قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


تفاقمت في الآونة الأخيرة التجاوزات الإيرانية على أقليم كردستان العراق من خلال القصف المدفعي شبه اليومي على قرى كردية عراقية آمنة آهلة بالسكان ، تحت ذريعة مطاردة مقاتلي تنظيم (بيجاك الكردي) ، تأتي هذه التجاوزات والخروقات الخطيرة والتي تؤدي الى ازهاق ارواح مدنيين كرد عزل وتدمير قراهم ومصادر معيشتهم في وقت تتحدث فيه جمهورية ايران الإسلامية عن لعبها لدور ايجابي في العراق وحرصها على مصلحته كبلد جار وتتحدث عن علاقات حسن الجوار وهذا ما يشكل ازدواجية واضحة في المعايير وتناقض كبير بين تصريحات (المسؤولين الايرانيين) وبين تصريحات (المدفعية الإيرانية)، ولقد وصلت الأمور خلال هذه الأيام الى حد لم يعد معه الصمت والهدوء مفيداً ، فخرج رئيس اقليم كردستان السيد مسعود بارزاني عن صمته وصبره المعهود حيال هذه الإعتداءات الصارخة والسافرة على اقليم آمن جار لإيران لا يمتلك لحد الآن مقومات الردع العسكرية للدفاع عن نفسه ، بل هو يسعى دائماً لبناء علاقات طيبة مع دول الجوار (ايران،تركيا،سوريا) من خلال خطاب سياسي مرن وخطاب اعلامي متوازن وغير مستفز وفتح المجال امام استثماراتها، فالقيادة السياسية في اقليم كردستان تدرك تماماً انه ليس بالإمكان فتح جبهات سياسية وإعلامية مشحونة ومحتقنة مع حكومات دول الجوار ناهيك عن فتح جبهات النار العسكرية ، نظراً لأن مقومات الدفاع الذاتية هزيلة للغاية ، كما ان هناك عداء تاريخي قديم لحكومات دول الجوار الثلاث (على اختلاف مشاربها) ، تجاه الوضع القائم في أقليم كردستان نظراً لأن القضية الكردية العراقية ما زالت جزءً لا يتجزأ من القضية الكردية في ايران وتركيا وسوريا رغم ان لكل جزء من كردستان خصوصيته الوطنية ( اي ان خصوصية القضية الكردية في العراق هي خصوصية عراقية وفي تركيا خصوصية تركيا وهكذا)، لكن هذه الدول تنام وتستيقظ دائماً على حلم مزعج بالنسبة لها الا وهو ( تنفس الرئة الكردية في العراق بشكل صحيح رغم بعض الأتربة التي تعيق التنفس) وهذا ما تدركه القيادة السياسية في اقليم كردستان ، وهي قيادة تفكر بواقعية ملموسة في التعامل مع انظمة دول الجوار ، مع ان بعض المسؤولين العسكريين في الأقليم يتحدثون بعض المرات بلغة الجنرالات المعهودة لكن لا اعتقد ان ذلك مجد ومؤثر أو حتى حقيقي بقدر جدية وتأثير وواقعية الأداء السياسي للقيادة الكردستانية حيال ملف دول الجوار الثلاث ، فالجارة ايران فيها ما يقارب العشرة ملايين كردي ويشكلون جزء مهماً وأصيلاً من نسيج الشعوب الإيرانية لكنه شعب مضطهد من قبل الجمهورية الاسلامية بكل ما تحمل كلمة الإضطهاد من معنى كما هو الحال في سوريا وتركيا ، لذا اعتقد ان الأداء السياسي الكردي في اقليم كردستان يحاول جاهداً دون تعريض اكراد دول الجوار عرضة لإضطهاد أكبر خصوصاً في ظل هذه التحولات الخطيرة الجارية في المنطقة في نفس الوقت الذي تتقي فيه النوايا غير الحسنة لأنظمة هذه الدول تجاه اقليم كردستان .

ما هو جدير بالإشارة هنا هو صمت حكومة السيد نوري المالكي في بغداد حيال هذه التجاوزات المرعبة وكذلك صمت الأغلبية البرلمانية في مجلس النواب أيضاً ، وهذا أمر يمكن استيعابه وفهمه نظراً للدور والحضور والنفوذ الإيراني الكبير في العراق ، ومن ثم ان ايران دائماً تمتلك عنصر المبادرة الحاسمة والحازمة للتعامل مع الملف العراقي باستعلائية ملموسة وجلية ، ولا يُستَبعد أن تساهم الوشائج المذهبية بشكل أو بآخر كي تلتزم الأغلبية في البرلمان الصمت حيال هذه الخروقات الإيرانية التي تمس السيادة الوطنية العراقية في الصميم ، ومن المهم هنا أيضاً الإشارة الى دور السيد جلال طالباني رئيس جمهورية العراق والذي لا يلعب الدور المطلوب حيال هذا الملف بل اما ان يلتزم الصمت واما ان يلجأ الى المجاملة مع مسؤولي الجارة ايران وهذا الموقف بحد ذاته يجعل من ايران ان تتصرف بشكل استعلائي اكبر ، أما الكتلة الأخرى من النواب فهم ينطلقون في انتقادهم للممارسات والخروقات الإيرانية من منطلقات شتى منها ان هناك تيار عروبي يرى ان الصراع الفارسي العربي متجذر ومتأصل وغدا العداء تقليدياً ،ومنهم من يحاول اشعار الطرف الآخر (الحاكم) بأنه يمتلك القدرة على اتخاذ الموقف نكاية ... مع عدم استبعاد المواقف الحقيقية والحسنة النية والوطنية لبعض الرافضين للخروقات الإيرانية .

تبقى هناك الولايات المتحدة الأميريكية والتي ترتبط بالعراق باتفاقية الإطار الاستراتيجي (وهذا بيت القصيد في مقالنا) ، فقد ارتبط العراق رسمياً باتفاقية الاطار الاستراتيجي بأميريكا وهذه الاتفاقية متعددة الجوانب ( سياسية إقتصادية عسكرية امنية ثقافية ..الخ) ، وهي تلزم اميريكا بإتخاذ الموقف المناسب في حال تعرض العراق لخطر او اعتداء خارجي ودون التزام اميريكا بما ورد في الاتفاقية وعدم احترامها لتوقيعها ستكون هذه الاتفاقية موصوفة بميوعة فاضحة... ففي القسم الثالث من الاتفاقية وهو المعنون بالتعاون الدفاعي والأمني ، يجب على اميريكا مساعدة العراق ...نص القسم الثالث كما ورد في الترجمة العربية (تعزيزاً للأمن والاستقرار في العراق، وبذلك المساهمة في حفظ السلم والاستقرار الدوليين، وتعزيزاً لقدرة جمهورية العراق على ردع كافة التهديدات الموجهة ضد سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها، يواصل الطرفان العمل على تنمية علاقات التعاون الوثيق بينهما فيما يتعلق بالترتيبات الدفاعية والأمنية دون الإجحاف بسيادة العراق على أراضيه ومياهه وأجوائه. ويتم هذا التعاون في مجالي الأمن والدفاع وفقاً للاتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية العراق بشأن انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه.) ... إذن اين الإلتزامات القانونية والأخلاقية الأميريكية تجاه ما يحدث من انتهاكات خطيرة للسيادة العراقية ؟! ولماذا لاتتوقف الآلة الاعلامية الاميريكية وكذلك لا يتوقف الأداء الدبلوماسي الأميريكي ولا يمل حيال ما يحدث في (أبيي) في السودان وما يحدث في سوريا وما يحدث في اليمن وما يحدث في ليبيا ولبنان وفلسطين (مع فارق الحالة العراقية عن الحالات الآنفة الذكر) في حين ان نفس الآلة الاعلامية الأميريكية وكذلك الديبلوماسية الأميريكية صامتة حيال ما يحدث في العراق في وقت تمتلك فيه اميريكا اكبر سفارة لها في العالم برمته على ارض العراق ، وهي قريبة جداً من سفارة طهران المهمة جداً في بغداد ؟! فهل وراء الأكمة ما وراءها ؟ أم ان اميريكا هي نفسها التي اجهضت الثورة الكردية عام 1975 برعايتها لاتفاقية الجزائر في السادس من اذار 1975 في تنصل واضح من التزاماتها الأخلاقية تجاه شعب كان يتعرض للإبادة على يد نظام قمعي دموي في بغداد ... وحازت ايران على الجائزة وبمباركة اميريكية وتنازل عراقي مشين لأراضيه ومياهه مع ايران ؟ هل يتكرر المشهد الآن ؟!

بالطبع ان الحديث عن الدور الاميريكي انطلاقاً من اتفاقية الاطار الاستراتيجي لااعني به ابداً وإطلاقاً الردع العسكري ضد الجارة ايران ، بل بالعكس تماماً فأنا اقصد ان تلعب اميريكا دورها الحقيقي ومن خلال القنوات والسبل الدبلوماسية من خلال حلفائها في المنطقة لإقناع الجارة ايران بان ما تقدم عليه من قصف مستمر للقرى الحدودية في اقليم كردستان العراق خطأ ومضر بالعلاقة العراقية الإيرانية او على أقل تقدير بجزء مهم من العلاقة العراقية الايرانية واقصد بذلك الجزء (الكرد) الذين هم شركاء حقيقيون للحكم في بغداد وهم عراقيون اصلاء ، ونتمنى ان لاتتكرر الطعنة الأميريكية القديمة (اتفاقية الجزائر 1975) في الخاصرة الكردية ، ونتمنى ان تتبنى ايران مبدأ قبول الآخر وقبول الأمر الواقع وتساهم فعلاً في لعب دور ايجابي في العراق يؤدي الى تحقيق الأمن والاستقرار وتحقيق السلم المدني والسير بالعلاقة بين البلدين والشعبين الجارين العراقي والايراني الى اجمل والطف مستوياتها وعلى اساس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتعايش السلمي.

* نتمنى من العمالقة ان لا يجعلوا من العراق ضحية لصراعهم الخطير ومصالحهم.