سيكون أصلب من موقف السلطة الماضية التي كانت تنبطح طمعا بالسلام وطلبا للتفاوض الشكلي الذي لم يقود لأي نتيجة عملية على ارض الواقع.
فساد مسؤولين متنفذين
أم الانعكاسات الاجتماعية فيقول أبو معلا: أعتقد أن القضية الأساسية تكمن في محاربة الفساد والانفلات الأمني ومكافحة ظواهر اجتماعية أخرى يعاني منها المجتمع الفلسطيني وهنا تكمن مشكلة في عناصر حركة فتح ذاتهم الذين خرجوا من خسارة قاسية وبالتالي سيكون هناك عرقلة لبعض جهود حركة حماس أو الحكومة المقبلة، وقضية مكافحة الفساد لا تقل أهمية عن ذلك، فالفساد الذي تعاني منه فلسطين هو بالأساس فساد مسؤولين متنفذين في فتح وربما منظمة التحرير وعلى مستويات دنيا وكذلك عليا.
ويضيف الكاتب والناقد لكن حماس تعي ذلك، وارى أن التحول سيجري بشكل حذر لكن الشعب الفلسطيني الذي انتخب حماس سيضغط على الحركة لتنفذ ما وعدت به على صعيد داخلي وهنا المشكلة تكون في محاولة حماس للحفاظ على ما وعدت به وبالتالي سمعتها.
أساس أخلاقي وتاريخ السلطة
وفي إجابة لابو معلا على سؤال فيما إذا كان صعود حماس للبرلمان الفلسطيني سيقود إلى حدوث تغيرات نوعية إيجابية في العلاقة بين النظام السياسي الفلسطيني والمواطن، وعلى نحو خاص بين السلطة والمثقف قال: العلاقة بين السلطة والمثقف لا يحددها البرلمان ولا صعود أي قوة سياسية مهما كانت، العلاقة بالضرورة يحددها المثقف ذاته الذي يجب أن يعمل لما يحقق مصالح المجتمع بالضرورة وليس مصالحه ذاته التي نرى أحيانا انها تنعزل عن المجتمع الذي دوما يردد أي المثقف انه هو ذاته جدوى وجوده. اما علاقة النظام والمواطن فاعتقد ان العلاقة ستكون أفضل بكثير لأسباب أولا اخلاقية تعلن عنها حماس في كل محافلها وهي مبنية على اساس ديني إسلامي يكرم الانسان ولا يمتهن كرامته، ولسبب التميز، فتاريخ السلطة السابقة حافل في امتهان المواطن وإهدار حقوقه الكثيرة.
مطلوب تعريف للنجاح المنشود
ويرى الناقد والكاتب سعيد أبو معلا أن ربط عملية النجاح الذي من الممكن تحقيقه من قبل حركة حماس مرتبط بتعريف مصطلح النجاح ذاته، حيث يقول: هذا يعتمد على تعريفنا لما هو النجاح المقصود، فما أراه نجاح قد يراه طرف آخر انه فشل، وهذا يحدث داخليا بفعل اختلاف الرؤي، وعربيا بفعل اختلاف الاجندات، وعالميا بفعل اختلاف السياسات.النجاح مرهون بالوضع الفلسطيني ذاته ومدى الإسناد العربي لدورها وأجندتها، ومدى قدرة حماس على عدم الاعتراف بإسرائيل مقابل إحراج إسرئيل ذاتها ونيل دعم حقيقي عربي نراه بالأفق على استحياء.
وأختتم قوله: أنا أرى أن حماس لن تعدم الوسيلة في حال تم الضغط عليها عربيا ودوليا، بمعنى لن تتنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني مقابل الضغط الذي نراه يوميا، وفي حال اشتداد الأزمة سيكون أمام حماس مصارحة الشارع الفلسطيني وإطلاعه على كل الضغوط ليكون القرار قراره وهو شعب لن يتنازل عن حقوقه مقابل المال أو الرضا الدولي، فمن يقدم روحة فداء أرضه وطلبا لحريته ويصبر على الاحتلال لن ينهزم أبدا.
انهيار منظمة التحرير وخيار دولي
| مهند صلاحات |
وتحدق صلاحات عن إنعكاسات هذا الإنقلاب الشعبي بالقول أنه يشكل تحول جذري في معطيات المنطقة كاملة من حيث انهيار منظمة التحرير أولا، وثانيا تجدد الخيار الدولي في التعاطي مع الإسلاميين البرغماتيين الوسطين الذين ظهروا بطرح جديد يوافق الأجندة الأمريكية والأوروبية في المنطقة، ففي حين يرى البعض أن الوضع الحالي يكتنفه بعض الغموض أرى من ناحيتي أن المسألة واضحة جداً من خلال أن التنسيق المسبق لهذه المرحلة كان قبل سنوات وهي المخرج الوحيد للإصلاحيين الجدد من حيث أن هذه الخطوة شجعت القيادة الفلسطينية الحالية في كبح جماح الفساد والفاسدين من ناحية، ومن ناحية أخرى أدخلت التيار الإسلامي إلى قلب حلبة المفاوضات مع إسرائيل.
المثقف الديني وتبادل في الأمكنة
وعن المستجدات التي سيفرزها فوز حماس على العلاقة بين النظام السياسي الفلسطيني والمواطن، وعلى نحو خاص بين السلطة والمثقف، قال صلاحات: على النطاق الشعبي فإن أول خطوة مهمة كانت بعيداً عن الطروحات السياسية والبرامجية، فإن الشعب في غالبيته في الوقت الحالي مطمئن للتغيير القادم من حيث التغيير في اجندة الفساد والمفسدين، ولكنه متخوف من ناحية الطرح السياسي للقيادة القادمة من حيث أجندتها وشكلها.
quot;أما على نطاق علاقة المثقف بالسلطة، بالتأكيد سيكون هنالك تغيرات جذرية في العلاقة بين السلطة والمثقف، فبروز المثقف الديني الذي يتعاطى مع الفكرة على أساس النص الديني، وكذلك ظهور المؤسسات الثقافية ذات الطابع الديني والتي ستأخذ جزء من حيز المؤسسات العلمانية الثقافية السابقة سيؤثر على العلاقة بين المثقف والسلطةquot;. على حد تعبير صلاحات.
الذي تابع مضيفاً: بالإضافة لذلك فإن تبدلاً في الأمكنة سيحدث من حيث صعود المثقف المعارض لأحضان السلطة، وهبوط المثقف السلطوي مرة أخرى لصفوف المعارضة والصدامية مع السلطة، لكن ما يكتنفه الغموض في الوقت الحالي هو مدى الرقابة الدينية التي ستمارسها الحكومة القادمة على مؤسسات المجتمع المدني والتي يعتبر الجزء الأكبر منها منابر المثقفين الليبراليين والإشتراكيين، وكذلك متنفسهم وداعمهم وخصوصا جيل المثقف الشبابي.
حماس ومعضلة المرحلة القادمة
وفي رده على سؤال فيما إذا كان حركة حماس ستنجح في المواءمة بين ثوابتها النابعة من الفكر الإسلامي، وبين المرونة السياسية التي يجب أن تتمتع بها لبناء العلاقة مع المثقف الفلسطيني ومع العالم برمته، وللتقدم في تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، في ظل واقع محلي وإقليمي ودولي بالغ التعقيد، قال: هنالك عدة نقاط يجب الوقوف عندها لننظر بجدية إلى قدرة حماس، فحماس بلا شك لم تكن تتوقع للحظة هذا الصعود الباهر لها أو النجاح بهذا الشكل، لذلك فهي قد تورطت في نجاحها.
ويضيف صلاحات: يبدو ذلك جلياً بحالة التخبط التي يعيشها قادتها السياسيين، ففي حين صرح مشعل بأن أمريكا ليست عدوا وأن بوش يحمل مفاتيح السلام في المنطقة، نجد أن الزهار يقول بأنه متمسك بسلاح المقاومة، وهذا تخبط واضح في مأزق حماس التي ستلجأ لا محال إلى بقية الأحلاف السياسية وباقي مؤسسات منظمة التحرير لتشكل حكومة وطنية معها كي تستطيع الخروج من هذا المأزق التي وقعت فيه، بالتالي تشكيل حكومة من خليط سياسي يحتوي عدة أطياف مختلفة في الطرح والأيدولوجيا سيعطي الفضاء الاجتماعي والسياسي الحالي مزيداً من المرونة ستصب في صالح حماس وتزيد من فرصة نجاحها، وبالتالي هذا سيزيد من فرصة الموائمة بين الطرح الثقافي والسياسي ولن يزيد الأمور تعقيداُ وخصوصاً بأن حماس بحاجة لكل ورقة سواء كانت مؤسسات مجتمع مدني أو كانت مثقفين أو قيادات سياسية أو أحزاب لتساعدها على النجاح في أول تحدي حقيقي لها على الصعيد العالمي.
تبدل وجوه
وأختتم صلاحات حديثه قائلا: ولا أرى أن الوضع القادم بالنسبة للمثقف والسلطة سيكون مختلفا عما مضى فالأجندة السياسية سواء التي كانت بيد فتح أو التي أصبحت بيد حماس اليوم لا تختلف كثيراً في جوهرها، خصوصا ان حماس لديها قيادة برغماتية قادرة على فهم الواقع بشكل أفضل والتعاطي معه وكسب كل الأطراف حولها، إلا أن المثقف الذي كان يقف في صف المعارض لبرنامج أوسلو لن يتغير عليه الموقف اليوم، فالذي تبدل اليوم هو وجوه وليست برامج سياسية.
















التعليقات