القاهرة مدينة مزدحمة ضاجة بكل شيء..كل شيء..القاهرة القديمة تجد الاماكن التي يرتادها السائحون وعلى بعد مئات الامتار خارج هذه الاماكن تجد القاهرة الحقيقية بفقرائها ونبلائها بالفقراء النبلاء..وتجد الحواري الشعبية التي تعيش بالصدفة والقدرة الالهية..القوة الجبارة للفقراء تحيط بكل حي غني في القاهرة ماعليك سوى المشي وعبور شارع لتنتقل من حياة يعيش فيها الناس بيسر الى حياة اخرى يعاني فيها الناس شظف البحث عن الرغيف..

محمود المصري عامل المكوى في العمارة التي اسكنها لم اتعرف عليه جيدا الا اثناء بداية الثورة يكاد جسمه يخدعك فتتصور انه في الخامسة عشر من العمر بينما هو في التاسعة عشر يأتي لاخذ الملابس من الشقق في بداية اليوم ليكويها ويسلمها عصرا للناس بصمت يعمل وادب جم..انقطع عن العمل اول يوم في الاعتصام فذهبت الى محله لاخذ ملابس كانت لي عنده ففوجئت بمحمود في باب المحل يهتف ويحرض شبابا كانوا متحلقين حوله..لمحني قد اتيت فترك الجمع وتوجه نحوي وبادبه اللطيف
- انا اسف يااستاذ.كنت في المظاهرة البارحة واليوم ساذهب كذلك..!

كنت فرحا الى حد لايصدق برؤية شباب من هذه الفئة يهتمون لامر عام فجلست معه ونسيت امر الملابس حدثني عن كل شيء.. من انتم؟؟
- شباب مصريون طفح بنا الكيل من الظلم الاجتماعي !! والفقر والحرمان بينما نرى المتسلطين ينعمون بكل شيء..!!
-هل كل الشباب معك في الميدان معوزين ولايجدون املا في الحياة ؟؟
-لا ابدا.ومنير ابن وزير سابق وساكن بالشارع القريب -ويشير بيده ndash; وسعيد ابوه مقاول وعندهم كل حاجة لكنهم يريدون الخلاص من الظلم االعام ليعيشوا حياتهم بسعادة مع الفقراء مثلي..!!
كيف تواصلتم.؟؟

نحن اولاد منطقة واحدة..والمصريون واحد اين ماكانوا !!..بالمهندسين او بشبرة او ببولاق..وهذه هي الاحياء العجيبة المختلط فيها الحابل بالنابل الفقير جدا بالغني جدا ولايفصل بينها الاشارع واحد..انقطع الحوار بيننا على اثر التلفون من اصدقاء عراقيين يطلبون مني رؤية اعلان مبادرة المالكي بتخصيص طائرات لاستعادة العراقيين في القاهرة الى العراق..

الاحداث تتسارع محمود المصري صار ملايين المعتصمين المتنادين عن طريق الفيس بوك والهتافات في شوارع وحارات القاهرة والاسكندرية والسويس..الغضب الخجول..الغضب المهذب..الملتزم.!!

متظاهرون يجمعون الازبال التي خلفتها الالاف ويرمونها في اماكن جمع الازبال..ينظفون الشوارع المحيطة بكل مكان الاعتصام..!!
الاحداث تتسارع والشرطة تضرب المتظاهرين وتقتل البعض فينفلت الغضب ضد اقسام الشرطة والنتيجة هرب مجرمين وارباب سوابق وخروجهم الى الشارع الغاضب !!صور تشابه مافعله صدام من اطلاق المجرمين قبيل دخول القوات الامريكية للعراق!! البعض في الشارع المصري احس برعب وحضرت بسرعة المقارنة بين ((امان الدولة القوية)) وانفلات الايام الحاضرة..وصار اصعب الامور ان تجد من يفكر بابعد من ساعته الحاضرة !! القلق على الرغيف اليومي صار هاجس فرغت بعض المحلات من كثرة المتسوقين القلقين...ذهبت وجبة عراقيين الى المطار وصلت اخرى الى بغداد!!

ميدان التحرير في طريقه الى النصر..انا ومحمود نزلنا الى الشارع مع اللجان المحلية منذ الساعات الاولى لليل...لحماية الحارات من اللصوص والمجرمين الهاربين من السجون!

غابت خدمة التلفون ليومين مع خدمة الانترنت!! انتابني خوف ان يلجأالنظام الى قطع الكهرباء حينها ستصبح الامور اعقد واصعب !
عادت التلفونات الى الحياة بعد نداءات دولية وعادت معها توسلات الاهل بالعراق بالخروج..التعاون غريب والتنظيم في اللجان الشعبية مذهل..اولاد البلد اولاد الحارة ورجالها يطيعون نداءات الجوامع بالنزول لحماية البيوت كلها غنيها وفقيرها كل شارع بسيطرتين في بدايته ونهايته..
اتصلت وسجلت اسمي في قائمة الهاربين الى بغداد مسجلا في الذاكرة كل صورة صغيرة وكبيرة.!!
وصلت الى بغداد لالتقي حميد العراقي شاب بعمر محمود المصري حدثته عن التغيير وعن محمود ورفاقه..عن شباب بعمره يعتصمون لتغيير نظام حكم ويصنعون مستقبل امتهم
!
رن هاتفه الاول بصوت ((لطمية )) ثم رن هاتفه الثاني بصوت ((لطمية اخرى)) ذهبت معه الى النت القريب من بيته وجدت شبابا بعمره منشغلين بجديه اختلست النظر الى كل صفحات النت المفتوحة كلها مواقع اجتماعية للتواصل برامج محادثة ومنتديات صداقة..موضوعها الوحيد الصداقة والعلاقة بالجنس الاخر..طبعا ليس لدي اعتراض..لااحد يتحدث عن الوضع في العراق او في بغداد..الخدمات السياسة..الدين السياسي..وطبعا لااحلم واقول يتحدث عن الثقافة او الادب!!

سألت حميد العراقي لماذا تقتلون كل هذا الوقت بالتحدث للبنات واصطيادهن بالنت لماذا لاتكون العلاقة مباشرة..رد بسرعة ndash;اين مباشرة ؟؟بالشارع ؟؟حرام وعيب !!
ثم لماذا الاهتمام بهذه الامور الموجودون الان حرامية واذا طلعنا وغيرنا سيأتون حرامية جدد لاتتعب نفسك اللعب بالنت احسن من الخروج في الشارع حيث اما تكون قاتلا او مقتولا!!

ادركت حجم الكره والحقد بداخل حميد على كل شيء..الاخر بكل صوره الطائفية والسياسية..حتى الاخر من الطائفة نفسها بل ان قيمة الوطن المجردة ليست موجودة بداخله على الاطلاق..حميد يتمنى ان يسافر الى الخارج مهما كان شكل هذا الخارج..

حينها ادركت ان الفرق بين محمود وحميد ليس بقسوة الظروف المعيشية او الحياتية..بل الفرق بحجم الحب داخلهما..محمود يحب وطنه ويقدمه كقيمة على كل شيء ولديه ايمان بهذا الحب ليوزعه على كل من يقاسمه الحياة في الوطن مهما بلغت الفروق بينه وبينهم..محمود تربى على حب الشارع وحب رفاقه في الشارع وبالتالي البطولة لديه ان يخدم الناس ويقودهم لحلم التغيير بينما حميد تربى على الشك باصدقائه وربما التفكير بتصفيتهم قبل ان يصبح هو ضحية لتصفيتهم والتهم جاهزة يقدمها له المجتمع كله بتصنيفاته لاصدقائه طائفيا وقوميا وسياسيا..

تركت بغداد وهي تحلم بالتغيير وببوادر خروج الناس الى الشارع للمطالبة بحقوق اساسية حتى الحيوانات حصلت عليها في بلدان الله كلها..حصة طعام شهرية كأننا سجناء او مرضى..كهرباء..ماء نظيف..سقف يحمي اطفالنا من التشرد على الارصفة..ونسائنا من بيع اجسادهن في عمان وسورية.. تركت بغداد مترددة بين الخوف من بطش المفسدين وغضب المتظاهرين..تركت حميد حائر بين انتظار فرصة الهرب الى المجهول وبين عودة بغداد الى وجهها الجميل الوادع..وادركت ان الفرق بين محمود المصري وحميد العراقي يحتاج جهود جبارة لردمه...


[email protected]