قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يبدو أن الكويت تصر إصرارا على معاقبة العراق الحالي، حكومة وشعبا. لماذا، وبأي جريرة؟ لأن صدام حسين احتل الكويت قبل عشرين عاما. الكويت تعرف جيدا أن صدام حسين خطط لعملية الغزو دون أن يعرف أقرب المقربين إليه، وأصدر أمره بإرسال الجيش العراقي إلى الكويت واحتلها دون أن يعرف بالأمر، وقتذاك، حتى وزير الدفاع. وإذا كان وزير الدفاع نفسه لا يدري بأمر الاحتلال وسمع الخبر، كأي مواطن بسيط، عن طريق الراديو، وبالصدفة وحدها وهو في طريقه للمستشفى، فما بالك ببقية الجيش؟ وما بالك بعموم العراقيين؟

هل حقا قاتل صدام عن الكويت بالوكالة؟

الكويت، أيضا، تعرف وتتذكر (وإذ نست فبالإمكان الاستعانة بالأرشيف)، أن الزبدة من زبدة إعلاميها وشعرائها بزوا وزارة الثقافة العراقية في تمجيد أفعال صدام حسين (حتى لا نقول جرائمه فيزعل الكويتيون). فعندما كانت طاحونة quot;القادسيةquot; تدور، وجثث العراقيين تغص بها برادات المستشفيات وتتناهشها الضواري، وعندما كان صدام يمنع الأمهات العراقيات حتى من إقامة الفاتحة والنحيب على فلذات أكبادهن الذين كان صدام يأمر بإعدامهم بسبب هروبهم من المشاركة في قادسيته المشؤومة، فأن الكويت كانت تعقد قرانها مع الموت، موت العراقيين، وتزف نفسها ل(المناضل) صدام حسين بسعادة وبتلذذ غير سويين، فتعلن، على لسان شاعرتها الأولى في مربد البصرة عام 1985:

وليلة عرسي هي القادسية
زواجي جرى تحت ظل السيوف وضوء المشاعل
وماذا تريد النساء من المجد
أكثر من أن يكون بريقا جميلا
بعين مناضل

وعندما كان حكام العراق حاليا (مهما كان رأينا فيهم، مدحا أو قدحا)، والذين تريد الكويت هذه الأيام معاقبتهم بجريرة ما ارتكبه صدام، مشردين في المنافي ويفعلون كل ما في وسعهم كي يتفادوا حاملي المسدسات الكاتمة للصوت الذين كانت المخابرات العراقية ترسلهم لتعقب quot;الخونةquot;، فان الكويت كانت تتغنى، ليس بشجاعة صدام، هذه المرة، وإنما بنقاء سريرته وبراءة أفعاله، بحماسة يحسدها عليها علي كيماوي (أصبح لاحقا حاكم الكويت، وفاتح خزائنها للنهب):

quot;لماذا تقاتل بغداد عن أرضنا بالوكالة
وتحرس أبوابنا بالوكالة
وتحرس أعراضنا بالوكالة
وتحفظ أموالنا بالوكالة
لماذا يموت العراقي حتى يؤدي الرسالة quot;

هذه أل(لماذا) التي لم يجد، أو بالأحرى لم يرغب الكويتيون بإيجاد جواب لها إلا في وقت متأخر جدا،أي بعد أن أحتل صدام بلدهم، كان العراقيون قد عرفوا جوابها في زمن مبكر جدا، ففر بعض منهم إلى الكويت (حردان عبد الغفار التكريتي، مثلا) ليعلن من هناك الجواب، لكن قبل أن ينطق كلمة واحدة عاجله رجال صدام فأردوه قتيلا على أرض الكويت، ولم تنبس الكويت بكلمة واحدة احتجاجا ضد تلك الجريمة التي اقترفها نظام صدام على أراضيها. بعض آخر من العراقيين فروا إلى الكويت لأنهم ظنوا، نتيجة لسذاجتهم السياسية، أنهم سيكونون في أمان، و أن بمقدورهم أن يجيبوا، من هناك، على تلك ال(لماذا)، فكان رجال المباحث الكويتيون يتعقبونهم من بيت إلى بيت، ويكدرون أيامهم، ويتذكر العراقيون الذين كانوا يقيمون في الكويت كيف أن سلطات الأمن الكويتية ألقت القبض في ليلة واحدة من عام 1987 على مئات من العراقيين المناهضين لحكم صدام والمتواجدين آنذاك في الكويت.

شهادة كويتية

الكويت ظلت، حتى قبل لحظات من حدوث عملية الغزو، ملكية أكثر من الملك في دفاعها عن صدام حسين ونظامه. وهذا كلام لم يقله عراقيون مناهضون لصدام حسين، إنما قاله الكويتيون أنفسهم.

يقول وزير الثقافة الكويتي السابق الدكتور سعيد بن طفلة: quot; كانت السفارة العراقية وقتها دولة داخل الدولة، بل لعلها الدولة نفسها كانت داخل السفارة. كانت صور صدام تعلق جهارا نهارا في بيوت الكويتيين وعلى سياراتهم. الدخول في نقاش ضد صدام حسين يعرضك للتعنيف ndash; بل أكثر. quot; (صحيفة الشرق الأوسط في 14/8/2007).
كلام كويتي كهذا يعني أن الكويت ( ومعها أطراف عديدة، عربية وأجنبية ) صيرت صدام حسين (فرعون) زمانه، ثم أوكلت إليه (حراسة أبوابها وأعراضها وأموالها)، حتى إذا تمرد عليها واحتلها وأغرقها، وأغرق معها العراق في بحر من دماء لم تجف حتى اللحظة، تبرأت منه، وطلبت من ضحاياه العراقيين أن يزروا أوزاره.

لكن هذا كله أصبح من الماضي، وليس من مصلحة العراقيين أن ينكأوا الجراح، بل عليهم أن يتطلعوا نحو المستقبل، وأن يعملوا جاهدين لأن يعيشوا بسلام حقيقي مع شقيقتهم أو جارتهم الجنوبية.
بالمقابل، على الكويت، أيضا، أن تفعل ذلك. عليها أن تتصرف بروية وبحكمة، وبعد نظر، وقبل كل شيء عليها أن لا تتعامل مع العراق كأنها المنتصر الأبدي الذي يملي الشروط، والعراق الخاسر الأبدي الذي عليه أن يتقبل الشروط، حتى لو كانت هذه الشروط قاسية ومجحفة. ذهنية كهذه وسلوك كهذا قد يدران على الكويت منافع مادية كثيرة، وقد يخلقان لديها شعورا بالقوة والعظمة. لكن شعور العظمة هذا لن يكون، في كل الأحوال، سوى quot;حمل كاذبquot; سينتهي الفرح به بانتهاء الوهم الذي خلقه، وستظل (المكاسب) آنية وعابرة، مهما كبر حجمها، وستذريها رياح المستقبل عندما ستهب، مثلما حصل ذلك مرات ومرات في تاريخ العلاقات الدولية، والحالة الألمانية خير مثال.

دروس التاريخ

فعندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها قرر المنتصرون الذين اجتمعوا في فرساي أن ينتقموا من ألمانيا، فكتبوا معاهدة فرساي وضمنوها الفقرة 232 التي أرادوا من وضعها أن يعصروا ألمانيا (كما تعصر الليمونة لاستخراج عصيرها). ولعل الكويت تعرف وتتذكر أفضل من غيرها مضمون تلك المادة من تلك الاتفاقية التي حملت ألمانيا ما ليس بمقدورها أن تتحمله. فماذا كانت النتيجة؟
النتيجة هي أن ألمانيا التي قبلت تلك الاتفاقية على مضض، شرعت تعمل، وحبر الاتفاقية لم يجف بعد، على أن لا يظل عمودها الفقري مكسورا، اقتصاديا، وعسكريا، وسياسيا. ولم يمر ربع قرن حتى عادت الليمونة الألمانية فامتلأت بالعصير من جديد،ولكنه كان تلك المرة ليس عصيرا إنما سما قاتلا أجبر هتلر جيرانه والعالم كله على تجرعه، فكان ما كان مما نعرفه جميعا. ثم كان مما كان بعد هزيمة ألمانيا الهتلرية، وتقطيع جسدها إلى دولتين. ثم، أخيرا، ها هي ألمانيا الواحدة الموحدة تواصل نهضتها وتعزز تحالفاتها مع أعدائها التاريخيين، وخصوصا جارتها وعدوتها اللدودة فرنسا، وتشكلان معا داينمو الاتحاد الأوربي، بعد أن أدبهما التاريخ معا، وبعد أن استفادا من عبره ودروسه، فاكتسبا حكمة وعقلا.
وما دار بين ألمانيا وفرنسا من خلافات حدودية وحروب مدمرة وخسائر باهضة وشتائم قومية قاسية متبادلة، لم يدر مثقال منه بين العراق والكويت، وما يربط بين العراق والكويت أكثر بكثير مما يربط بين ألمانيا وفرنسا. فلماذا تصر الكويت على أن لا تتعلم من عبر التاريخ ودروسه؟

ما من مشكلة واحدة بين الأمم، وعلى امتداد التاريخ، تم حلها عن طريق فرض سياسة الأمر الواقع إلا وعاد ذاك الحل وبالا على الذين فرضوه، ودائما ما كانت نتيجة ذاك الحل المزيد من الحروب والمزيد من الدماء والمزيد من الخراب الاقتصادي. ويبدو أن الكويت سائرة، وبإصرار، على هذا الطريق، فيما يخص حل مشكلاتها مع العراق: الحجز على الممتلكات العراقية بأسلوب يهين العراق ويمرغ كرامته الوطنية بالوحل، رفض التنازل عن ديونها للعراق مثلما فعلت كثير من الدول، الوقوف بوجه خروج العراق من الفصل السابع، ترسيم الحدود بطريقة تعسفية، استمرار التجاوز على أبار النفط العراقية، شتم عموم العراقيين في مقالات وعلى ألسن بعض الساسة والبرلمانيين، محاولات للتدخل بالشأن العراقي الداخلي، الاستمرار في عدم منح تأشيرات سفر لعموم العراقيين الراغبين بالدخول للكويت.

مسألة عراقية أسمها الكويت

هذه الممارسات وغيرها تدل على ضعف وليست قوة، وهي ممارسات لا تمليها النظرة الإستراتيجية الثاقبة وإنما يمليها تفكير اللحظة العابرة، تفكير المنتصر، منفوخ الأوداج والمنتشي بخمر الانتصار. وبدلا من هذه (الولدنة) وهذا (الدلع)، وبدلا عن الانغماس في سياسة الانتقام، على الكويت أن تواجه، وبكل ما تملك من شجاعة، لب المشكلة العراقية الكويتية وأسها، عليها أن تبتعد عن تصرف النعامة، وأن تتوقف مليا عند حقائق التاريخ، تاريخ العلاقة العراقية الكويتية. على الكويت أن تسأل نفسها الأسئلة التالية:

لماذا تكونت في العقل السياسي العراقي الحديث، أي بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة، مسألة أسمها المسألة الكويتية، كانت وما تزال وستظل، إذا لم يتم حلها، حاضرة على الدوام؟
لماذا يختلف العراقيون ويتصارعون فيما بينهم حد إراقة الدماء، لكنهم يلتقون ويتفقون عندما يصل الأمر للمسألة الكويتية. أليس هذا ديدن الأمور منذ الملك غازي وبعده عبد الكريم قاسم الذي ثار ضد الملكية وبعده صدام حسين الذي نفذ عملية اغتيال قاسم، وبعد هولاء الطبقة السياسية العراقية الحالية. فكل هذه الخلافات المستعرة حاليا بين الأطراف العراقية ستنسى عندما تثار المسألة الكويتية. وإذا وجدت الكويت من بين السياسيين العراقيين الحاليين من يدغدغ عواطفها، فهولاء ليسوا سوى نهاز فرص، وهم يهبون الكويت ما لا يملكون.

أو أليس من المنطق، بل من مصلحة الكويت أن تسأل نفسها: لماذا ينسى العراقيون خلافاتهم كلما تعلق الأمر بالمسألة الكويتية؟
بالطبع، ستجيب الكويت، ولعلها أجابت، بأن العراقيين طامعون في ثروة الكويت، أو هم، بطبعهم، عدوانيون، وجيران سوء، وأن حظ الكويت السيئ هو، أن جارتها الشمالية هي العراق وليس بلدا أخرا، وأن كل عراقي هو طاغية لا يؤتمن.
لكن هذه أجوبة سهلة بمقدورها أن تهدأ ألام الكويت لكنها لا تلغي أسباب هذه الآلام. هناك أمر واحد يقضي نهائيا على الآلام الكويتية هو، أن تجلس الكويت والعراق على طاولة واحدة، وأن يتفاوضا، بصدق وبصراحة وبذهنية منفتحة، ولتستمر المفاوضات ما شاء لها أن تستمر، وأن يطرح كل طرف حقوقه وواجباته وما يريده من الآخر. وقد تكون هذه المفاوضات شاقة جدا، لكن ما يسهلها هو، وجود حكومات عراقية وكويتية منتخبة من الشعب، وبالتالي تملك تفويضا جماعيا يقود إلى قرارات ونتائج جماعية شرعية، وليست (فرمانات) يصدرها أصحابها وفقا لمزاجهم الشخصي، ويتم إلغائها فور مغادرتهم لمهامهم الرسمية، فتبدأ الخلافات بالظهور من جديد.
وعندما يتوصل العراق والكويت إلى حل مشترك نهائي يرضي الطرفين فأن البلدين بإمكانهما أن يصبحا قوة تغيير عظيمة في المنطقة: الكويت بثروتها الهائلة وموقعها الجغرافي، والعراق بثرواته المالية والبشرية.