إيلي الحاج من بيروت : لم تكن مضت ساعات على استقرار الوضع في البقاع الأوسط عندما وصلت quot;إيلافquot; عبر طرق المتن الأعلى الجبلية إلى عاصمة البقاع زحلة، بدا واضحاً على وجوه الأهالي هناك أنهم لم يناموا طوال الليل، بسبب ترداد أصداء الإنفجارات وأزيز الرشقات النارية المختلفة الأعيرة، على ما قال بعض المارة في سوق المدينة الرئيسة. وبين فترة وأخرى كانت تعبر آليات للجيش اللبناني ، غالبيتها لفرقة المغاوير متجهة كلها بسرعة من المتن إلى سعدنايل وتعلبايا، البلدتين اللتين اشتبك أهاليهما فجأة لخلاف فردي ما لبث أن تطوّر. دقائق ويصل الزائر المتمهل من زحلة إلى سعدنايل وبعدها تعلبايا. لكنه يحتاج إلى دليل في تلك البقعة خلال ظرف كهذا يتحاشى فيه السكان التجوّل أو يخلدون إلى راحة افتقدوها بعد توتر شديد، دليل يطمئنون إليه ليتكلموا بدل لزوم الصمت كما يفعل معظمهم أمام من لا يعرفونهم خصوصاً أمام الصحافيين، إلا إذا رأوا كاميرا تلفزيونية ملائمة لتوجههم السياسي إلى حد ما فيشكون أمامها معاناتهم خلال المواجهات ويعرضون روايتهم التي تناقض رواية quot;الطرف الآخرquot;.
والأكثر حماسة هم الشبان المتحزبون سواء أكانوا من أنصار quot;حزب اللهquot; وحركة quot;أملquot; أم quot;تيار المستقبلquot;. أما الأهالي الأكبر سناً فبدوا جميعاً مذهولين لا يصدقون ما جرى بينما كانوا يتفقدون أضراراً لحقت ببعض الممتلكات. أضرار لا تتناسب وما قيل عن كثافة الإنفجارات الناتجة من إستخدام مدافع هاون صغيرة من عيار 60 ملم فضلاً عن القذائف الصاروخية quot;آر بي جيquot;.
يقول أحمد الستيني الذي كان يتفقد محله لبيع المواد الغذائية في سعدنايل إن القصف كان quot;لإثبات الوجودquot; وبث الرعب في نفوس من يتعرضون له أكثر مما كان لإنزال الخسائر في الأرواح والممتلكات، ومعظم القذائف سقط في الأماكن الزراعية والأراضي البور أو انفجر في الهواء لكن بعضها أصاب عدداً من المنازل وأوقع أربعة أو خمسة جرحى، غالبيتهم إصاباتهم طفيفة بالشظايا. لا يحب quot;أحمدquot; المشاكل ويلعن الحزازات والحساسيات المفتعلة التي فرقت بين مسلم سني ومسلم شيعي في المنطقة. لكنه لا يغفل إشارة إلى أن عدد الشيعة في المنطقة أصبح موازياً لعدد السنّة ، أي 22 ألفاً في حين أن المسجلين منهم في أقلام الإقتراع للإنتخابات النيابية 11 ألفاً فقط ، أي أن نصفهم أتى من مناطق أخرى.
وسعدنايل الملتصقة بزحلة هي في الأصل بلدة سنية في غالبية سكانها، وتضم حياً يسكنه الشيعة الذين ارتفعت أعدادهم خصوصاً بعد حرب صيف 2006 بين quot;حزب اللهquot; وإسرائيل. أما تعلبايا فهي بلدة مختلطة سكانها من السنة والشيعة والمسيحيين، وأكثر ما يلفت فيها بحسب أحد الكهول الذي توقف في الشارع الرئيس متفرجاً على تحرك دورية آليات للجيش إن السكان الشيعة والسنة يتزاوجون بعضهم من بعض، فكانت المواجهة في بعض أشكالها بين أبناء أخوال وعمات وخالات، أي بين أهل وعائلة واحدة . وطبعاً لا أحد من الفريقين يجيب على سؤال جوهري: من أين وكيف ظهر السلاح المدفعي والصاروخي ؟
ولا أحد يريد المعارك لا في تعلبايا ولا في سعدنايل. كل الناس مجمعون على هذه الثابتة كأنها فرض استظهار مدرسي وإن أتبعها عدد منهم لا سيما من الشبان بإظهار العزم على الدفاع عن الناس quot;إذا عادوا واعتدوا عليناquot;.
ولكن من اعتدى أولاً ؟ يستحيل الحصول على جواب واحد ومقنع، ولعل الذريعة غير مهمة ما دام ثمة في الجانبين من أرادوا أن يلقنوا الطرف الآخر درساً . علي وحسن وأحمد ومصطفى وعمر وبهية وليلى وحسين ومحمد وغيرهم من كل الأعمار الذين التقتهم quot;إيلافquot; في سعدنايل وتعلبايا لم يخرجوا بكلمة على الروايتين اللتين تبناهما quot;تيار المستقبلquot; وquot;حزب اللهquot; . روايتان تتمحوران على شخص اسمه حسين دندش اعتدي عليه في تعلبايا بحسب رواية الحزب فدافع عن نفسه وفر مهاجموه هرباً منه، وهم من عائلتي دنا حشيمي تحديداً. وعلى الأثر هاجم عشرات من quot;التيارquot; الحي ( الشيعي) الذي يقيم فيه دندش مما اضطر سكانه إلى الدفاع عن أنفسهم.
أما رواية quot;المستقبلquot; فتقول إن دندش فتح النار على عدد من الأهالي في ساحة تعلبايا وسبقت ذلك محاولة نحو 12 عنصرا مسلحاً في أربع سيارات خطف أشخاص من البلدة من عائلتي محيي الدين وقمرا. وبعد ساعات على فعلة دندش بدأت تعلبايا ومعها سعدنايل تتعرض للقصف من منطقة تسمى المزارع متصلة ببلدة الكرك الشيعية على طريق يسميها الأهالي السنّة quot;الحزام الشيعيquot; لأنها تتصل ببلدة حزرتا على هضاب زحلة في اتجاه أعالي المتن.
ويقسم معظم الذين تحدثوا في تعلبايا وسعدنايل إلى quot;إيلافquot; انهم لا يريدون الفتنة ويتمسكون بالجيش والقوى الأمنية وأن الفريق الذي ينتمون إليه كان المعتدى عليه المدافع عن نفسه. وهذا تكرار لذرائع من يخوضون الحروب الأهلية في أي بلد.
















التعليقات