يتسنى للرئيس المصري محمد حسني مبارك أن يسدي خدمة جليلة للتاريخ وللزمن حين يقوم بكتابة مذكراته السياسية والعسكرية والإنسانية، فهو قد عايش مراحل مهمة من التاريخ المصري والعربي الراهن، وعايش شخصيات سياسية وعسكرية لها أدوارها المؤثرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
إن مذكرات الرئيس تبدو في غاية الأهمية لأنها ستلقي الضوء على جوانب سياسية وعسكرية مازالت خفية، وتحتاج إلى شهادته للتاريخ والحقيقة، خاصة، وقد تولى قيادة القوات الجوية المصرية في حقبة تاريخية حالكة بعد هزيمة العام 1967 حيث قام بتطويرها وإعدادها لحرب أكتوبر 1973 وكان صاحب الضربة الجوية الأولى التي أربكت العدو الإسرائيلي وأفقدته توازنه.
وحينما عينه الرئيس أنور السادات نائبا له ظل حسني مبارك في الظل لأكثر من ست سنوات، لم يدل فيها بتصريح، ولم يظهر في الإعلام إلا نادرا، وكلف بمهام وزيارات خارجية معلنة وغير معلنة. في هذه الفترة لم يكن يسمع لنائب الرئيس المصري أي صوت، حيث نأى بنفسه عن الأحداث والوقائع، ولم يظهر في الصورة بشكل مباشر أو غير مباشر. كان الصوت الأوحد هو صوت الرئيس السادات، وصوت سيدة مصر الأولى وقتها.
ومما يحفز على كتابة هذه المذكرات أن الرئيس جمال عبدالناصر له كتاب بعنوان:quot; فلسفة الثورةquot; طرح فيه آراءه حول الثورة وتوجهاتها، كما أن للرئيس أنور السادات كتاب:quot; البحث عن الذاتquot; وفيه يبين رؤيته للمواقف والأحداث السياسية المختلفة، وفلسفته ورؤيته السياسية. ويبدو هنا أن شهادة الرئيس مبارك سوف تضيف بالتأكيد آراء جديدة مع التحولات التي شهدتها مصر والعالم العربي والعالم بوجه عام.
فمع تولي الرئيس مبارك سدة الحكم في مصر عقب اغتيال السادات في السادس من أكتوبر 1981 مرت مصر والمنطقة العربية بأحداث جسام. كانت الحرب العراقية الإيرانية ( 1980-1988) قد اشتعلت، و كان التوتر الشديد مخيما على أوضاع الصراع العربي الإسرائيلي، وكان القلق مسيطرا على مصر من أن لا تفي إسرائيل بحقوق اتفاقيات السلام وألا تكمل انسحابها من سيناء، وكانت القطيعة بين العرب ومصر في أوجها، وكانت أحداث الغزو الإسرائيلي للبنان صيف 1982 واحتلالها الجنوب اللبناني وقيامها بالمذابح الإجرامية بحق اللبنانيين والفلسطينين مدويا.
أحداث جسام عاشها حسني مبارك خلال فترة حكمه المديدة، حيث نجح في إعادة العلاقات المصرية- العربية بعد قطيعة دامت لسنوات بعد معاهدة السلام المصرية ndash; الإسرائيلية، كما نجح في وضع أسس استقرار سياسي واقتصادي لبلد منهك من الحروب، ومن حالات الفساد الدائمة المتكررة، ووقف بقوة مع تحرير الكويت بعد الغزو العراقي لها في 2 أغسطس 1990، وتوالت الأحداث تباعا داخليا وخارجيا، ففي الداخل عانت البلاد من الأحداث الإرهابية المتتالية حتى العام 1996، فيما تتالت أزمات الصراع العربي الإسرائيلي، والعدوان الإسرائيلي المستمر على الجنوب اللبناني، والمأزق المصري السياسي في مواجهة العدوان الإسرائيلي على غزة، وتدهور حال الخارجية المصرية إزاء عدد من القضايا العربية والإقليمية، وتتالت الأحداث التي عاشها مبارك، تبعات أحداث 11 سبتمبر 2001، وغزو أفغانستان والعراق، حتى حرب صيف 2006 التي حاولت فيها إسرائيل غزو الجنوب اللبناني تارة أخرى، ولم تتوقف أزمات دارفور وجنوب السودان، ثم أزمة مياه النيل مع دول حوض النيل.. في كل هذه الأزمات والأحداث والتحولات كانت هناك قرارات ومواقف مصرية، وقد عايش الرئيس مبارك مختلف هذه الأزمات المحلية والدولية، الكبرى والصغرى، ومن هنا ستكون مذكراته شهادة مهمة للتاريخ والحقيقة معا.