قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


تقتضي الحاجة الملحة لتجاوز الازمة الاقتصادية الراهنة التي تعيشها البلاد، وتملي ضرورة المساهمة في اخراج جزء كبير من النقاش والسجال السياسي الراهن من دائرة الهشاشة والعقم، ولاجل ايجاد القواسم المشتركة في الاقتصاد بعد ان عجزت السياسة، لابد من مبادرة القوى السياسية العراقية كافة، وبشكل خاص من قبل قائمة دولة القانون والقائمة العراقية، في طرح المشروع الاقتصادي الوطني العراقي الذي اصبح مطلبا ملحا لكافة ابناء الشعب العراقي المكافح والصابر.

لقد تضمنت بعض البرامج الاقتصادية التي تقدمت بها الكتل السياسية قبل الانتخابات النيابية الاخيرة، قضايا اقتصادية اساسية ومهمة، ذلك على الرغم من ان هذه القضايا طغى عليها طابع التعميم ولم يتم طرحها للنقاش الشعبي الموسع. وباشتراط ايمان الكتل السياسية العميق بما طرح ضمن هذه البرامج من قضايا، وتوفر الارادة والتصميم على تنفيذها، فأن البحث، كما اعتقد، عن نقاط الاشتراك ضمن هذه البرامج قد يساهم في عملية صياغة مشروع اقتصادي وطني عراقي، وقد يسرع في انهاء ازمة البلاد السياسية والاقتصادية الراهنة.

ساهمت تصريحات وزير التخطيط العراقي السيد علي بابان، والتي ادلى بها مؤخرا لوسائل الاعلام، في تقديم ادلة واضحة وصارخة على استمرار الغياب المؤسف للمشروع الاقتصادي الوطني العراقي. لقد مرت سبعة اعوام على سقوط النظام الدكتاتوري المتخلف السابق، تحقق خلالها ارتفاع مستمر في عوائد العراق النفطية، والغاء جزء مهم من ديون العراق الخارجية، وتراكم الاحتياطيات المالية للدولة، واستمرار التحسن النسبي في الوضع الامني وتقلص التواجد العسكري لقوات الاحتلال وانحسار الارهاب. على الرغم من كل هذه التطورات، يشير السيد وزير التخطيط، صراحة او ضمنا، الى استمرار احتلال القضايا الاقتصادية للبلاد موقعا ثانويا ضمن نقاشات القوى السياسية العراقية. كذلك، يوضح السيد الوزير الاثار السلبية من استمرار ضعف كفاءة اداء مؤسسات الدولة والارتباك وغياب التنسيق في قراراتها على الاداء الاقتصادي وتفشي الفساد، وعلى تنفيذ الخطط والبرامج التي تضعها وزارة التحطيط. ايضا، يشير السيد الوزير الى النتائج غير الايجابية لتهميش دور وزارة التخطيط وتقليص صلاحياتها وافتقاد الوزارة للكوادر والخبرات العراقية، ناهيك عن تذكيره بأن دول مجاورة تطبق حاليا تجارب العراق السابقة في مجال التخطيط والادارة الاقتصادية.

وتبدو تداعيات هذا الغياب المستمر لمشروع اقتصادي وطني عراقي واضحة بجلاء من خلال استمرار الازمة الاقتصادية العامة التي تطحن الشعب العراقي المكافح والصابر، والذي لازال يعاني من فقدان فرص العمل والضمان الاجتماعي والسكن والعيش الكريم وتردي الخدمات العامة من ماء وكهرباء وصحة وتعليم. كذلك، لازال غياب المشروع الاقتصادي الوطني العراقي يشكل سببا اساسيا في استمرار محاولات الابتزاز وفرض الشروط من اطراف دولية عديدة بدوافع تحقيق المصالح الانية اوالمخاوف المحتملة من نهوض البلاد وتقدمها. ايضا، ان غياب المشروع الاقتصادي الوطتي العراقي لازال يشكل مصدر ضياع لفرص التوصل الى ايجاد القواسم المشتركة بين القوى السياسية للخروج من الازمة الراهنة في تشكيل الحكومة وتداعيات هذه الازمة السلبية المؤسفة والخطيرة.

ان الدعوة لبدأ النقاش الموسع والعاجل حول المشروع الاقتصادي الوطني العراقي لايحتمها فقط الحرص على العراق ارضا وشعبا، وانما هي ايضا تجسيد لدعوات العديد من الاقتصاديين العراقيين ذوي الخبرة والنزاهة والشعور الوطني العميق واخص بالذكر منهم الدكاترة والاساتذة كل من صبري زاير السعدي وكاظم حبيب ووليد خدوري وزهير القاسم وطارق شفيق ورائد فهمي وصالح الياسر واحمد البريهي..... وهنا، لابد من التذكير بما ذكرته في الحوار المطول الذي اجرته معي هذه الصحيفة بتاريخ 6/4/2010، والذي اشرت فيه الى ان الشروط الاساسية لنجاح هذا المشروع تتمثل في ان يكون مشروعا هيكليا، مؤسسيا، تحرريا، عراقيا واجتماعيا:-

1- ان يكون مشروعا هيكليا يهدف الى اعادة التوازن لبنية الاقتصاد العراقي المعتمد كليا على العوائد المالية التي مصدرها انتاج وتصدير النفط الخام. لقد برهنت التجارب المريرة السابقة التي مر بها العراق على ان الاعتماد السافر على العوائد النفطية قاد الى تعزيز الميول الى احتكار السلطة والتعسف في ممارستها وقمع تطلعات الشعب للحرية والديمقراطية، وادى كذلك الى ضعف مناعة البلاد امام الضغوط الخارجية، وساهم هذا الاعتماد على العوائد النفطية، ايضا، في تقويض اسس تطبيق سياسات اقتصادية وطنية مستقرة وفعالة.

ولاشك في ان التأكيدات على تنويع الايرادات المالية في الميزانية الاتحادية، وتخطيط الانفاق الاستثماري، وزيادة الاستثمارات في القطاع النفطي وفي البنى التحتية والقطاعات غير النفطية، وتبني قانون للنفط والغاز وتفعيل شركة النفط الوطنية، هي تاكيدات تتضمنها معظم البرامج الاقتصادية التي تقدمت بها الكتل السياسية خلال الانتخابات الاخيرة. ولا جدل حول اهمية تضمين هذه البرامج الاولوية في ضخ العوائد النفطية كاستثمارات في قطاعات المشتقات النفطية والكهرباء والمواصلات والزراعة والتعليم والصحة، حيث الترابط الوثيق بين هذه القطاعات وبقية النشاطات الانتاجبة الاخرى واثارها الايجابية على خفض معدلات البطالة والفقر. غير ان التركيز على اهمية الوسائل، في حالة غياب الوضوح في الاهداف، قد يؤدي الى ان الوسائل تفقد الكثير من كفاءتها عند التطبيق، الامر الذي برهنت عليه تجربة الاعوام السبعة السابقة.

ان وضوح الاهداف يعتبر قضية حاسمة في تحديد الرؤى وتآطير الجهود وتنسيق القرارت وتحديد المسئوليات وفرض الالتزام الصارم بالمعايير الوطنبة في تنفيذ وانجاز المهمات. وعلى الرغم من اهمية مواقف القوى السياسية وتوصيات المنظمات الدولية، تبقى مهمة تحديد الاهداف مهمة وطنية وتاريخية وحضارية لابد من ان يشارك فيها وبالدرجة الاولى كافة ابناء الشعب العراقي، من خلال نقاش موسع ومنظم، وذلك لان هذه الاهداف ستعبر عن تطلعاتهم وامالهم في مستفبل اكثر استقرارا وازدهارا. وبذلك ستتوفر فرص كبيرة للنجاح في السير نحو اعادة التوازن الهيكلي للاقتصاد العراقي.

2- ان يكون المشروعا مؤسسيا. وهنا، ينبغي التمييز بين سياسات الحكومة وبين مؤسسات الدولة. فمن الواضح ان سياسات الحكومة تترجمها على ارض الواقع العملي القرارات التي تتخذ من قبل مجلس الوزراء في جلساته المعتادة. وحتى ان تواجدت معايير تقييم وتنفيذ لهذه السياسات العامة ومتابعة نتائجها، وذلك قد يوفر فرص اضافية لنجاح السياسات الحكومية وتكييفها مع الظروف الطارئة، يبقى الضمان الاساسي لهذا النجاح تواجد مؤسسات دولة (جهازالدولة الاداري-البيروقراطي) كفؤة وفعالة، فما فائدة قرارات حكومية رشيدة في حال تواجد مؤسسات دولة تعمل ضمن منظومة من القيم والقواعد والضوابظ السلوكية واليات عمل تشكلت عبر عقود من الدكتاتورية والمركزية المقية وفي بلد يشكل فيه الريع النفطي المصدر الرئيسي لخلق الثروات؟.

ان المشروع الاقتصادي الوطني العراقي يهدف الى اعادة بناء مؤسسات الدولة بغية اعادة الاعتبار للوظيفة العامة ولتحقيق المنافع العامة. ويقتضي ذلك الاستناد على معايير الكفاءة العلمية والخبرة المهنية وسجل حسن السلوك والانصاف كاسس للتوظيف واسناد المناصب الادارية في مؤسسات الدولة. ان المطالبة بتقليص عدد الوزارات وتشكيل هيات حكومية مؤقتة او دائمة، قد يثار الشك حول جدواها مالم توضح المعايير الوطنية لطرحها ومالم تطرح للنقاش الشعبي العام والمستفيض. وللاسف لم تفلح المحاولات التي جرت لاصلاح مؤسسات الدولة بعد عام 2003 في تقديم ادلة مقنعة على ان الايمان بالعملية السياسية مضمونا وضامنا للنجاح في الخدمة العامة اذا لم يرافق هذا الايمان الخبرة والكفاءة والنزاهة. ان غياب هذه الاخيرة ادى وفي حالات عديدة ومؤسفة الى تضائل المقاومة امام تركة اكثر من اربعة عقود من قيم التزلف والانتهازية والخنوع وعدم الاكتراث وضعف المبادرة والقدرة على التوريط وايجاد التخريجات القانونية للفساد والافساد. ان حجة *الايمان* بالعملية السياسية لاتبرر استمرار تواجد امثلة عديدة على ان المنفعة العامة لمستخدم يقوم بتنظيف الشوارع العامة وباجر متواضع هي اضعاف ما يقدمه مديرا عاما او مستشارا او سفيرا او رئيسا لمجلس محافظة اوعضوا في مجلس بلدي.

3- ان يكون مشروعا تحرريا ينطلق من السعي لبناء نظام السوق والتأكيد على دور المبادرة الفردية في الريادة والابتكار كاسس لبناء البلد وتطوره. فبناء نظام السوق، الذي يعتبر مرتكزا اساسيا لصرح الديمقراطية، هو مشروع حضاري ومجتمعي ينظم النشاط الاقتصادي والاجتماعي وفقا لمبادْْئ الحرية الاقتصادية والمنافسة والتعاقد المصان بالقانون. ويخطأ من يعتقد بأن نشاط القطاع الخاص لابد من ان يترك للعمل وفقا لمبدأ *دعه يعمل ودعه يمر* او ان *ايدي خفية* كفيلة بأن السعي للمنفعة الخاصة يقود حتما الى تحقيق المصلحة العامة. وليس على صواب من يسارع في اطلاق الدعوات الى تخصيص كل شئ بحجة الحرية وبدافع الفهم المسطح لنظام السوق. ان الادعاء بأن نظام السوق خرج من رحم الدولة تؤكده تجارب التاريخ.

وضمن هذا النظام يمارس القطاع الخاص دور ريادي في مجالات الاستثمار والتشغيل والانتاج، وان مصدر الثروات هو العمل المنتج والنافع للصالح العام لا من خلال التصارع السريع والمزري للاستحواذ على اراضي وممتلكات الدولة وعلى العقود الحكومية وعلى التبرع بالمناصب العامة المهمة دون استحقاق. فهذا المنحى الاخير هو تأكيد للعقلية الريعية التي تتنافى مع نظام السوق.

لقد تضمنت بعض من البرامج الاقتصادية خطوات ضرورية لدعم القطاع الخاص وموقفا ايجابيا من مشاريع القطاع العام. غير ان هذا الاتجاه لابد ان يطرح للنقاش العام لكي تتبين المواقف وتتضح الرؤى. وبذلك قد يتعزز هذا الاتجاه من خلال الدعم الشعبي الواسع، ولكي يدافع عنه الشعب اذا حاز على الاتفاق. ان هذا التوجه هو المصدر الاساسي للشرعية مقارنة * بتوصيات * صندوق النقد الدولي او البنك الدولي او منظمة التجارة العالمية. ترى هل ان تخصيص مبالغ كبيرة لعقد قمة عربية هو اجراء اكثر اهمية ومنفعة للبلاد، في هذه المرحلة الحاسمة، من دعوة توجه الى كافة الخبرات الوطنية المنتشرة في كل بقاع العالم للمشاركة في هذا النقاش العراقي الوطني المطلوب؟.

4- ان يكون مشروعا عراقيا يصاغ بعقول عراقية وينفذ بايدي عراقية. ان الذي يقرأ التاريخ يقف بأجلال امام نقاشات المرحوم والمغفور له جعفر ابو التمن والمرحوم الشيخ الجليل محمد رضا الشبيبي ( والد المحافظ الحالي للبنك المركزي العراقي) واخرون في البرلمان العراقي قيل اكثر من ثمانية عقود من الزمن، حول اصدار العملة الوطنية والمطالبة بالتحرر من المنطقة الاسترلينية. والادلة كثيرة ومتنوعة حول كفاءات وامكانيات ابناء العراق بتدبير الحال وتحسين الاحوال.

ان المشروع الاقتصادي الوطني العراقي يحتاج الى اعادة النظر، وبشكل سريع وجدي، في كافة القرارات الاقتصادية المتسرعة التي اتخذت خلال فترة سلطة التحالف، فعلى سبيل المثال، ماهو مغزى ان يتمتع البنك المركزي العراقي بهذه الاستقلال الغريب في بلد لازال يسعى لانهاء الاحتلال المقيت، واقتصاد هذا البلد وسيولته النفدية وودائعه المصرفية تعتمد اساسا على العوائد النفطية؟. وهل من المعقول ان ما يكتبه صندوق النقد الدولي ( وهو كلام مكرر ومحدود الفائدة ) له اهمية اكبر من مساهمات العديد من الخبراء العراقيين والتي تنشر على العديد من المواقع الاكترونية الرصينة؟. وهل ان محاولات العراق للانضمام الى منظمة التجارة الدولية، والاثار الكبيرة المحتملة لهذا الانضمام على مستقبل الاقتصاد العراقي، ليست محل اهتمام ممثلي القطاع الخاص العراقي بشكل خاص والشعب العراقي بصورة عامة؟. وهل يحق لبعض اصحاب القرار تبني مواقف منظمات اقتصادية دولية بغية تبرير مواقف لاتنسجم مع مطالب الشعب الذي يعاني من ظروف معيشية صعبة؟.

5- ان يكون مشروعا اجتماعيا همه الاول والاخير تلبية حاجات الشعب العراقي والاستجابة لتطلعاته لمستقبل افضل. ان ما تضمنته بعض البرامج الانتخابية من تأكيد على الحاجة الملحة لقوانين العمل والضمان الاجتماعي ودعم الاسرة العراقية واسناد حقوق المرأة في العمل والعيش الكريم، تشكل قضايا اساسية ضمن ما يطرحه المشروع الاقتصادي الوطني العراقي. ان هذه القضايا لا تسندها فقط الحجج الاقتصادية الصرفة، بل هي من صلب مبادئ الدين الاسلامي السمح الذي يؤكد على التضامن والتكافل والانصاف بين ابناء الامة.

مما سبق يمكن الاستنتاج بأن طرح المشروع الاقتصادي الوطني العراقي في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ العراق الغالي، واشراك جميع ابناء الشعب بمناقشة مصيرهم ومستقبلهم المشترك هو السبيل الوحيد للخروج من المأزق السياسي الراهن.

استاذ الاقتصاد في اكاديمية كريته في فرنسا

[email protected]