أثار تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول الحريات الدينية في مصر سخط القوى السياسية والدينية على مستوى الكنيسة والأزهر الشريف، لاسيما أنه يصنف مصر ضمن مجموعة من الدول التي تنتهك فيها الحريات الدينية للأقليات بصورة صارخة، ووضعها في سلة واحدة مع دول مثل: أفغانستان والعراق، وباكستان.


رغم أن تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول الحريات الدينية في مصر يرصد حالة الحريات الدينية خلال العام 2010، إلا أنه تخطاه إلى العام الحالي 2011، وانتقد ثورة 25 يناير، واعتبر أن تأثيرها سيئ على الأقليات الدينية في مصر، الأمر الذي أثار الكثير من علامات الإستفهام حوله. واتهم المراقبون أميركا باستخدام ورقة الحريات الدينية سياسياً في الضغط على مصر بعد الثورة.

علامات إستفهام

ووفقاً للمرشح الرئاسي المحتمل أيمن نور فإن التقرير منحاز ضد مصر، و يتحامل عليها بشكل غير مبرر، مشيراً إلى أن التقرير يغطي العام الماضي 2010، ودائماً ما تنحصر تقارير وزارة الخارجية بشأن الحريات الدينية في الفترة التي يناقشها ولا يتخطاها أبداً، باستثناء التقرير الحالي، وهو ما يطرح علامات استفهام حول ما إذا كانت هناك أهداف سياسة وراء التقرير أم لا؟

وأضاف نور لـ quot;إيلافquot; أن مصر لا يمارس فيها الإضطهاد الديني، ولا تعاني الأقليات تضييقا في إقامة الشعائر الخاصة بها، ولا يمكن أبداً أن توضع مصر مع أفغانستان وباكستان والعراق في سلة واحدة، لافتاً إلى أن ثورة 25 يناير شارك فيها المسلم والمسيحي جنباً إلى جنب، وهما الآن يبنون دولة جديدة على أسس الديمقراطية والحرية وإعلاء قيم المواطنة والمساواة.

محاولة للضغط على مصر

فيما وصف محمد الشحات أمين عام مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر التقرير بأنه يحمل الكثير من المغالطات، مشيراً إلى أن تجاهل حساسية الفترة الإنتقالية التي تمر بها مصر، وما يصاحبها من انفلات أمني.

وقال لـquot;إيلافquot; إن وضع مصر مع دول مثل أفغانستان وباكستان والعراق يمثل ظلماً واضحاً لها، لافتاً إلى أن التقرير تجاهل الظلم الذي تعرض له الشعب المصري المسيحي والمسلم أثناء فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك، وتجاهل كذلك المكتسبات التي حصلوا عليها بعد الثورة باعتبارهم الشريك الأساسي فيها.

التقرير وأحداث السفارة الإسرائيلية

وحسب وجهة نظر أحمد علي، أستاذ سيكولوجيا الأديان في الجامعة الأميركية، فإن ما حدث من مواجهات طائفية بين المسلمين والمسيحيين بعد الثورة لا يمكن مناقشته إلا في إطار المرحلة الإنتقالية، ولا يمكن ذلك بمعزل عن حالة الإنفلات الأمني التي تعم البلاد بشكل عام.

وتوقع مواجهات مسلحة شبه يومية بين عائلات ومجموعات من البلطجية ومواطنين عاديين. وأضاف لـquot;إيلافquot; أن الدولة بكافة سلطاتها لا تتعامل بأي نوع من التمييز ضد الأقباط، وهم يمارسون حقوقهم الوطنية والدينية بكل حرية، مشيراً إلى أن صدور التقرير في هذا التوقيت وبعد أحداث السفارة الإسرائيلية وتوتر العلاقات بين مصر وإسرائيل، وحدوث تقارب بين مصر وتركيا على حساب علاقات الأخيرة من تل أبيب يجعل منه تقريراً سياسياً بحتاً، لاسيما أنه تجاهل الفترة التي من المفترض أنه يرصد الحالة الدينية فيها ألا وهي العام 2010، وتجاوزها إلى العام الحالي 2011، الذي اندلعت فيه الثورة وأزاحت الرئيس السابق حسني مبارك المعروف بولائه لأميركا وإسرائيل.

تقرير سياسي

كنسياً، سار الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة في الإتجاه ذاته، ولم يبحر عكس التيار، وقال لـquot;إيلافquot; ولا دخل للكنيسة به، مشيراً إلى ضرورة أن ترد عليه وزارة الخارجية المصرية، وليس الكنيسة، وأضاف أن البابا شنودة يرفض أساساً تدخل أية جهة خارجية في الحديث عن حقوق الأقباط في مصر، ولم يلتق أي من الأفراد الذين أعدوا هذا التقرير، وأشار إلى أن المرحلة الإنتقالية التي تمر بها مصر مرحلة دقيقة وحساسة، يسعى فيها الجميع من أجل بناء دولة مدنية تقوم على احترام الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات، وتحترم حقوق الأقباط، لكنه لم ينف تصاعد التيار السلفي المتشدد، داعياً الدولة إلى ضرورة التصدي له.

حقائق لا يمكن تجاهلها

غير أن المستشار نجيب جبرائيل محامي الكنيسة لم يتفق مع سابقيه في ما ذهبوا إليه، مشيراً إلى أن التقرير يحمل بعض الحقائق، و لا يجب انتقاده لمجرد أنه صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، وقال لـquot;إيلافquot; إن مصر شهدت خلال الفترة التي أعقبت نجاح الثورة في إسقاط نظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك العديد من الحوادث الطائفية التي انتقصت من حقوق الأقباط، ووقعت حوادث قتل وإحراق لكنائس ومتاجر مملوكة لأقباط، ولم يتم تقديم الجناة للمحاكمة، فضلاً عن التباطؤ في محاكمة بعض من قدموا للقضاء، ونوه جبرائيل بأن قانوني الأحوال الشخصية للمسيحيين وبناء دور العبادة لم يصدرا حتى الآن.

ولم ينس جبرائيل التأكيد على رفض الأقباط للتدخل الأميركي في شؤونهم الداخلية مع إخوانهم المسلمين، لكنه أكد في الوقت ذاته رفض موجة التشدد الديني التي طفت على السطح بعد الثورة، وما تبعها من دعوات لإقامة حكم إسلامي، مشيراً إلى أن المسيحيين يشتركون مع الغالبية العظمى من المصريين في الدعوة لإقامة دولة مدنية.

واعتبر جبرائيل أن ما يحدث خالياً من خلافات طائفية أو تشدد ديني هو جزء مما زرعه النظام السابق الذي حرم جميع الفئات من التعبير عن رأيها بحرية، ويمارس القهر ضد الجميع مسلمين ومسيحيين.