تداعيات الربيع العربي تخيف الأقليات الدينية في المنطقة

تسبب الأحداث في سوريا قلقا للأقليات الدينية في المنطقة، وما زاد من خطورة الأوضاع بالنسبة إليهم هو انهيار الأنظمة الحاكمة في كل من تونس ومصر وليبيا، ما يهدد باحتمالية صعود تيار الإسلام السياسي، في صورة جماعة الإخوان المسلمين.


القاهرة: حين وصف بشارة الراعي، بطريرك الكنيسة المارونية في لبنان، هذا العام، سوريا بأنها quot;أقرب ما تكون إلى الديمقراطيةquot; في العالم العربي، وحين أثنى اغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك أنطاكية والمسيحيين اليونانيين الأرثوذكس في سوريا، على نظام بشار الأسد الوحشي بسبب الإصلاحات التي قام بإجرائها، فإن هذا لم يكن نوعاً من أنواع انحراف رجال الدين الأخروي. ومع هذا، فإنهم كانوا يوصلون، على نحو غير دقيق، حالة عدم الارتياح بين المسيحيين العرب بشأن ثورة سوريا ضد الطغيان.

وفي هذا الصدد، أشارت اليوم صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية إلى أن الأوضاع في سوريا، دوناً عن غيرها من بلدان المنطقة التي شهدت تداعيات موجة الربيع العربي، هي أكثر ما تقلق قادة عدد كبير من الأقليات الدينية في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضحت أن تخوف هؤلاء القادة قائم على احتمالية الإطاحة بإحدى الأقليات ndash; وهم العلويون - التي تحكم من خلالهم عائلة الأسد البلاد منذ أكثر من أربعة عقود ndash; وهو ما سيتيح الفرصة لظهور شياطين طائفية تهدد جميع الأقليات الموجودة في المنطقة.

ونوهت الصحيفة في هذا الصدد بالذكريات المؤلمة التي عاشها العراق، في أعقاب الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، وتداعيات المذابح العرقية والطائفية التي تلت ذلك على الشعب في الداخل وعلى المنطقة بأسرها في الخارج. ولذلك، أكدت الصحيفة أن تلك الثورات ستكون بحاجة لبناء كل شيء بدءا من سيادة القانون وانتهاءً بثقافة سياسية تعددية، لكي تضمن النجاح. ورأت الصحيفة أن الاختبار الأكبر الذي ستواجهه الصحوة العربية سيتمثل في درجة الحس والإنصاف الذي ينتظر أن يتعامل بها النظام الحاكم الجديد في المنطقة مع الأقليات، وبخاصة الذين يعيشون في بلدان مثل سوريا، تعتبر موطناً لنسيج هش من الطوائف والجماعات العرقية.

ومضت الصحيفة تحذر من أنه في خضم تلك الاضطرابات، باتت الأقليات (كالمسيحيين والعلويين والدروز ) مهددة بأن تصبح في مرمى نيران النضال الإقليمي الشامل داخل الإسلام بين الأغلبية السنية في المنطقة وبين الشيعة. وأضافت الصحيفة أنهم وباعتبارهم أقلية مهمشة من المسلمين حول العالم على مدار ستة قرون، فقد حشد الشيعة قوة حقيقية طوال العقود الثلاثة الماضية، ليس فقط في العراق.

وما زاد من خطورة الأوضاع بالنسبة إلى الأقليات في المنطقة بشكل أكبر هو انهيار الأنظمة الحاكمة في كل من تونس ومصر وليبيا على مدار العام الماضي، وهو ما جاء ليهدد باحتمالية صعود تيار الإسلام السياسي، بشكل أساسي في صورة جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبر أقدم وأفضل جماعة إسلامية سنية منظمة في العالم العربي.

وأوضحت الصحيفة أن المسيحيين ينظرون إلى التيار الإسلامي باعتباره قفزة إلى عالم المجهول. ونقلت عن المطران بولس مطر، رئيس أساقفة بيروت للموارنة، قوله :quot; حين يصل الإسلاميون إلى السلطة، هل سيجلبون معهم أفكارًا تنتمي للعصور الوسطى أو عقلية جديدة من المساواة ؟ quot;. وعبر كذلك الزعيم الدرزي، وليد جنبلاط، عن تخوفه من أن يتسبب الصراع السني ndash; الشيعي بطحن الأقليات بين حجرين.

وتابع حديثه quot; دور الدروز السياسي انتهى، وهو ما ينطبق كذلك على المسيحيين. وسيتركز اهتمام الأقليات من الآن فصاعداً على الشيعة، لاسيما في لبنان، حيث يسيطر حزب الله على معظم البلادquot;. فيما قال فلاح مصطفى، مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كردستان، إن العراق قد ينغمس مرة أخرى في الجحيم، من خلال المواجهة القائمة بين حكومة نوري المالكي متزايدة الاستبداد وبين الأقلية السنية.

ونتيجة الواقع السياسي لهذا الصراع، فضّل المالكي أن يقف إلى جوار نظام الأسد، تخوفاً من أن تصل جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في سوريا. وتابعت الصحيفة في الإطار ذاته بقولها إن الخيار أكثر وضوحاً للأقليات المعرضة للخطر بشكل أكبر من الشيعة، سواء بالتشبث بالأنظمة التي تقدم غطاءً أمنياً أو بمواجهة خطر صعود التيار الإسلامي الذي يخشون من أن يقضي مستقبلاً على الحريات الدينية.

وقالت الصحيفة إن التوترات الحاصلة في مصر، على سبيل المثال، بين المسلمين والأقباط، يبدو أنها تُثار جزئياً من قبل أفراد الجهاز الأمني للرئيس المخلوع مبارك، الذين يهدفون في ما يبدو على إجبار المواطنين على الاختيار بين النظام القديم والفوضى.

وفي سوريا، يلعب نظام الأسد على الوتر الطائفي. حيث يستهدف الأقليات كالمسيحيين والدروز ويخبرهم بضرورة أن يقفوا إلى جانبه، لأنه إن سقط، فسيلقون المصير نفسه، في مواجهة الأغلبية السنية التي يصوّرها النظام بأنها أصولية. وقال محمد مطر، وهو محامٍ شيعي لبناني بارز، إن جميع الأنظمة العربية تقيم نفسها على معادلة طرفيها : إما أن تحظى باستقرار معنا أو أن تعيش في فتنة.
وأشار سمير فرنجية، وهو مفكر ينتمي إلى تيار اليسار الوسط وهو من أسرة مارونية بارزة في لبنان، إلى أن لب المسألة يتمثل في أنه وللمرة الأولى توجد الآن محاولة حقيقية لتحديد مسار إسلامي للديمقراطية ويختار المسيحيون الوقوف مع أباطرة العالم العربي.

وعاود مطر ليقول :quot; الضمان النهائي للأقليات هو سيادة القانون، أي الإجراءات القانونية الواجبة والحقوق المدنية وحقوق الأقليات وأن تكون مواطناً في داخل الدولة التي تتمسك بتلك الحرياتquot;. وأضاف مطر في نهاية حديثه أنه وبعيداً عن كل هذه الحسابات والتقديرات، تبقى نافذة الأمل مفتوحة من خلال تلك الصحوة العربية الجديدة.