قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا اعتقد أن الرئيس التونسي السابق بن علي قد جانب الصواب عندما حاول التأكيد على مساهمته في نهضة تونس بتحقيق quot;نسبة 5 % نمو سنوي بدون انقطاع على مدى العقدين الماضيين.quot; ويمكن القول نفس الشيء بالنسبة لمبارك في مصر، لان هذه النسبة تفوق بكثير نسبة تزايد عدد السكان، ومن ثم فهي تؤدي بكل تأكيد إلى تحسن مطرد في معدل دخل الفرد، وإن بقيت الأمور دون المبتغى. نسبة النمو السنوي هذه تعني زيادة معدل دخل الفرد سنويا تقارب 3،5% في تونس و2،5% في مصر، وذلك بعد طرح نسبة معدل الزيادة السنوية للسكان في البلدين. لكن مع أهمية هذا الانجاز، يبقى سقوط الرئيسين السابقين لأسباب من أهمها تردي الأحوال المعيشية للمواطن والبطالة شاهدا على أن نسبة النمو هذه لم تكن كافية، وربما كان الأجدر بالبلدين استهداف نسبة نمو سنوي اعلي، بحدود 7% على سبيل المثال.
اجل إن تحقيق نسبة 7% نمو على مدى العقدين الأخيرين، أي إضافة نقطتين مئويتين للنمو السنوي في كل من تونس ومصر، كانت ستزيد من معدل دخل الفرد فيهما بحوالي 50% عما كان عليه الأمر عند اندلاع الانتفاضات الشعبية الأخيرة، بالإضافة إلى الانخفاض التدريجي لنسبة البطالة التي كانت ستتولد عن هذا النمو المرتفع والمستدام. فكيف فشل كل من بن علي ومبارك في استهداف نسبة 7% نمو عوضا عن 5% إذ كانت النتائج المنتظرة بهذه الأهمية؟
الدراسات المقارنة مع النمور الآسيوية التي حققت نسبة 7% نمو سنوي على المدى الطويل تساعدنا على التعرف على أهم نواحي الإخفاق في تونس ومصر، وفي مقدمتها:
أولا: ضعف الادخار والاستثمار في البلدين نتيجة ضعف النظام المصرفي والمالي الذي بقي محميا من المنافسة الأجنبية، وضعف بيروقراطية الدولة وفشلها في دفع عجلة الاستثمار، بدليل أن نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر بقيت ضعيفة خلال كامل عقد التسعينات ( 2،4% من الناتج المحلي الإجمالي في تونس و1،2% في مصر)، ولقد جاء ارتفاع هذه النسبة في البلدين إلى قرابة 4% خلال العقد الموالي متأخرا، كما يعود في جزء هام منه إلى الاستثمار الأجنبي في الطاقة، وهو قرار يحدده مخزون الدولة من النفط والغاز لا شطارة الحكومة في تطوير الاستثمار.
ثانيا: مواصلة هيمنة الدولة على الاقتصاد، مع عرقلة دور القطاع الخاص. سطوة الدولة على الاقتصاد الوطني واضحة بدليل ارتفاع الضرائب ومن ثم الإنفاق العام لأموال دافعي الضرائب، لكن حسب أولويات واختيارات الحكومة التي قد تختلف عن أولويات واختيارات المواطنين. كذلك، فان سطوة بيروقراطية الدولة على البنوك، التي تم الإبقاء على ملكيتها لحساب القطاع العام، قد مكن المتنفذين ولصوص الحزب الحاكم من الاستحواذ على جزء كبير من مواردها، وذلك على حساب رجال الإعمال الحقيقيين. بل وصل الأمر إلى إقرار سياسات عديدة لا هدف من ورائها سوى إقصاء القطاع الخاص من بعض الأنشطة الرئيسية، مثل البنية التحتية (طرقات سريعة، موانئ، قطارات وخطوط المترو للتنقل داخل المدن الكبرى)، ومؤسسات التعليم العالي، بدليل عدم وجود جامعة خاصة واحدة في كل من تونس ومصر تضاهي جامعة quot;بيلكنتquot; في تركيا، على سبيل المثال.
ثالثا: عرقلة المنافسة الداخلية من خلال التحكم في التراخيص من طرف الإدارة المركزية، وكذلك الفساد بحيث أصبح نيل رضا أمثال بلحسن الطرابلسي في تونس وجمال مبارك في مصر شرطا أساسيا للاستثمار في المشاريع ذات الأهمية. وتم هذا في ظل الحماية من المنافسة الخارجية بواسطة التعريفة الجمركية المرتفعة وحزمة من الحواجز الإدارية الأخرى.
رابعا: الفشل في الاستفادة من اقتصاد المعرفة وتطبيقاته في مجال الصناعات التصديرية، حيث بقيت نسبة الصادرات السلعية ذات التقنيات المتقدمة بحدود 3% في الدولتين، بينما تقارب هذه النسبة نصف صادرات النمور الأسيوية.
قد تفسر العوامل المنوه عنها أعلاه كيف فشلت كل من تونس ومصر في الارتقاء بالنمو السنوي من 5% إلى 7%، لكن هذا التفسير يبقى سطحيا، إذ انه لا يجيبنا على السؤال الشامل والأعمق: لماذا فشل بن علي ومبارك في استهداف 7% نمو إذا كان الأمر بهذه الأهمية؟
جزء من الإجابة على هذا السؤال يتعلق بمجموعات الضغط من المنتفعين من النظام القائم من بيروقراطية الدولة ورجال الأعمال المؤثرين وشركات القطاع العام والنقابات العمالية. ضغطت هذه المجموعات - كل على طريقته - لإبقاء الوضع على ما هو عليه، مستعملة سلاح التخويف من سلبيات المخاطرة باعتماد إصلاحات حقيقية، وربما كان الهاجس الأمني الكبير عند كل من بن علي ومبارك الرادع لكليهما، لذلك رفضا إقرار إصلاحات صعبة لكنها ضرورية لتحقيق التنمية المستدامة.
لكن الجواب السابق يثير بدوره عدة تساؤلات، فإذا كان انعدام الإصلاح الشامل يشتري سلما اجتماعية على المدى المتوسط تكون على حساب نمو الدخل والعمالة على المدى الطويل، فما سبب عدم إدراك بن علي ومبارك لهذه الحقيقة، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار هاجس التوريث عندهما، مما كان يتطلب بعد النظر والعمل على تحقيق انجازات ملموسة تبرر التوريث المرتقب؟ يقودنا هذا التساؤل إلى حقيقة ضعف البنية المؤسسية الخاصة بتقديم الاستشارة الاقتصادية للرئيسين. منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، تم عزل حسني مبارك لدواعي صحية بحيث أصبح نجله جمال المصدر الرئيسي لاتخاذ القرار. ولم يكن بن علي بأفضل حال بعد أن اسلم أمره إلى رجل قانون فاشل، المدعو عبد العزيز بن ضياء، الذي كان رأس ماله الوحيد تزلفه لزوجة الرئيس بهدف مزيد التقرب من بن علي. وقد فسرت في مقالي السابق (المنشور على إيلاف بعنوان: عملية سطو على الجامعة التونسية تنتظر المساءلة) كيف عمل هذا quot;المستشارquot; بمعية عصابة سوء متكونة من زملائه القدامى بالجامعة (الصادق شعبان، لزهر بوعوني والبشير التكاري) على مغالطة الرئيس وحجب الحقائق عنه فيما يخص انهيار الجامعة التونسية. ولم يكن الأمر مختلفا عندما يتعلق بالملف الاقتصادي، لذلك استعصى على بن علي وبطانته إدراك أهمية الــ 7% نمو، وخدعته بعض الصور الوردية لنمو الــ 5% التي ضخمها له quot;مساعدوهquot; لغاية في نفس يعقوب.
لهذه الأسباب والاعتبارات بقيت دار لقمان على حالها في تونس بن علي كما في مصر مبارك، على مدى العقدين الماضيين، حتى أخذت الانتفاضة الشعبية الرئيسين المغفلين على حين غرة، فلاقا مصيرهما المحتوم. وفي هذا عبرة للحكومات العربية الحالية والقادمة، التي يتوجب عليها استهداف نسبة نمو سنوي لا تقل عن 7% واعتماد السياسات والإصلاحات المؤسسية المطلوبة، ولن يكون بالإمكان تحقيق ذلك دون البدء بتعيين فريق من التكنوقراط من ذوي الخبرة المعترف بها دوليا تدعمهم إرادة سياسية قوية، وإذا ما لم يحصل هذا فالأرجح ألا يكون مصير هذه الحكومات بأفضل من مصير المخلوعين بن علي ومبارك.
و من انذر فقد اعذر
[email protected]