قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يبدو أن قصة العراق والكويت تعيد نفسها كل مرة بين فترة وأخرى على مدى عقود، حيث إن لها نفس الأسباب وتصل غالبا ً إلى نفس النتائج في كل مرة، حيث صارت تلك القصة كالمثل العراقي القائل (تيتي...تيتي...مثل مارحتي أجيتي)، أي أتيتي بالذي ذهبتي به، حيث لاشيئ جديد. فقبل إستقلال الكويت طالب الملك غازي بالكويت كجزء من دولة العراق ومن ثم طالب بها الزعيم عبد الكريم قاسم فصدام حسين لاحقا ً. أن هاجس كل بلد صغير حديث الإستقلال، كدولة الكويت، هو الإعتراف الرسمي بالدولة من قبل الدول الكبيرة وبالخصوص دول الجوار والدول الإقليمية وذلك لقطع الطريق على أي تدخل خارجي من قبل تلك الدول في شؤون الدولة المستقلة حديثا ً، أو قطع الطريق على المطالبات بجزء من أراض وثروة تلك الدولة المستقلة حديثا ً. لذلك تقوم الدول المستقلة حديثا ً بالإعتماد على ماتمتلكه من نقاط قوة لأجل إستحصال هذا الإعتراف دوليا ً وإقليميا ً. ودولة مثل الكويت لاتمتلك من سبل القوة إلا المال وعلاقات جيدة مع الدول الكبرى حيث إستخدمتهما على أحسن مايرام.

لقد هدد الزعيم عبد الكريم قاسم الكويت بضمها إلى العراق في عام 1961، أي بعد أسبوع فقط من إعلان الكويت دولة مستقلة، فما كان من الكويت إلا أن أستخدمت المال والعلاقات الدولية من أجل تجنب نتائج هذا التهديد، فقامت بدعم حزب البعث المناوئ لسلطة عبد الكريم قاسم من أجل الوصول للسلطة، وفعلا ً حصلت الكويت على الإعتراف الرسمي بها كدولة من قبل الحكومة العراقية بقيادة الإنقلابيين عام1963. لقد تطورت العلاقات بين الكويت وحكومة العراق لأحسن الأحوال حيث كانت تسلم الكويت المعارضين العراقيين وبالخصوص الإسلاميين منهم إلى السفارة العراقية في الكويت حيث يلاقون مصيرهم المحتوم بعد أن يصلوا إلى العراق. وأستمر هذا الدعم للحكومة العراقية بالمال خلال سنين الحرب مع أيران وكان من أسباب إدامة الحرب وصمود العراق لفترة طويلة. لكن تلك العلاقة لم تستمر بعد أن دعا صدام حسين إلى ضم الكويت إلى العراق فقام بغزو الكويت وحصل ما حصل لكلا الشعبين بعد إنتفاضة شعبان 1991. لا أريد أن أسرد التاريخ فالكل على إطلاع عليه لكني أريد أن أنوه بأن الكويت ومنذ إستقلالها لم تسعى لبناء علاقات جيدة مع الشعب العراقي، فكل علاقاتها الجيدة كانت مع الحكومات العراقية المتعاقبة لطلب الأمن والأمان والتي بدورها كانت حكومات دكتاتورية شمولية متسلطة لاتفهم سوى منطق القوة حيث كانت دولة الكويت من أسباب بقاء تلك الحكومات.

أما الآن، يبدو بأن الوضع مرتبك جدا ً داخل العراق بعد أن اطلقت ثلاثة صواريخ بإتجاه الأراضي الكويتية. فالحكومة تنفي وجماعات مسلحة تتبنى وقوائم داخل كتل كبيرة تعد وتهدد. لم نفهم إلى الآن موقف الحكومة العراقية تجاه بناء ميناء مبارك والسبب يعود إلى أن في داخل الحكومة العراقية يوجد أكثر من موقف وخطاب. فموقف الخارجية العراقية متساهل جدا ً بسبب إنها تريد بناء علاقات جديدة وجيدة مع كل دول العالم ومن ضمنها الكويت التي هي البوابة لخروج العراق من تحت البند السابع. أما موقف وزارة النقل والكثير من الأطراف فهو متشدد وينطلق من رؤيا فنية بأن ميناء مبارك لاشك يؤثر سلبا ً على الملاحة ومن ثم إقتصاد العراق. أما النواب العراقييون فهم يتحدثون بلغة عشائرية يريدون بها حلحلة قضية بين دولتين. فهم يصرخون ويزمجرون ويهددون خارج إطار الدولة وكأن القضية بين عشيرتين. فمنهم من يفكر بنفس عقلية النظام السابق الإقصائية حيث منطق القوة ويريد أن يستعملها متجاوزا ً هيبة الدولة وسلطتها وهو جزء منها. لا الوم أحد من النواب لأن هكذا مسائل تكون أفضل مناسبة للمزايدة من أجل الإستهلاك الداخلي لرفع الرصيد الهابط بعد الأداء السياسي السيئ في البرلمان والفشل في محاربة الفساد ومراقبة الدولة. أقول، ماذا جنى العراق من منطق القوة على مدى سنوات عديدة، فكل مرة نعود للمربع الأول بعد خسارة المال والأرواح ومستقبل الأبناء.

منطق التاريخ يقول أن الشعوب لاتنسى أبدا ً، فهي تحمل في ذاكرتها الآمها وخيباتها وإنتكاساتها ومن كان سبب تلك الآلام والخيبات والإنتكاسات. فعلى سبيل المثال، لم ينسى الشعب النرويجي بأن قوات هتلر الغازية مرت عن طريق الأراضي السويدية بعد الإتفاق مع الحكومة السويدية لتجنب دمار الحرب في الحرب العالمية الثانية، فهم إلى الآن يحملون الغضب تجاه الشعب السويدي، ولم ينسى الشعب السويدي ذلك أيضا ً إذ مازالوا يخجلون من ذلك الإتفاق الذي يعتبرونه مشينا ً ببلدهم وشعبهم.

على الكويتين أن يفهموا بأن مستقبل الكويت والكويتيين مع الشعب العراقي وليس مع الحكومات العراقية المتعاقبة، وبالخصوص في زمن الديمقراطية والإنفتاح حيث الكلمة العليا تكون للشعوب وليس للحكومات. لم يجن الشعب العراقي من الكويت إلا الويلات من دعمهم لحزب البعث ولعبهم الآن على إرتباك الموقف العراقي الداخلي وإستغلاله سياسيا ً. بل الأكثر من ذلك لاينسى العراقيون بأن قوات الإحتلال الغازية أتت من الكويت التي كانت تعتقد بأنه تحرير وهو من الأفعال التي يحاسب عليها القانون الدولي ومن حق العراق طلب التعويضات على ذلك الفعل. فإستغلال الموقف المرتبك بدعم أطراف أو مجموعة من السياسيين العراقيين المنتفعين من قبل حكومة الكويت أو بالإعتماد على أطراف داخل الحكومة العراقية لن يجدي نفعا ً مثلما كان ذلك مع حكومة البعث. فالشعب العراقي هو الباقي وهو الجار الذي لابد أن يكون السبب في بناء العلاقات الجيدة. فعلى الكويت أن تعيد كل حساباتها وفي جميع الملفات، كترسيم الحدود وملف الديون وميناء مبارك بما يخدم مصلحة الطرفين، وأقصد هنا الشعبين إذا كانت تريد علاقات أبدية خالية من التشنج. فلن يبقى الشعب العراقي يدفع إلى الأبد لحروبه الخليجية الثلاث كقرطاج التي ظلت تدفع الخسائر في حروبها البونيقية الثلاث مع روما. إن الشعب العراقي ضحية أيضا ً حاله حال الشعب الكويتي الذي مازال يعاني آثار الغزو العراقي والذي شكل عقدة نفسية له أثرت عليه وعلى سياسة الدولة مع دول الجوار.

[email protected]