قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك



كنت في لبنان خلال إجازة عيد الأضحى الفائت، كان المتوقع أن يكون الطقس باردا كوننا في آخر شهر نوفمبر الذي يقول اللبنانيون أنهم في هذا الشهر تتوشح جبالهم بالثلج الأبيض، إلا أن سخونة الأجواء السياسية انعكست على أجواء الطقس وكأننا في فصل الصيف.

يشعر القادم إلى بيروت أن توترا يسود أجواء لبنان على المستوى الداخلي، فما أن تركب مع سائق تاكسي او تتحدث إلى مسئول في فندق او جرسونا في مطعم او رجلا يجلس في مقهى او حتى وأنت تسير على شاطئ البحر لتمارس رياضة المشي او مع مثقف في مكتبه، إلا ويتحدث معك الجميع معبرين لك عن قلقهم وخوفهم من شيء قادم يهدد استقرارهم وأمنهم. ولأول مرة أتحدث إلى مختلف شرائح الشارع اللبناني التي تمثل طوائفه الكثيرة وأجد رفضا صارما لأي خلاف يؤدي إلى نشوب حرب داخلية جديدة تعيد لبنان واللبنانيين إلى ذكريات الاقتتال المريرة التي هدمت العمران وشردت الانسان ويتمت العديد من الأسر وجعلت من لبنان مكانا لصراع القوى الخارجية التي تتحارب على ارض لبنان ويكون دائما الضحية هو الشعب اللبناني البطل والجميل.

وكلما تحدثت مع لبناني يقول لي بملامح خائفة ومتوجسة : بدنا نعيش.. خلاص ملينا حروب... الشعب يروح ضحية صراع زعماء لايهمهم سوى مصالحهم وإرضاء قوى خارجية لايهمها سوى لعب أوراقها السياسية على حساب الشعب اللبناني الذي شبع حروب وصراعات!

قلت لهم : لو أستمر الشارع اللبناني بكل طوائفه وأحزابه يرفض أي صراع يؤدي إلى حرب لما استطاع الزعماء المحليون أن يأخذوكم إلى حيث يريدون ولا إلى حيث يريد الآخر الذي يتربص بكم من الخارج ! هذه الزعامات التي تعتقدون أنها تتصارع بكم للمحافظة على مصالحها ليست إلا انعكاسا لما بداخلكم انتم، لأنه كما تكونوا يولى عليكم، وربما يكون هذا الرفض فيكم للصراع الذي يؤدي إلى الاقتتال هو الذي سوف يغير عقول الزعامات كي تتوقف عن الصراع بين بعضها البعض وتكونون دائما الضحية!

اللبناني يشتكي ضائقة اقتصادية صعبة تنعكس آثارها على مختلف شرائح المجتمع، وفي الوقت الذي يعاني اللبناني من الحالة الاقتصادية الصعبة ويشتكي من فساد إداري يهمل مشاريعه ويختلس ميزانيتها كما يقولون، يضعون أيديهم على قلوبهم خوفا من حدوث شيء يقلقل استقرارهم ويزيد مشكلاتهم الاقتصادية سوءا ويعبث بأمنهم الذي يشعرون باستقراره قليلا منذ خمس سنوات برغم حرب تموز وبعض الصراعات الداخلية. ويشهدون لك أنهم يدركون ما يحاك للبنان، وان قوى خارجية تريد أن تخلق واقعا آخر يكون اللبناني ضحيته، وأنهم يدركون اللعبة ويرفضون السيناريو المعد لتنفيذها على أرضهم وعلى حساب مستقبلهم، لكنهم كما يقولون يخشون ان يكون القرار ليس بيد الزعيم السياسي!!

يقولون لي : نحن شعب واحد، الدين لله، ولبنان للجميع، نرفض من يفرق بيننا ويستغل تنوعنا كي يحقق أهدافه التي تخدمه وتفرق بيننا، وقد سعدت والناس بمختلف دياناتهم يهنئون بعضهم البعض بعيد الأضحى مرددين عبارتهم الجميلة (ينعاد عليك ) حتى لاتعرف المسيحي من المسلم، ويستعدون لأعياد الكرسمس بنفس الفرحة والتنوع.

كم يؤلمك أن ترى هذا الشعب الذي يرفض أن يموت، وهو يتوقف أربعين سنة عن ممارسة دوره كشعب ينبض قلبه بحب الحياة والعطاء، وكلما حانت له الفرصة أن يتآلف ويعيد بناء بلده الذي يتعرض للقصف والتخريب من مرحلة إلى أخرى، تأبى السياسة بقذارتها أن تمنح الفرصة لإنسان عربي شامخ اثبت شجاعته وبطولته الخارقة عندما طرد اعتى قوة معتدية من أرضه بدون شروط، وهو البلد الأصغر مساحة والأقل كثافة سكانية. ولايزال البلد العربي الوحيد الأكثر حبا للحياة والأميز ذوقا والأجدر عطاء ورقيا ونصرا!

أتمنى على السياسيين اللبنانيين أن ينصتوا إلى صوت الشارع اللبناني الرافض لكل تدخل خارجي يريد فرض صراع جديد بين اللبنانيين يخدم سياسات خارجية. وليعلم الجميع أن وعي اللبناني ارتفع وقد تعلم من تجارب التاريخ، فلم أجد أحدا يجهل لعبة السياسة الجديدة المراد تطبيقها في لبنان لخلق مشكلة داخلية، وإذا كان العنصر الخارجي لايهمه من يخسر في لبنان بقدر مايهمه تنفيذ مخططه التخريبي غير مبالي بمستقبل شعب يدفع أثمانا غالية منذ أربعين سنة، فان بعض الحسابات الخاطئة سوف تنعكس بالخطر على من يعتقد انه يصطاد في الوقت المناسب، وليتعلم بعضنا من دروس حرب تموز 2006 ليدرك خطورة الحسابات الخاطئة، لأن العقل والحكمة لو غابتا هذه المرة في لبنان فسيكون الخاسر الأكبر من يكون همه أن يحقق غاية بغض النظر إن كانت نبيلة او غير نبيلة ولكن بوسيلة غير نبيلة!

لو كنت ممن يملكون المفتاح الأهم للحل في لبنان لقلت لكل القوى الخارجية مثلما يقول اللبنانيون (فلو عنا ) واتركونا نحل مشكلاتنا بيننا، ووكلت أمري إلى الله وأحسنت نيتي وقلت لكل القوى اللبنانية الداخلية تعالوا نتحاور لنرسم واقعا جديدا للبنان تختلف فيه الأفكار والرؤى من اجل أن يبقى لبنان لكل اللبنانيين بلدا جميلا آمنا حرا أبيا مستقرا.
وعندما دخلت مطار بيروت مغادرا، لفت انتباهي لوحة خشبية صغيرة من شجرة الأرز مكتوب عليها عبارات للعبقري جبران خليل جبران تقول :
ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف
وتخلو من الدين
ويل لأمة تلبس مما لا تنسج وتأكل مما لا تزرع
وتشرب مما لا تعصر
ويل لأمة تحسب المستبد بطلا وترى الفاتح المذل رحيما
ويل لأمة سائسها ثعلب، وفيلسوفها مشعوذ
وفنها فن الترقيع والتقليد
ويل لأمة مقسمة إلى أجزاء وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة!

[email protected]