مع تصعيد المعارضة السودانية تحركها ضد نظام المشير عمر حسن أحمد البشير، فإن هذا العسكري الذي يعتبر quot;عميد الحكام العربquot; بعد مقتل العقيد معمر القذافي، صعّد، في أسلوب التفافي على تردي الأوضاع في بلاده، الأزمة مع دولة جنوب السودان، من خلال أمر بوقف ضخ كل صادرات النفط من جنوب السودان، متهمًا إياها بدعم المتمردين في بلاده.


نصر المجالي: في الوقت الذي حثّ فيه البشير (71عامًا)، المطارد من قبل المحكمة الجنائية الدولية، الشباب السوداني على الإلتحاق بالجيش والاستعداد quot;للجهادquot;، فإن حركة المعارضة الرئيسة في السودان دعت يوم السبت إلى تنظيم احتجاجات حاشدة للإطاحة بالرئيس عمر البشير، قائلة إن عمليات التمرّد في البلاد والأزمة الاقتصادية جعلت الرئيس ضعيفًا ومكروهًا.

وأعلنت المعارضة عن تدشين العمل الجماهيري لخطة المئة يوم لتحالف المعارضة من أجل إسقاط النظام، وquot;نبدأ اليوم وخلال الأيام المقبلة ندوات جماهيرية في العاصمة وكل مدن السودان، ونتوقع انتهاء النظام قبل نهاية المئة يومquot;.

لم يتمكن معارضو البشير من استغلال السخط الشعبي، الذي أثاره ارتفاع أسعار الغذاء، منذ انفصال جنوب السودان في عام 2011 مستحوذًا على معظم إنتاج النفط السوداني. ولايزال البشير، الذي تولى السلطة منذ عام 1989، يتمتع بدعم الجيش والجماعات الإسلامية ذات النفوذ.

عجز المعارضة
يقول بعض منتقدي المعارضة إن قيادتها تعجز عن تشكيل تحدٍّ حقيقي للسلطات نظرًا إلى انغماسها في المشاحنات السياسية والخلافات الداخلية. فضلًا عن ذلك، هناك عدد من شخصيات المعارضة، مثل حسن الترابي، كان في السابق على صلة بالبشير، مما يقوّض مصداقية المعارضة بين الكثير من السودانيين.

وغيّرت المعارضة نهجها هذا العام، وأعلنت في يناير/ كانون الثاني أنها ستنسّق مع تحالف لجماعات متمرّدة تسعى إلى الإطاحة بالبشير، وتتمركز في إقليم دارفور في غرب البلاد وولايتين حدوديتين في الجنوب. ومن بين أعضاء الجبهة الثورية، حركة العدل والمساواة في دارفور، التي هاجمت الخرطوم في عام 2008.

وذكر أبو عيسى أن المعارضة تعمل مع تحالف المتمردين، الذي يعرف باسم الجبهة الثورية السودانية، رغم أن تحالف قوى الإجماع الوطني يختلف مع أساليبه العنيفة. وأضاف quot;الجبهة الثورية هو حليف استراتيجي لنا، للمحافظة على ما تبقى من وحدة السودان. نختلف معهم في الوسائل والعمل العسكري، ولكن هدفنا جميعًا واحد، هو إسقاط النظامquot;.

الحشد ضد الحكومة
وقال تحالف قوى الإجماع الوطني، الذي يضم أحزاب المعارضة الرئيسة، إنه قرر الدعوة إلى احتجاجات حاشدة، نظرًا إلى أن الحكومة تفقد شعبيتها سريعًا. وأضاف أن البشير قد يرحل عن السلطة في غضون ثلاثة أشهر.

أما فاروق أبو عيسى رئيس التحالف للصحافيين فرأى أن quot;النظام الآن في أضعف حالاته، فهناك حرب أهلية في معظم ولايات البلاد، وهناك أزمة اقتصادية حادة، والمواطن يعاني لكي يوفر طعامه وخدمات، من صحة وتعليم، انهارت تمامًا... هناك حالة من الغضب الشعبي على الحكومة... الفساد أصبح هو الصفة الغالبة للنظام في كل مرافقه... النظام انتهى ومات، ونحن سنقوم بدفنه بعد فقدان أسباب وجودهquot;.

وأضاف أبو عيسى: quot;نبدأ بندوات في أطراف العاصمة، ثم ندوات في وسط المدن الثلاث (الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري) والجامعات وكل مدن السودان... نريد تحاشي أي نقطة دم سودانية، ووقف الحرب بالتغيير السلميquot;. وشنت الجبهة الثورية هجومًا كبيرًا في وسط السودان في أبريل/ نيسان، لإجبار الجيش على القتال في جبهات عدة، في ما تصفه بحرب استنزاف.

وقف إمدادات النفط
وفي خطوة لتأجيج الرأي العام الداخلي وفي التفاف على تحرك المعارضة، أمر الرئيس السوداني عمر حسن البشير بوقف ضخّ كل صادرات النفط من جنوب السودان اعتبارًا من اليوم الأحد، قائلًا إن جوبا تدعم المتمردين في بلاده، وذلك في خطوة قد تدفع الجارتين إلى شفا المواجهة من جديد، بعد سلام نسبي دام أشهراً.

وحثّ البشير الشباب على الالتحاق بالجيش، والاستعداد quot;للجهادquot;. ولم يحدد الرئيس السوداني quot;العدوquot; في هذا الصراع، لكن قائد قوات الدفاع الشعبي في السودان قال إن رجاله مستعدون لمواجهة جنوب السودان.

جاء الأمر بإغلاق خط أنابيب النفط بعد ثلاثة أشهر من إنهاء البلدين خلافًا عميقًا بشأن تصدير الخام. ويحمل خط الأنابيب النفط من جنوب السودان عبر السودان إلى ميناء على البحر الأحمر، وهو الطريق الوحيد لتصدير نفط الجنوب إلى الأسواق العالمية.

وقالت وكالة السودان للأنباء quot;سوناquot; إن البشير أمر وزير النفط السوداني عوض الجاز quot;بمخاطبة الشركات العاملة في نفط جنوب السودان بإغلاق الأنبوب الناقل لبترول الجنوب اعتبارًا من اليوم الأحدquot;.

وانفصل جنوب السودان عن السودان في عام 2011 بعد حرب استمرت عقودًا، واتفقا في مارس/ آذار على استئناف ضخ النفط، بعد توقف دام 16 شهرًا، بسبب خلاف على رسوم العبور وخلافات على ترسيم الحدود. وبدأ استئناف ضخ النفط عبر خط الأنابيب في مايو/ أيار استعدادًا لتصديره من ميناء بورسودان.

البشير يعلن الجهاد
ونقلت وكالة السودان للأنباء عن البشير قوله quot;السودان لن يسمح بتصدير نفط دولة الجنوب لاستخدام عائداته في دعم المتمردين والمرتزقة ضد السودانquot;. وأضافت الوكالة quot;دعا البشير الشباب إلى الانخراط في صفوف الجهاد، ووجّه بفتح معسكرات القوات المسلحة والدفاع الشعبي اعتبارًا من الغدquot;.

من شأن تأكيد وقف ضخ النفط أن يبدد الآمال في شريان اقتصادي للبلدين الفقيرين، اللذين كانا يعتمدان في السابق على صادرات النفط والرسوم الخاصة بها، في تحصيل جزء كبير من دخل الدولة. ورقص البشير ملوّحًا بعصاه الشهيرة، وحث الشباب في خطاب بثه التلفزيون على الالتحاق بالجيش وقوات الدفاع الشعبي.

وقال عبد الله الجيلي المنسق العام لقوات الدفاع الشعبي - وهي وحدة شبه عسكرية مفتوحة للمتطوعين - لوكالة quot;سوناquot; إن رجاله سيعملون على quot;التصدي لمحاولات دولة جنوب السودان زعزعة استقرار البلادquot;.

وجدد وزير الإعلام في جنوب السودان برنابا بنجامين نفي بلاده دعم المتمردين، الذين يسعون إلى الإطاحة بالبشير أو تسليحهم. وقال بنجامين لرويترز quot;لم يتم إبلاغنا بشيء عن ذلك (وقف تدفق النفط) حتى الآن. كنا قد اتفقنا على استئناف ضخ النفطquot;.

وأضاف أن أي خلافات بين الجارتين يجب حلها عن طريق الاتحاد الأفريقي، الذي توسط في الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه في مارس/ آذار، وأفسح المجال أمام استئناف صادرات النفط.

انقلاب 1989
يذكر أن عمر حسن أحمد البشير، الرئيس الحالي لجمهورية السودان ورئيس حزب المؤتمر الوطني، كان قاد انقلابًا عسكريًا على حكومة الأحزاب الديموقراطية برئاسة رئيس الوزراء في تلك الفترة الصادق المهدي، وتولى البشير بعد الانقلاب منصب رئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني في 30 يونيو/ حزيران 1989، وجمع بين منصب رئيس الحكومة ومنصب رئيس الدولة الشرفي.

وفي 26 أبريل/ نيسان 2010 أعيد انتخابه رئيسًا في أول quot;انتخابات تعدديةquot; منذ استلامه للسلطة. وتعرّض البشير للكثير من الانتقادات والاتهامات من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية خلال السنوات السابقة، حيث أثارت فترة حكمه جدلًا واسعًا بسبب اشتراك مجندين تابعين لحكومته أو موالين لها في جرائم الحرب في البلاد، سواء في دارفور أو في جنوب السودان.

يشار إلى أن حكم البشير تعرّض لانقلابات كثيرة، أبرزها: quot;انقلاب رمضانquot; عام 1990 بقيادة الفريق خالد الزين نمر، واللواء الركن عثمان إدريس، واللواء حسن عبد القادر الكدرو، والعميد طيار محمد عثمان كرار حامد، لكن الانقلاب فشل كليًا، وألقي القبض على 28 ضابطًا، وتم إعدامهم في محاكمات عسكرية.

وفي أواخر عام 1999، حلّ البشير البرلمان، بعدها أصبح الترابي أشهر معارض للحكومة وأمينًا عامًا لحزب المؤتمر الشعبي المعارض في السودان، وتعرّض للاعتقال مرات عدة.

الجنائية الدولية
يذكر في الختام، أنه في 14 يوليو/ تموز 2008 أصدر المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو مذكرة توقيف بحقه في قضية دارفور، وذلك لاتهامات بأنه ارتكب جرائم حرب في إقليم دارفور، وطلب تقديمه إلى المحاكمة.

وكانت تلكالمرة الاولى التييتهم فيها رئيس أثناء ولايته، على الرغم من أن السودان غير موقع على ميثاق المحكمة، ووصفت الحكومة السودانية الاتهام بأنه quot;استهداف لسيادة وكرامة وطنهمquot;، وأن المحاكمة quot;سياسية فقط، وليست محكمة عدلquot;، واتهمت المحكمة بإزدواجية المعايير.