رأينا العديد من المقالات والتحليلات في السنوات الأخيرة التي تنذر وتحذر من سقوط النظام. الحقيقة المؤلمة ان المعارضة السورية لا تزال تعاني من الانقسام والاختلافات ولا تشكل خطرا على النظام وغير قادرة على الاطاحة به. مشكلة المعارضة انها تفتقر لاستراتيجية موحدة ولرؤيا متماسكة ومترابطة قادرة على تحقيق اهداف مشتركة. لا يوجد تنسيق او برامج عمل قابلة للتطبيق او برنامج لتوحيد اطراف المعارضة المتنافرة. يتواجد على الساحة السورية أكثر من 20 تجمعا سياسيا من احزاب ومجموعات وتآلفات كل بأجندته الخاصة. وهذه الاختلافات تظهر بوضوح للمراقب الذي يقرأ البيانات المتناقضة والتي تصدر من هنا وهناك. لا يتشاوروا مع بعضهم البعض ولا يتفقوا على القضايا الرئيسية. يتهموا بعضهم البعض بالخيانة والاعتماد على التمويل الخارجي. الاخوان المسلمون على سبيل المثال يتعرضوا لاتهامات بالتآمر والاحتيال لاستعمال العملية الديمقراطية للوصول الى السلطة وبعد ذلك سيفرضوا بالقوة امارة طالبانية وخلافة اسلامية متشددة. العنصر المشترك بين هذه الجماعات والتجمعات هو عدائهم لحكم بشار الأسد. المشكلة أنهم لا يعرفوا كيف يحققوا التغيير المطلوب. ويعتمد بعضهم على الخطابات النارية والشعارات المستهلكة التي لا يصدقها الشارع. باستثناء تجمع او تجمعين فان الغالبية تفتقر لاستراتيجة عملية قابلة للتطبيق. تحالفات وشخصيات التجمع القومي الموحد ودور رفعت الأسد اعلامي عربي - لندن
اعلان دمشق الذي ضم احزاب عربية وكردية لم ينجح في استقطاب كافة التيارات السياسية ولم يحظى بالدعم الكافي ويبقى تأثيره ضعيفا على الساحة.
في السنوات الأخيرة ظهر على الساحة شخصان اعتبرا انفسهما المعارضة الحقيقية وهما السيد علي صدر الدين البيانوني المراقب العام الاسبق للاخوان المسلمين السوريين ونائب رئيس الجمهورية الاسبق عبد الحليم خدام. وبالتعاون مع آخرين قاما بتشكيل جبهة الخلاص الوطني والتي أعلنا عنها في مارس آذار 2006 في بلجيكا. ورغم تصريحات السيد البيانوني أن حركته معتدلة ولا يوجد لديها نوايا لفرض حكم الشريعة على سوريا الا ان الشارع لا يصدق هذا الكلام. ولا يزال البيانوني مقتنعا انه سيربح اي انتخابات تعقد. وفي احدى مقابلاته قال ان المد الاسلامي ينتشر ويتسع بينما النظام العلماني قد فشل. قد نتفق معه ان النظام العلماني لم يقم بالاصلاحات اللازمة ولم يحدث التغيير المطلوب ولا يزال يستمر في اضطهاد المعارضين وذوي الرأي الآخر. ولكن في نظر كثير من المتابعين ان خدام والبيانوني فشلا في استقطاب الشارع وفقدا الكثير من مصداقيتهما الأول لأنه كان مرتاحا لمدة 35 عام في خدمة الدكتاتورية والثاني بسبب تاريخ الحركات الاسلامية الدامي وافتقارها لبرنامج معاصر لعلاج القضايا الاقتصادية والاجتماعية وبسبب أجندتها الطالبانية.
من التجمعات الأخرى حزب الاصلاح الذي يأخذ من واشنطن مقرا له بقيادة فريد الغادري الذي وصف بأحمد جلبي السوري لأن احمد جلبي العراقي ساهم في اقناع الادارة الأميركية بغزو العراق.
وأكبر تجمع وأكثرها ديناميكية على الساحة الآن هو التجمع القومي الموحد الذي يترأسه رفعت الأسد نائب رئيس الجمهورية الأسبق وشقيق الرئيس الراحل حافظ الاسد الذي ترك سوريا عام 1984 بعد ظهور اختلافات في وجهات النظر مع النظام على أمور تتعلق ببرامج الاصلاح والتغيير التي حاول رفعت الاسد وضعها حيز التنفيذ. طالب بالانفتاح الاقتصادي واصلاح النظام التعليمي ورفض النظريات الاشتراكية الفاشلة وتصادم مع الرافضين للاصلاح والتغيير. وعلينا ان نتذكر أن سوريا شهدت نوع من البحبوحة والرخاء الاقتصادي اثناء تواجد رفعت الأسد في سوريا. حيث اشار الكاتب غسان المفلح في مقالته في ايلاف الخميس 12 أغسطس آب الحالي الى quot;الفترة 1970 ndash; 1984 بأنها كانت فترة بحبوحة نسبية وقياسيا للوضع الراهن بالنسبة للمواطن السوري.quot;
والذي لا بد من التطرق اليه في هذا السياق ان رفعت الأسد كان قد اختلف مع الطغمة الفاسدة آنذاك وتصادم معها لرفضها القيام بالاصلاحات والانفتاح الاقتصادي. فبينما كان الشعب يعاني من الفقر وصعوبة الحياة واصلت تلك الزمرة مشاريع بناء القصور الفارهة على حساب قوت الشعب السوري. كما رفض رفعت الأسد النظريات الاشتراكية الفاشلة التي افقرت الشعب وتركت النخبة المتسلطة تثري نفسها بينما يجد الانسان العادي نفسه عاجزا عن تأمين لقمة العيش.
لانتزاع فتيل الأزمة وحرصا على أمن واستقرار سوريا قرر رفعت الأسد العمل من اجل سوريا من الخارج.
وأسس رفعت الأسد التجمع القومي الموحد قبل حوالي 6 اعوام ولا يزال يترأسه. ويعتبر التجمع القومي الموحد أقوى تنظيم سياسي واصلاحي على الساحة الآن. ويعمل كمظلة تحتضن الاحزاب والتجمعات السورية التي تهتم بالاصلاح بوسائل سلمية. وكان التجمع القومي الموحد قد طرح برنامج اصلاحي لانقاذ سوريا وبرسالة بسيطة وواضحة وهي الانتقال من حالة الدكتاتورية الى الديمقراطية من خلال العمل السلمي التدريجي وهذا التوجه استقطب دعما وتأييدا في سوريا وخارجها. كما اطلق رفعت الأسد في خريف عام 2008 مشروع النهضة القومية للحوار. ومن الجدير بالذكر ان رفعت الأسد طرح ايضا مبادرة المصالحة الوطنية ولكن النظام في دمشق حتى هذه اللحظة لم يغتنم الفرصة للتوصل الى مصالحة وطنية شاملة وهذا التقاعس سيدفع الشعب السوري فاتورته الباهظة كما أنه سيكلف النظام ثمنا غاليا.
ويبقى التجمع القومي الموحد المعارضة الفاعلة الوحيدة على الساحة والقادرة على تحقيق التغيير المطلوب والمعارضة الوحيدة التي تؤرق وتزعج نظام دمشق الذي يمارس شتى انواع القمع ضد اعضاء التجمع القومي الموحد داخل سوريا ناهيك عن اعتقال المئات من اعضائه. ولكن التجمع يرفض المتاجرة بهذا الموضوع ويركز على برنامج التغيير الديمقراطي السلمي.
كما ظهر على الساحة مؤخرا لاعب جديد ألا وهو ريبال الأسد نجل رفعت الأسد (ورئيس المكتب التنظيمي للتجمع القومي الموحد) وتحت مظلة التجمع القومي الموحد طرح ريبال برنامجه الاصلاحي من خلال quot;منظمة الديمقراطية والحرية في سوريا التي اسسها العام الماضيquot; التي تعمل من اجل احترام حقوق الانسان واطلاق حريات الاعلام. ويطرح أيضا مشروع لحوار الأديان وتقارب الثقافات من خلال مؤسسة ايمان IMAN وكلا المؤسستان تعملان تحت مظلة التجمع القومي الموحد حيث تقوما المؤسستان بدور مساعد ومكمل لنشاط التجمع القومي الموحد. وريبال الأسد يسير على درب والده بشرح قضية بلده للخارج والمطالبة بالاصلاح واطلاق الحريات العامة ورفع أيدي السلطات الأمنية عن رقاب الناس. ورسالة ريبال الأسد تحظى بدعم متزايد على المستويين العربي والدولي.
اخطاء النظام الاستراتيجية.
من المؤسف أن النظام لا يزال يتدخل في الشأن اللبناني والعراقي والفلسطيني مما اساء العلاقات مع دول الجوار العربي. وفي الداخل لا يزال النظام يمارس اساليبه القمعية كما فعل نظام صدام في العراق قبل عام 2003. ولا تزال الاعتقالات التعسفية وانتهاك حقوق الانسان والتعذيب تمارس بشكل واسع.
تحذيرات رفعت الأسد.
ارتكب النظام اخطاء استراتيجية بتحالفات خاطئة مع ايران وحذر رفعت الأسد من مغبة ومخاطر هذه التحالفات وكان ضدها من البداية واعتبرها استراتيجية خاطئة. حتى في فترة السبعينات رفض رفعت الأسد الاعتماد الكلي على حليف واحد وهو الاتحاد السوفياتي وطالب بعلاقات متوازنة مع جميع الدول الكبرى. ولكنهم لم يصغوا لتلك النصيحة والآن بعد عدة عقود من الزمن وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي يستجدي حكام دمشق التقارب من اميركا والاتحاد الأوروبي. ويلهثون خلف السلام بوساطة تركية علما ان رفعت الأسد اقترح الدخول في مفاوضات من اجل استرجاع الجولان في الوقت الذي استرجعت مصر اراضي سيناء المحتلة قبل أكثر من ثلاثين عام.
لا بديل للنظام غير المصالحة الوطنية كما يطالب رفعت الأسد ويجب ان يتبع ذلك سلسلة من الاصلاحات الجذرية بدءا بالغاء قوانين الطواريء والسماح بالتعددية الحزبية والانتخابات النزيهة.
ولكن النظام الذي يعاني من ادمان مزمن في ارتكاب الاخطاء لا يصغي ويلعب لعبة سياسية خطيرة بمستقبل الشعب السوري. لا أحد في سوريا يريد او يرغب ان يتكرر سيناريو العراق الكارثي في الساحة السورية ولكن سلوك نظام دمشق ليس في مصلحة الشعب السوري الذي يستحق الحرية والديمقراطية ولكن بدون العنف والاضطرابات.
- آخر تحديث :






التعليقات