قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قررت أن أذهب للقاهرة للمشاركة فى الإحتفال بثورة 25 يناير، ولكى أعرف الوضع على الطبيعة، لذلك ذهبت فى عطلة نهاية الأسبوع، وهبطت طائرة مصر للطيران فى مطار القاهرة عصر الأربعاء 16 فبراير، وهالنى عدد طائرات مصر للطيران الرابضة على أرض المطار وقال لى مضيف الطائرة أن أسطول مصر للطيران يعمل بثلث طاقته فقط نتيجة لأحداث الثورة. والمطار بدا أقل إزدحاما بكثير من الأوقات العادية، ولاحظت إختفاء العديد من ضباط الجوازات وحل محلهم عدد من الفتيات. وخارج مبنى المطار لاحظت إختفاء رجال شرطة المرور تقريبا، مما أدى إلى فوضى هائلة فى دخول وخروج السيارات من وإلى مبنى المطار.
وفى الطريق من المطار إلى القاهرة لاحظت عدد قليل من مدرعات القوات المسلحة، وعدد قليل من شرطة المرور. وعندما وصلت إلى منزل شقيقى وجدت أجواءا إحتفالية والكل يقول quot;مبروكquot; وربنا يتمم بخير. وقلت لهم أريد أن أرتاح من الأخبار فقد جلست متسمرا أمام التليفزيون منذ بداية أحدث تونس وحتى الآن لفترة تزيد عن شهر، ولكن لم يستمع أحد إلى، ولاحظت انهم بدأوا فى مشاهدة قنوات التليفزيون المصرى الرسمى بعد أن تغير 180 درجة (حتى أنهم وصفوا الرئيس مبارك بالرئيس المخلوع ndash; بدلا من الرئيس السابق). ومما شد إنتباهى أيضا تحول ما يسمى بالجرائد القومية (الأهرام ndash; الأخبار ndash; الجمهورية) تحولا مخجلا لتأييد الثورة بعد أن كانت ضد الثورة منذ أسبوعين، مع العلم بأن رؤساء التحرير مازالوا كما هم، ولكن quot;أكل العيش وحشquot; أو quot;أكل البقلاوة وحشquot;!!
وفى مساء الخميس شاهدت عددا من فتيان وفتيات مدينة نصر يقومون بتنظيف الشوارع وتجميلها فرفع هذا من معنوياتى كثيرا عندما شاهدت أمل quot;مصر الجديدةquot;، ثم ما لبثت أن إكتئبت عندما علمت أن الشيخ القرضاوى (قطرى الجنسية ndash; مصرى الأصل) سوف يخطب خطبة الجمعة فى ميدان التحرير، وخاصة أن لى موقف من الشيخ القرضاوى وخاصة عندما كان يستخدم قناة الجزيرة لمهاجمة مصر ورئيسها ويغفل عن مهاجمة قطر وأميرها وعن القواعد الأمريكية الضخمة فى قطر، وعن العلاقات السرية والزيارت المتبادلة بين حكام إسرائيل وحكام قطر، على الأقل علاقات مصر بإسرائيل تتم علانية ومن خلال قنوات دبلوماسية تعلن على الملاْ، ولم أدر هل عرف quot;شيخنا الجليل quot; أو لم يعرف بأن: quot;الساكت على الحق شيطان أخرسquot;، وبإمكان الشيخ أن يرى على الإنترنت صورا لزيارت شمعون بيريز وليفنى للدوحة، وكذلك صورا لرئيس وزراء قطر وهو يوقع إتفاقيات تزويد إسرائيل بالغاز القطرى، وكذلك المقطع الأخير بالفيديو من ملف قطر لتنظيم كأس العالم وبه طفل إسرائيلى يرتدى الطاقية اليهودية الدينية ويقول أنه ينتظر تنظيم قطر لكأس العالم سنة 2022 وذلك حتى يتمكن من المشاركة مع زملاءه من العرب. وكل هذا جميل وأنا من أكبر مؤيدى السلام والتطبيع مع إسرائيل وأقولها علانية وأتحمل مسئولية ذلك، ولكن السرية والنفاق والعداء العلنى والوفاق السرى مع إسرائيل والكيل بمكيالين من quot;شيخ جليلquot; هو ما يزعجنى، وهل ما هو حلال على قطر سرا يعتبر حراما على مصر علنا!!
المهم قررت الذهاب إلى ميدان التحرير رغم ما أصابنى من إكتئاب من موضوع تواجد الشيخ القرضاوى فى الإحتفال بيوم النصر، وهل كان يعتقد أنه الإمام الخمينى أتى لإقتطاف ثمرة ثورة لم يشارك فيها؟ وأنا أساسا كنت ضد إستغلال ميدان التحرير لإقامة الصلوات سواء كانت مسلمة أو مسيحية لأن هذا خلط بين السياسة والدين، الثورة العظيمة التى بدأها شباب مصر وشاركت فيها كل مصر بداية من ميدان التحرير حتى الإحتفال بيوم النصر فى الميدان لم تكن ثورة دينية ولكنها كانت ثورة شعبية سياسية إستشهد فيها المسلم والمسيحى والشاب والشابة، فأداء الصلاة او القداس فى ميدان التحرير هو محاولة إختطاف دينى للثورة الشعبية، المسجد والكنيسة هما مكان إقامة الصلاة.
أخذت تاكسى من مدينة نصر وقلت للسائق quot;ميدان التحريرquot; وعندما ذكرت ميدان التحرير رفض السائق فى البداية، معللا بأنه لن يستطيع العودة فطمأنته وقلت له خلاص نزلنى فى ميدان الأوبرا وأرجع إنت، وكعادتى أخذت أدردش مع السائق وعرفت أنه مسيحيا وكان سعيدا جدا بنجاح الثورة وإتهم النظام السابق بأنه كان يحاول الوقيعة بين المسلمين والمسيحيين، وأنه لا يوجد الآن أى حرس على الكنائس ورغم ذلك لم يحدث إى إعتداء على أى كنيسة رغم إختفاء البوليس الشبه التام، وردد السائق الإشاعة التى تقول بأن وزير الداخلية السابق حبيب العادلى هو من دبر الإعتداء على كنيسة الإسكندرية، وقال لى أن ربنا إنتقم منه لأن الإعتداء على كنيسة الإسكندرية تم يوم 1 يناير وأن عدد ضحايا الكنيسة كان 24 لذلك قام السائق بجمع 1 يناير زائد 24 ضحية وطلع رقم 25 يناير (يوم الثورة)، ولا تسألنى عن أى منطق حسابى فى هذا ولكنه منطق سائق التاكسى المصرى، وطبعا ردد السائق كل الإشاعات فى الشارع المصرى، ومن ضمنها أنه كان المفروض أن يأخذ التاكسى بدون مقابل لأنه معونة أجنبية!! ولكن الحكومة ضربت الفلوس فى جيبها وقامت ببيع التاكسيات لهم بالتقسيط!! ولم أستطع مهما أوتيت من قوة إقناع أن أقنعه بأن هذا الكلام غير صحيح ولكن قوة إشاعات الثورة اللامعقولة أقوى جدا من أى حقيقة معقولة!!
المهم وصلت إلى أقرب ما يمكن من ميدان التحرير مع حرصى على سائق التاكسى لكى يتمكن من العودة، ومشيت من ناحية شارع طلعت حرب، وعندما إقتربت من ميدان التحرير هزنى المشهد وهزنى الهتاف :quot;إرفع راسك فوق... إنت مصرىquot; وإشتريت علما لمصر وطاقية عليها صور بعض الشهداء وبطاقة تعريف للثورة علقتها على صدرى (ثورة لم أشارك فيها سوى بالمشاهدة عبر التليفزيون والإنترنت والكتابة عنها)، ولكنى كنت سعيدا بالمشاركة فى quot;جمعة النصرquot;، وعندما إقتربت من ميدان التحرير فوجئت بأعداد مهولة تخرج من الميدان بعد إنتهاء صلاة الجمعة ونحن نريد دخول الميدان وفى الحقيقة الإزدحام كان خانقا وتسبب هذا إغماء بعض المواطنين، لذلك قررت عمل :quot;إنسحاب تكتيكىquot;!! ورجعت مبتعدا عن الميدان لأن أعداد الخارجين كانت تفوق أعداد الداخلين، وقمت بدخول الميدان من شارع آخر ووجدت نفسى أمام المتحف المصرى وهالنى منظر إحتراق مبنى الحزب الوطنى، ولست أدرى من الذى قام بإحراق هذا المبنى الضخم والذى هو ملكا للمصريين وليس ملكا للحزب الوطنى.
ووجدت أن ميدان التحرير قد تحول إلى ساحة تشبه إلى حد بعيد ساحة مولد السيدة زينب، أجواء إحتفالية، عائلات بكاملها، أطفال رجال ونساء وشيوخ، محجبات أغلبية ومنقبات أقلية قليلة وكاشفات الشعر أقلية، لاحظت عددا مما أستطيع تخمين أنهم من رجال الأخوان والسلفين ولكن عددهم كان يتراوح بين %5-10، ولاحظت فى نفس الوقت بعض الأشخاص يحملون صلبانا ذهبية كبيرة، ولاحظت العديد من الصيع، وكذلك عدد لانهائى من الباعة المتجولين يبيعون كل شئ من أجل الثورة من مأكل ومشرب وأعلام ولا فتات،المهم أن مصر كلها كانت هناك، ولم يعد يخيفنى أن الأخوان المسلمون سوف يخطفون الثورة، بالتأكيد هم يسعون إلى ذلك، ولكن أعتقد أن مصر أصبحت تعرفهم على حقيقتهم سواء من الناحية العددية أو الناحية الإنتهازية، فى بداية الثورة قرروا عدم الإشتراك فيها، ثم حاولوا ركوبها، ولما لم يكونوا متأكدين من نجاحها حاولوا التحالف مع البرادعى، وبعد أن رفض البرادعى التفاوض مع النظام قبل تنحى مبارك، تخلوا عنه وذهبوا للتفاوض مع النظام بعد أن أعلنوا من قبل أنهم لن يتفاوضوا معه، وبعد النهاية السعيدة للثورة حاولوا ركوبها وجاءوا بالشيخ القرضاوى (وكان مرشحا لتولى منصب المرشد العام للإخوان المسلمين)، وظنوا أنهم بذلك سوف يؤكدون ركوبهم للثورة، ولكنهم فوجئوا بأنه هناك قداسا مسيحيا، وصرحوا بأنهم مع الدولة المدنية، وبأن تصريحات مرشدهم السابق (طظ فى مصر) وعن رئيس ماليزى لمصر كلها أخرجت عن سياقها، ولست أدرى إن كانوا مقتنعين بما يقولون الآن، لماذا لا يقولون أن مرشدنا العام السابق أخطأ خطأ جسيما ويعتذرون بالنيابة عنه، ولكنها تربية الدكتاورية الأبوية التى لا تخطئ ابدا ولا تعتذر عن أخطاءها حتى لوكانت أوضح من الشمس، المهم فى الموضوع أن الإجابة على سرقة الإخوان للثورة سوف يكون فى صناديق الإقتراع وفى حصول شباب مصر على بطاقات الإنتخاب فى المدن والقرى والعشوائيات لأن مصر ليست ميدان التحرير فقط، ومستقبل الرئاسة القادمة والحكومات القادمة لن تتحدد فى ميدان التحرير، ولكن فى قرى سوهاج والمنوفية والغربية والإسكندرية وفى شبرا وبولاق والسبتية ومصر القديمة وغيرها.
...
أخطر ما يواجه ثورة 25 يناير الآن أربعة اشياء:
أولا: محاولة سرقة الثورة، وهذه تكلمنا عنها.
ثانيا: فوضى المطالب الفئوية وفوضى الإنفلات الأمنى فى غياب السلطة، إن المطلب الأول للثورة كان:quot;الشعب يريد إسقاط النظامquot;، إن إسقاط النظام لا يعنى إلغاء النظام والفوضى، لأن النظام يعنى الإنضباط وإحترام القانون، إننا لا نريد سلطة دكتاتورية أو سلطة فاسدة، ولكننا نريد سلطة منتخبة صالحة تستمع إلى الناس، ومن أسوأ ماقرأت وتألمت هو أن إضراب بعض موظفى الإسعاف فى أسيوط قد تسبب فى وفاة أربعة أشخاص أصيبوا فى حادث سيارة ورفض موظفى الإسعاف الخروج لإسعافهم، تلك فوضى ترقى إلى مرحلة الجريمة وخيانة الأمانة، وهى أسوأ كثيرا من دكتاتورية السلطة، وأيضا سمعت من أحد الأصدقاء عن أن عددا من العمال فى أحد مشروعات المقاولات رفعوا لافتات لمدير المشروع مكتوي عليها quot;إرحلquot;؟؟
ثالثا: إنتشار روح الإنتقام لدى أى ثورة شعبية يمكن أن يدمرها، وكذلك إنتشار الشائعات التى تهيج الجماهير وتجعلها تنتظر المعجزات من النظام الجديد وترفع سقف توقعاتها إلى عنان السماء، إن ما كتبته جريدة الجارديان البريطانية عن ثروة مبارك وعائلته (70 مليار) كان لها أثر كبير فى غضبة الجماهير من مبارك، وعندها حق لو ثبت صحة هذا الرقم ولكن إذا ثبت أن هذا الرقم مبالغ فيه يمكن مائة مرة، ماذا سيكون موقف تلك الجماهير، وماذا سيكون موقف جريدة الجارديان ذى الصلات الوثيقة بقناة الجزيرة!!، لقد سمعت أن أحدى الشغالات تقول للسيدة التى تعمل لديها بأنه لو وزعت ثروة مبارك على المصريين فإن كل أسرة مصرية ستنال ثلاثة ملايين جنيه!! لقد سمعت بنفسى من أحد الناس quot;المحترمينquot; فى التليفزيون بأنه لو وزعت ثروة مبارك على مصر لنال كل واحد مليون دولار!! وهذا خطأ حسابى مذهل، لأنه حتى بإفتراض صحة رقم ال 70 مليار دولار وقسمناه على 85 مليون مصرى لنال كل مصرى 823 دولار فقط، هل ترون خطورة المبالغة والجهل بابسط قواعد الحساب الرياضى!!
رابعا: البدء فى إستخدام لفظ العهد البائد ونعت كل شئ فى العهد quot;البائدquot; بالفساد بدون تمييز، وكذلك محاولة إتهام أى شخص يذكر بعض محاسن الرئيس مبارك بأنه quot;عدو الثورةquot; وquot;عدو الشعبquot; وأنه quot;خائن للثورةquot; وهى نفس التهم التى ظهرت فى أعقاب 1952 وفى معظم الثورات، وكذلك يجب أن نعطى الفرصة لأى رأى معارض للثورة أن يسمع ويفهم ويحلل، وإلا نكون بذلك قد إرتكبنا نفس أخطاء النظام السابق فى الدكتاتورية.
...
هدف الثورة الآن هو إعادة البناء وعودة عجلة الإنتاج، محاسبة الفساد لا بد أن تتم بدون ظلم لأحد وبدون أخذ الناس بالشبهات كما كانت تفعل الأنظمة السابقة، يجب أن نفرق بين من حقق ثراء عن طريق الفساد وبين من حقق ثراء بمجهوده وعمله الشريف، يجب أن نبدأ فى تطبيق قانون: quot;من أين لك هذاquot; والمعطل منذ إعلانه.
وإخيرا أقول أننى سعدت ودمعت عيناى عندما شاهدت مصر كلها فى ميدان التحرير، وفى نفس الوقت مازلت أضع يدى على قلبى لأن المصريون لا يثورون كثيرا، وفيه إحتمال إنه إذا لم يجنى شعب الثورة ثمار تلك الثورة فإن ثورة المصريين القادمة ربما ستكون بعد ستة آلاف عام أى فى 25 يناير عام 8011.
[email protected]