اليهود وعلى مر التاريخ، مكون ديمغرافي مهم ضمن جغرافية الشرق الاوسط، كانوا ولازالوا اكثر الشعوب تأثيراً على المسيرة الدينية والسياسية والثقافية، بحضور بارز في كل حراك وضمن أغلب الحضارات، بغنى عن تأثيراتهم على مسيرة تاريخ البشرية، كانوا وسيكونون جزءاً من المعضلة في أية قضية تخص هذه المنطقة، وهم طرف رئيس في كل حل حصل وسيحصل.

الثورة السورية ليس باستثناء من هذه الحقيقة، وكل من ينكرها لا يود أن يضع الحلول المنطقية للصراع الحاضر، ولا يريد أن يعي ابعاد الثورة الجارية، كثيرون ينافقون على ذاتهم قبل أن يخدعوا الآخرين بمفاهيمهم، والبعض ينكرونها على خلفية ثقافية ترسبت في اللاشعور عندهم ولا قدرة لهم للخلاص منها. تراكمات المفاهيم الدينية السماوية الثلاث لم تجرف بالانسان الى هذا الصراع وهذه التناقضات، بل الانسان الذي حملها حسب غاياته ومصالحه هو الذي جرف بالمجتمعات الى هذه الضحالة وهذا المستنقع الآسن.

النظام السوري غارق في النفاق، له مسيرة طويلة مع اسرائيل بل ومع العديد من المنظمات اليهودية العالمية، وارشيف العالم مليء بالوثائق والحقائق، وانكاره لها لا يختلف عن عملية انكاره للوجود الاسرائيلي على ارض وبحدود معترف بها وبنفس السوية التي يعترف بها العالم بالدول العربية والاسلامية. والمعارضة تجاهد لإنكار كل علاقة مع اللوبي اليهودي أو الاسرائيلي وهم على ادراك أن أية علاقة أو اتفاقية دولية لهم، فيها اصبع من هذه القوة المفروضة ذاتها على الاروقة الدبلوماسية والسياسية العالمية، الاتصال لا يختلف إن كان مباشراً أو لا. انكار هذه الثبوتيات، لا يغير من المعادلة بشيء، لكنه يفسد التحليل، ويعكر الحلول، وقد يميع النتائج.

طمس الحقائق، وعدم مجابهتها بواقعية ساير النظام الاسدي منذ سيطرته على الحكم، وعن طريقه ( طمس ) خلقوا معظم الاوبئة في جسم المجتمع السوري، درجت معظمها تحت خدع سياسة الممانعة والمجابهة، وشعارات الصمود والتصدي، في زمن انعدمت فيه كل انواع الحراك الفعلي الدبلوماسي والسياسي حول القضية الفلسطينة، باستثناء تفتيت حركتهم السياسية والثقافية، وتسخيرها لمصالحه، ونحن هنا لا نتحدث عن الاعلام الفاسد المليء بالنفاق.

تجاوزت المعارضة السورية مرحلة الاثبات على أن أيران وحزب الله جزء من الصراع وطرف في المشكلة، لكنها لم تتمكن بعد من اخراجهما من المعادلة كطرف في الحل، ولا يتوقع لهم نجاحاً فيه، دون اتفاقيات دولية. والنظام يؤكد على أن الاطراف الدولية الموغلة في الثورة السورية، منها تركيا والتي اصبحت تتدخل حتى في مجرايات قضايا تهمها بشكل مباشر كالقضية الكردية، وتوقعاتها ما بعد سقوط النظام، و يندد بشار الاسد بالتدخلات الدولية الاخرى المجاورة لسوريا أو التي لها علاقات اثنية أو دينية أو حتى مصالح اقتصادية معها، لكنه على العكس يعتبر تلك الدول الموغلة طرفاً مهماً في الحل، ويدعوها إلى طاولة الحوار، بهذا رافضاً المعارضة. والجهتان يؤكدان على الوجود الاسرائيلي واليهودي كطرف رئيس من المشكلة والحل، لكنهما وبتناقض مع الذات ومع العالم ومع الشعب السوري يلغونها كجزء في المحاورات، علماً أن اسرائيل دولة تجاور سوريا ولها حدود مباشرة معها، ولا يستثنى لبنان في هذه الحالة، ولا شك أنها تتأثر بشظايا الثورة السورية وربيع الشرق كله، رغم ذلك فهي تنسق سياستها ودبلوماسيتها العالمية على مبدأ الصمت حيال ما يجري، ظاهرياً وليس فعلياً، والخلفيات الفكرية والثقافية والدينية تسند هذه المواقف الخاطئة على الواقع العملي في حاضرهما السياسي، إنها ثقافة غارقة في البعدين التاريخي والديني، و يدركان ان الواقع يعكس المطروح. الجهتان يدمجونها مع الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، وهذه قضية أبعد من صراع الشعبين حاضراً، الثورة السورية تقع خارج إطار هذه المعادلة، السلطة ركزت عليها منذ بداية الثورة لتصدير الانتباه الى خارج جغرافية الثورة، أما بعض التيارات في المعارضة الخارجية و الذين دخلوا على جسم الثورة بهتاناً يلهبون القضية من المفهوم الديني، وصراعه التاريخي، والجهل السياسي، والذي ينصب في خانة مساعدة النظام، والتي أدت الى تقليص الدعم العالمي لها، فبظهور هذه التيارات التكفيرية، والتهديد المباشر والواضح للوجود الاسرائيلي ما بعد انهيار السلطة، زادت تقلص الدعم العالمي للثورة، وأعطتهم الحجة على ذلك بعض البيانات المتطرفة الملغية لوجودها.

في البعد التاريخي، الصراع الاسرائيلي مع الاخر العربي، صراع على البقاء، اما الصراع اليهودي خارج البعد الديني، صراع على الطغيان الاقتصادي والحد منه، انهم في الطرفين يصارعون على البعد الديني تحت الستار السياسي، محاربتهم من قبل الهلال الشيعي والتيارات التكفيرية كالسلفيين والوهابيين، صراع مختلق غارق في الخداع لتضليل شعوبهم. لا شك أن الدولة الاسرائيلية غايتها الحفاظ على ذات هادئة في المنطقة، فهي متأكدة أنها بديمقراطيتها وتطورها الاقتصادي ستتمكن من السيطرة على المنطقة اقتصادياً، مثلما تسيطر الرأسمالية العالمية اليهودية على العالم. والدعاية الاعلامية المكثفة من قبل الهلال الشيعي مع مناوشات متنوعة تحت اجندات مشتركة بين الجهتين، ضد الوجود الاسرائيلي في الظاهر الاعلامي وليس النضال الواقعي، مآربها الحد من هذه الابعاد الاقتصادية، والمفاهيم الديمقراطية، وليس لخلق الصراع العسكري الذي سيهز مكانتهم و سلطاتهم. لا شك هناك معادلات عديدة في الشرق الاوسط افسدتها الدول الاستعمارية ومن ثم السلطات الحاكمة والانظمة الفاسدة، ويجب إعادة صياغتها من جديد، ومن ضمنها قضايا اثنية ودينية تتطلب حلولا عادلة وبطرق ديمقراطية تناسب الجميع، منها القضية الكردية، والفلسطينية، والامازيغية، والطوارق، والقبطية والديانات والمذاهب الاخرى في المنطقة، إضافة الى ذلك إعادة النظر في وجود الدولة الاسرائيلية بمفاهيم أخرى.

وصلت الحكومات المسيطرة على البعد الشيعي أو المُسِيرة للتيارات التكفيرية بهذه السياسة الى أهدافها، وتمكنت من خداع الشعب، لكن اسرائيل بعكسهم صريحة وصادقة مع شعبها في كل علاقاتها الدولية، والحاضر السياسي الدبلوماسي بين معظم الدول الاسلامية والعربية واسرائيل يؤكد هذه الحقيقة، والخلافات الفظيعة التي تكاد تنعدم لها الحلول، بين الفلسطينيين والاسرائيليين هي من نتاج هذه السياسة الموبوءة، والصراع الجاري ضمن سوريا والذي لاسرائيل حضور مؤكد فيه، تمر من خلال هذه الاقنية السياسية ومعظمها تدخل في خانة دعم وجود بشار الاسد ونظامه، ولما لا! فهي دولة مجاورة ضمن المعادلات الدولية في المنطقة وخارجها، وتبحث عن الانسب لكيانها. رغم ذلك فاسرائيل وبعد كل ما يشاع عنها أو تقوم بها للحفاظ على وجودها، ليست بأفسد من بشار الاسد وسلطته؟ ماذا كان سيحدث لو كانت اسرائيل هي التي قامت بقتل ستين الفاً من الشعب مثل السلطة السورية، ومئات الآلاف من الجرحى، والملايين من النازحين والمهجرين قسراً، وقامت بتدمير أكثر من مليوني بيت سكني، وتهديم ربع البنى التحتية للوطن؟!.

ركز الاعلام العربي على الغارة الاسرائيلية الوحيدة خلال هذه الثورة، أدمجها كل من النظام والمعارضة معاً بالصراع الجاري، فاتهمت السلطة الثورة من خلفياتها الفكرية، والمعارضة شددت على أنها عملية لجلب الانتباه الدولي إليها وتهميش الثورة، وكانه حراك من أجل إطالة عمر بشار الاسد، لكن الواضح هو أن الدولة الاسرائيلية تهمها وجودها وكيانها الجغرافي والاقتصادي والديمغرافي، وستفعل كل ما تستطيع عليه للحد من ظهور أي تهديد لأمنها، أو تمرير خطة تهدف إلى ذلك، وهو حق طبيعي للكائن الاسرائيلي، وكانت روسيا وأمريكا على علم بالعملية قبل حدوثها، وذلك دلالة على مدى اتفاق الطرفين على سلامة حدود اسرائيل، والتي هي من أهم احد اسباب استمرارية الثورة بدون نجاح كل هذه المدة. لا شك أن العملية العسكرية التي كانت تجري بين حدود سوريا ولبنان حراك سوري أيراني مغرض لاسفزاز اسرائيل، ولا يهم أن كانت السياسة غرضها واضحة للحكومة الاسرائيلية، أو لم تكن بينة ( وهذه نستبعدها ) بل المهم انه هناك حراك عسكري ما يهدد حدودها مع لبنان أو سوريا، لذلك فإنها سوف لن تسمح لأي خدع سياسية تظهر بدون إرادتها، والرد السلبي من قبل السلطة السورية ومن أيران أو حزب الله تؤكد على أن العملية فيها خدعة سياسية أصبحت معروفة للجميع، حتى ولو لم تكن عملية نقل أسلحة سورية كيمائية أو أيرانية إلى حزب الله، لكن بالنسبة لاسرائيل الغايات لا تختلف عن نوعية الحرب التي أثارتها أيران وسوريا في غزة، وادخالهما كتائب من حماس في معركة لم تكن لها داع، والتي لم تؤدي إلى أية نتائج إيجابية سياسية أو دبلوماسية بالنسبة للقضية الفلسطينية، بل أخرجت قافلة أخرى من الشهداء وأمهات ثكالى ودمار آضافي لبيوت فقراء غزة.

تحتاج المعارضة السورية اليوم إلى استراتيجية مغايرة للتي تنتهجها راهناً، وذلك بتجاوز المزايدات الوطنية والقومية والدينية على حساب الثورة، عليها أن ترسخ التمسك بالمبادئ الديمقراطية ليس فقط داخل الوطن بعد زوال بشار الاسد، وعليها أن تتبرأ من التيارات السلفية والتكفيرية وخطبهم الدينية المتشددة، خاصة تلك الموجهة إلى الوجود الاسرائيلي، والدين اليهودي، بل وجميع الاديان والطوائف والقوميات الاخرى، لا بد من فرز هذه المجموعات التي غرزتها السلطة في جسم الثورة، والذين كانوا حتى الوقت القريب يتدربون في معسكرات على اطراف طرطوس، وهم الذين كانوا وراء الدمار الذي حصل في العراق ولبنان ومعظم دول الشرق الاوسط. يجب الاعتراف بالاعراف الدولية من المنطق الديمقراطي بعيدا عن ثقافة الاسلام السياسي، ومن المهم تحديد سياسة سوريا القادمة مع اسرائيل، على انها دولة ذات كيان والقضية الفلسطينية يجب ان تحل من خلال المحافل الدولية كالحفاظ على الوجود الفلسطيني وإقامة دولتهم إلى جانب الدولة الاسرائيلية.

الولايات المتحدة الأمريكية

[email protected]