تعاني ألمانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية من تناقص مستمر في عدد المواليد الجدد، وفي أحدث تقرير صدر هذا الشهر في هذا الشأن إشارة إلى التراجع الكبير في عدد المواليد الجدد لسنة 2010 مقارنة بالسنوات الأخرى. ما هي أسباب استمرار هذه الظاهرة؟ ربما ليس في ألمانيا وحدها ولكن في كل الدول الأوروبية تقريباً.


أشار تقرير صدر مؤخراً في ألمانيا حول تناقص عدد المواليد الجدد إلى أن هناك تراجعاً كبيراً في مواليد العام 2010 مقارنة بالسنوات السابقة. وبعد صدور هذا التقرير حذر مسؤولون ألمان وباحثون اجتماعيون من أن استمرار ظاهرة عدم الإنجاب بين الألمان، واستمرار هذا التناقص في عدد المواليد الجدد من شأنه أن يغير في التركيبة الديموغرافية في ألمانيا.

يذكر أن مواليد ألمانيا لهذا العام بلغوا قرابة 665.112 طفل فقط، أي أقل من مواليد العام الماضي بحوالي 17.000 طفل. وكان العدد في العام الماضي أقل عن عام 2008 ب 30 ألف طفل. وهذا التراجع الخطير في عدد المواليد في ألمانيا دفع بكثير من المسؤولين السياسيين والحزبيين والخبراء الإجتماعيين للإهتمام بالظاهرة والتحذير من استمرارها.

ظاهرة لا تجلب السعادة للألمان

يقوم الباحثون الألمان منذ عدة أعوام بدراسة هذه الظاهرة في محاولة لإيجاد الحلول لها، ومن ثم إيجاد أفضل الطرق لإقناع الشباب بأهمية الأسرة والأطفال. وفي هذا السياق يؤكد الخبراء على الآثار السلبية التي تخلفها ظاهرة عدم الإنجاب في ألمانيا وهي ظاهرة خطيرة جداإن لم تعمل ألمانيا على وقفها فإن ذلك قد يؤدي إلى تغير التركيبة السكانية في البلاد التي تعيش فيها جاليات أجنبية كبيرة أكبرها هي الجالية التركية المسلمة. من جهة أخرى أشارت الدراسة إلى أن نقص المواليد يشمل كل أرجاء ألمانيا بشطريها الشرقي والغربي.

الحكومة لا تجد الحل

رغم التقدم التقني الكبير في ألمانيا إلا أن الأحزاب السياسية والحكومات الألمانية المتعاقبة لم يكن بمقدورها تشجيع المواطنين الألمان على الإنجاب للحفاظ على الخريطة الديموغرافية للبلاد. ولم تستطع الحكومة تقديم حلول ناجعة لمشكلة تهدد كيان الدولة على المدى الطويل. ويقول منتقدو الحكومة أن السياسين الألمان يعتقدون أن إنجاب الأطفال يلزمه أن تتمتع الأسرة بغطاء مالي يساعد في النفقات المالية، ويتفقون على أن توافر المادة هو شرط أساسي قبل البدء في تكوين أسرة.

لكن قد يبدو الحل الوحيد في نظر الحكومة هو توفير ما يلزم للأطفال الصغار من ناحية التوسع في بناء رياض جديدة للأطفال، وتوفير بعض المساعدات المالية للأهالي، غير أن ذلك لم يؤد إلى المساعدة في إنجاب المواليد الجدد وفق ما كان يعتقد.

في عام 2008 شرعت الحكومة الألمانية في صرف بدل نقدي للآباء حتى يتمكنوا من المساعدة في رعاية أطفالهم في المرحلة العمرية الأولى بعد الولادة. وقد صادف زيادة نسبية في عدد مواليد هذه السنة لكن خبراء ألمان يقولون أن زيادة المواليد لم تكن بسبب هذا البدل النقدي لأن زيادة المواليد حدثت في معظم الدول الأوروبية في تلك السنة.

يريدون الإنجاب ولكن..

بدأ انخفاض المواليد تحديداً في سنوات السبعينيات في ألمانيا، وقبل ذلك كانت الأمور تسير بشكل طبيعي في أعوام الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لكن خبراء الأسرة الألمان يرون أن إنجاب الأطفال بكثرة في ألمانيا هو أمر ممكن ويمكن القول أن الكثير من الأسر الألمانية لديها الرغبة الحقيقية في إنجاب أطفال.

هذا طبعا من الناحية النظرية لكن التحدي الأوحد هو ما أفرزته الثورة الصناعية، من العمل في تلك المجتمعات الصناعية وما يلزمه من وقت طويل وفي فترات الراحة لا يجد الإنسان وقتاً للأطفال لأنه يكون مهموماً بالبحث عن الترفيه عن النفس والنقاهة والراحة بعيداً عن أجواء العمل وصخب الحياة، لذلك يسافر الألمان كثيرا في الإجازات إلى الخارج أو ينهمكون في ممارسة الألعاب الرياضية أو قضاء الأوقات الطويلة أمام الإنترنت، مما يجعلهم فعلياً غير قادرين على التفرغ للأطفال.

ويتساءل كثير من الألمان عن استمرار هذا الوضع الحالي؟ وكيف ستصبح ألمانيا مع استمرار تناقص المواليد؟ وما يمكن للحكومة الألمانية فعله؟ هي أسئلة مطروحة على الساحة الألمانية. لكن لن يكون بمقدور أحد الإجابة عليها في الوقت الراهن لأن الملف مفتوح أمام الساسة والخبراء، وسياسة البحث عن حل هي بالفعل تجري على قدم وساق.