قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بعد الاهتمام ربما المبالغ فيه بعملية تطهير البلاد من رموز النظام المباركي البائد، وتفعيل العدالة القانونية إزاء من فسدوا وأفسدوا وقتلوا، لا نجد بالساحة السياسية بل والشعبية المصرية ما هو أكثرة إثارة للاهتمام من تيار الإسلام السياسي واحتمال سيطرته على الساحة المصرية، عبر اكتساحه للانتخابات التشريعية القادمة، والتي شاء ويصر المجلس الأعلى للقوات المسلحة حتى الآن أن تتم على عجل، وقبل أن تتمكن قوى الثورة من تنظيم صفوفها، بعد أن أثمرت الرعاية الكريمة للثورة من قبل المجلس فتح أبواب السجون ليخرج منها القتلة والمجاهدين، بالتوازي من خروج قواعدهم من شقوقهم التي تواروا فيها طوال الحقبة الماضية، فانتهت بالنسبة لهم ما اعتبروها فترة استضعاف تقتضي فقهاً خاصاً ينحو للتقية والمسالمة، ليعتبروا أنفسهم الآن، وبعد ثورة شبابنا الباحث عن الحرية والعدالة والكرامة، وقد صاروا على مشارف مرحلة التمكين، التي سيستطيعون بعدها أن يدخلونا جميعاً إلى زنازينهم المقدسة، ويشبعوننا جلداً ورجماً، أو صلباً وقتلاً وتقطيعاً لأطرافنا من خلاف.
إذا نحينا ذلك التيار الظلامي بمختلف أطيافه جانباً، ونظرنا إلى باقي مكونات الساحة المصرية السياسية والشعبية، تلك المحبة للحياة والمقبلة عليها، والتي هي بالمقياس العددي أغلبية كاسحة مقارنة بكوادر الجماعات والمتشيعين لها، سنجد أن تلك الكتلة الهائلة المتشرذمة والعشوائية تنتابها أكثر من حالة عقلية وسيكولوجية، إزاء وضعها الوطني الحرج بالفعل موضوعياً. . سنجد أولاً عدم ثقة من القلة المثقفة داخل هذه الكتلة في الأغلبية الشعبية البسيطة أو ضحلة الثقافة، من حيث ما يرونه سهولة انخداعها بشعارات دينية براقة وخاوية، يمكن أن تسحب هذه الجماهير أو تسوقها إلى حيث لا ترغب هذه الجماهير بالأساس أو تتوقع، بحيث لن تستفيق من غفوتها أو انخداعها، إلا بعد أن تحكم ذئاب التأسلم الإمساك بالفريسة بين مخالبها وأنيابها، ليكون الإفلات منها بعد ذلك ضرباً من أضغاث الأحلام، ما نرى مثيله الآن في إيران وغزة.
الوضع بالتحديد في الساحة المصرية يمكن النظر إليه باعتباره مواجهة بين جبهة ظلامية هي الأضعف كماً بعددها القليل بالنسبة للمجموع، ومتفوقة كيفاً بحسن تنظيمها وسخاء تمويلها وشدة إيمانها بما تدعو إليه، علاوة على تحديدها الصارم والدقيق لأهدافها، ووضعها لبدائل شتى لتكتيكات تحقيقه، تتراوح ما بين سيادة الساحة بالهتاف والصراخ واستثارة الحماسة الدينية، وبين استغلال آليات الديموقراطية وصناديق الانتخاب عبر الحشد الكفوء للأنصار، وصولاً إلى الذبح والتفجير ما استطاعوا إليه سبيلاً، مادام القتل بالنسبة لهم quot;فريضة غائبةquot; أو quot;فرض عينquot; يثابون بأدائه، ويموتون ميتة الجاهلية إذا ما فاتهم إعمال سيف الجهاد أو الغزو كما يروي الترمذي!!.. في مقابل كتلة شعبية ونخبوية هي الأكبر كماً، لكنها الأضعف والأكثر هزالاً كيفاً، إذا يغيب عنها حتى الآن التنظيم، علاوة على هلامية أو ضبابية أهدافها، فما تتوق إليه لا تعرفه إلا عبر مفاهيم مطلقة وفضفاضة مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، كما أن نخبتها تنقسم انقساماً خطيراً إلى حد التشرذم والتناقض، حول أساليب الوصول لتحقيق ما تصبو إليه، ما بين أصحاب الرؤى الليبرالية المنفتحة على العالم والمتوافقة مع العصر، وأصحاب الأيديولوجيات اليسارية والقومية العروبية وما يسمونه ناصرية، المعادية لكل العالم المتحضر، والذي تراه صهيونياً إمبريالياً ورأسمالياً متوحشاً. . والجماهير تنظر لكل هؤلاء زائغة العيون لا تكاد تدري من أمرها وأمرهم شيئاً. . الأمر هكذا كما لو لدينا فيل يقف حائراً ومرتعباً أمام أرنب. . الفيل ضخم الجثة لكنه خامل ومترهل العضلات، والأرنب ضئيل ونشيط وماهر!!
تنتاب الفيل أكثر من حالة عقلية وسيكولوجية، أكثرها خطورة ما يمكن اعتبارة quot;حالة رعبquot; من الأرنب، وquot;الرعبquot; كما نعرف أولى بهزيمة صاحبه بأكثر مما يقوم عدوه بهزيمته. . قد يؤدي الرعب إلى الاستسلام والقعود التام عن المواجهة، والإحجام عن التفكير أو التخطيط لاستجماع القوى لمواجهة الخطر الماثل، لكن ربما ليس هذا أخطر نتائج الرعب، إذا نرصد بالساحة تياراً هو الأخطر على مستقبل العمل على إنقاذ البلاد مما يتهددها حقيقة من مخاطر الذهاب في طريق بلا عودة. . ذلك التيار الذي يؤدي به ارتعابه مما يرى ماثلاً أمامه إلى تكذيب عينيه، وتبدأ خلايا المخ العصبية لديه في ترجمة أخرى لتلك الإشارات الواردة عن طريق عينيه منعكسة من الواقع الموضوعي، فلا يرى الذئب ذئباً، وإنما هو حمامة اعتاد الناس على رؤيتها كذئب، ربما -كما يصور لنفسه- بتأثير ملامح قديمة لم يعد لها أثر الآن، وذلك بعد أن تاب الذئب وأناب وبلغ سن الرشد، وقرر من الآن فصاعداً أن يصير حمامة!!. . آخر سطور قرأتها من هذا القبيل كانت لنجم ليبرالي هبط علينا بالبراشوت من معهد أبحاث في واشنطن، فسيادته يرى أن quot;وجه القصور الأول فى خطاب التفزيع من الإخوان هو أنه ينطلق من افتراض أنهم ليسوا مع مدنية الدولة والسياسة وضد مواطنة الحقوق المتساوية لكل المصريات والمصريين، على الرغم من أن الجماعة أكدت على التزامها بهذه المبادئ أكثر من مرة وهو ما أرى به خيرا لمصرquot;. . الباحث الكبير الشهير هكذا يكتفي بإعلانات صحفية لصقور أو حمائم التأسلم، ولا يتذكر أوليات الدرس والبحث في فكر أي جماعة ومراجعاتها وتطورها، والتي تقتضي رصد التطور في حركات نقد المرجعيات النظرية وتجاوزها، وليس فيما تخرج علينا به من قبيل الخداع لنفسها أو للجماهير من تصريحات صحفية للاستهلاك المؤقت ومن قبيل التقية، مع الإصرار على مرجعية تنظيرات سيد قطب صاحب quot;معالم على الطريقquot; وquot;في ظلال القرآنquot;، وابراهيم فرج صاحب كتاب quot;الفرضة الغائبةquot;، ناهيك عن حسم موقفهم من التناقضات الهائلة في تفسيرات وفتاوى الفقهاء عبر عصور عديدة، قبل ما نعرفه بغلق باب الاجتهاد، والذي أبقانا للآن أسرى تلك الرؤى المفارقة للزمان والمكان، وكل هذا متضمن بلا ريب فيما يعتبرونه شريعة مقدسة، من يحكم بغيرها يعد من الفاسقين!!. . ألم يكن بالأحرى بك يا عزيزنا الباحث النجم أن تتمهل في تبرءتهم لبعض الوقت، وتطالبهم بمراجعات حقيقية لتنظيراتهم، بالإضافة إلى إعلاناتهم الصحفية المتناقضة التي يمطروننا بها تقية وخداعاً؟!!
إذا نحينا جانباً quot;الرعبquot; الذي يقعدك عن العمل الجاد لإنقاذ نفسك، أو يجعلك كصاحبنا النجم الليبرالي تهرب إلى هلاوس تصور لك الذئب كأنه قد صار حمامة، سنجد أن هناك موقفاً آخر يلتزم به كاتب هذه السطور وهو quot;الخوفquot;. . quot;الخوفquot; من إخوان الظلام والإظلام بمختلف ألوانهم وأنغامهم. . فالخوف هو القوة الدافعة للإنسان منذ بداية رحلته الحضارية، بداية من مفارقته للقردة المتقافزة على فروع الأشجار، ليلازمه الخوف من الوحوش الضارية والحشرات الزاحفة، بل ومن مظاهر الطبيعة الصاخبة. . هذا الشعور بالخوف شكل لديه دافعاً سيكولوجياً جوهرياً، ليبدأ في إعمال عقله لحماية نفسه، فيشرع في مسيرة بناء حضارته، وما مراحل التحلل والتدهور لأي أمة، إلا ويكون خلفها زوال الخوف المؤدي إلى هبوط الهمة والتراخي!!
quot;الخوفquot; المتزن والإيجابي لا يفقدنا الثقة في أنفسنا، بل بالعكس يجعلنا نتدبر كيف نكتشف مناحي قوتنا ونوظفها باتجاه التغلب على مصدر خوفنا. . هو أيضاً لا يجعلنا نرى عدونا أكبر من حجمه الموضوعي، كما يمنعنا من خداع أنفسنا بتصوره على غير حقيقته، لنكفي أنفسنا مشقة مواجهته. . quot;الخوفquot; وليس quot;الرعبquot; يجعلنا لا نجزع ممن نواجهم محاولين أو متمنين استئصالهم بكاملهم، داعين الله أن تنشق الأرض وتبتلعهم، لكنه يدفعنا إلى الحوار العقلاني معهم، باعتبارهم شركاء في وطن، يحدد لمواطنيه شروطاً صارمة، على من يريد أن تشمله مظلته أن يلتزم بها. . شروط ليست مجالاً لاستفتاء رأي أغلبية أو أقلية، وإنما هي من ثوابت حقوق الإنسان الطبيعية، ومن يقر بها كاملة دون تلاعب أو تحايل أو مخادعة يعد جزءاً أصيلاً من الجماعة الوطنية، يصلح ويجب معه الحوار أخذاً ورداً وتفاعلاً، أما من ينكرها أو يتلاعب بها، فإنه يكون من يستأصل نفسه بنفسه من الدائرة الوطنية، ولسنا نحن الليبراليين من نستأصله!!
فلننأ إذن بأنفسنا عن quot;الرعبquot; المؤدي للإحباط والعقود، أو الذي يسوقنا إلى أوهام تصور الذئب حمامة، ولنلتزم quot;الخوفquot; الإيجابي، الذي يدفعنا للحركة وتدبر أمورنا!!
مصر- الإسكندرية
[email protected]